mustafabatal@msn.com
الأحداث متلاحقة، ولكن في لحظة كتابة هذا العمود فإن الرئيس المصري السابق حسني مبارك ما يزال قيد الحبس،برغم قرار المحكمة إخلاء سبيله في قضية قتل المتظاهرين التى مثل بشأنها أمام القضاء. إذ أصدرت النيابة العامة قرارا باستمرار حبسه علي ذمة قضية معروفة باسم (قضية الهدايا). وهي عبارة عن مجموعة هدايا قيل أن مؤسسة صحفية أرسلتها لعدد من رجال الدولة منهم الرئيس مبارك. والهدايا عبارة عن ساعات مذهبة وأقلام وربطات عنق!
ولكن ناطقا باسم النائب العام أكد ان رجال النيابة ما زالوا يعملون بكل الهمة، ويسهرون الليل،لتجهيز قضايا جديدة، ذات قيمة نوعية أعلى من قضية الهدايا، تضمن بقاء مبارك قيد الحبس.وأن ثقتهم كبيرة أنهم سيتمكنون من ايجاد قضايا مناسبة توجه ضده بإذن الله. ومن جدّ وجد، ومن سهر الليالي بلغ المعالي، أو كما قال!
قبل يومين فقط سمعت الصحافي المصري الأشهر ابراهيم عيسي يردح بصوته الجهير في برنامجه اليومي الذي يقدمه في فضائية (هنا القاهرة). شتم ابراهيم عيسي صحيفة الغارديان البريطانية شتيمة الأراذل، كونها ضللت الرأي العام في مصر، عندما نشرت بعد الثورة المصرية بأسبوع واحد خبراً يقول ان تقديرات ثروة مبارك، التي يحتفظ بها في بنوك الغرب، تصل الى سبعين مليار دولار. وهي الاتهامات التي خرجت بموجبها التظاهرات الهادرة وهي تهتف: “يا مبارك يا طيار، جبت منين سبعين مليار”. ثم اتضح لاحقا أن صحيفة الغارديان، بجلال قدرها، نقلت الخبر عن مصدر عربي هفتان لا يعرف كوعه من بوعه، وأن الخبر لا أساس له من الصحة!
مسألة التدهور المريع والتراجع الدرامي في محتوى الاتهامات الموجهة للرئيس السابق حسني مبارك، من سرقة سبعين مليار دولار الى استلام ساعة مذهبة وقلم باركر وربطة عنق ايطالية كهدية من مؤسسة صحفية ربما أثارت حيرة البعض. ولكن ليس الذين يعرفون الواقع العربي، ونهج التفكير الانفعالي والخطوات المتسرعة، والخلاصات غير الناضجة التي يقفز اليها العربان عادةً في معالجاتهم للقضايا العامة. وذلك نهج لا أظن ان شعوبنا ستقدر علي فراقه بسهولة، لأن من شبّ على شئٍ شاب عليه!
ولعل في قضايا قتل مئات المتظاهرين في ظل الحكومات الديمقراطية، في مرحلة ما بعد الثورة، دون ان يتمكن أحد حتى الآن من معرفة من أصدر الأوامر ومن نفذ القتل وكيف، ما يكشف عن جانب من هذا التسرع الذي أودى بقضية قتل المتظاهرين التي سبق توجيهها لمبارك.فقد اقتنع الجميع، بعد أن شخصت الأدلة الدامغة، بأن الأمر أكثر تعقيداً مما ظن هؤلاء، وأنه ليس من سبيل الى توفير أية أدلة قطعية تدين الرئيس السابق وتثبت ضلوعه في تلك القضية!
في السودان عقب انتفاضة ابريل 1985 جرت محاولات محمومة لإقناع مصر بتسليم الرئيس السابق جعفر نميري لمحاكمته في السودان. ولكن لا النائب العام آنذاك، الاستاذ عمر عبد العاطي، ولا غيره عرضوا علينا قائمة بالاتهامات والأدلة التي كان من المفترض ان توجه للرئيس السابق في حال قامت مصر بتسليمه. ولعل ارادة الله أرادت بالسودان خيراً إذ استعصمت مصر بتقاليدها في عدم تسليم اللاجئين. اذ لو فعلت مصر لتورطت الحكومة الانتقالية في حرج عظيم، ولأدخلت نفسها في نفق ما كانت لتعرف الى الخروج منه سبيلاً. ولا غرو، فقد كان رئيس المجلس العسكري الانتقالي وكامل عضوية مجلسه، بالاضافة الى عدد كبير من اعضاء مجلس وزراء حكومة الانتفاضة من خيرة جنود النميري وتابعيه ورجاله المخلصين طوال سنوات حكمة التي بلغت ستة عشر عاماً!
ثم أن جعفر نميري عاش بقية حياته، بعد مغادرته السلطة، فقيراً لا يملك من حطام الدنيا شروى نقير. ومات في منزل ورثه– هو وأخيه – عن والدهما في حي ودنوباوي الشعبي، ولم يمتلك غيره. بل أن عقيلته، السيدة الفضلى بثينة خليل، لم تنعم حتي بوراثة الجزء الذى آل لها من ذلك المنزل. حيث داهمتها، من حيث لم تحتسب، إمرأة اخرى، من جنوب السودان، اسمها روضة جوان، تحمل مستندات شرعية تبين زواجها سراً من الرئيس السابق. وأقر ابن عم الرئيس، عبد الغفار النميري، امام المحكمة الشرعية أن خط وتوقيع ابن عمه في أوراقعقد الزواج صحيح. وكان في ذلك عظة وعبرة وبرهان للعالمين أن كل الروايات التى أحاطت بالرجل عن ملايين الدولارات المختزنة في بنوك الغرب، والشراكات مع عدنان خاشقجي وغيره، لم تكن اكثر من خرافات وخزعبلات!
حسني مبارك لن يموت معدماً مثل جعفر نميري. هذا مؤكد. ولا بد ان ولديه علاء وجمال يحتكمون على ما يكفيهم، ويكفي والدهم في أيام دنياه الباقية. ولكن المؤكد أيضاً ان مبارك لم يسرق من أموال المحروسة سبعين مليار دولار، ولم يأمر بقتل المتظاهرين.
بل أن التاريخ – الذي لا يعرف فورات المشاعر الخرقاء والاندفاع الأهوج – سيسجل له بمدادٍ من نور أنه واجه مصيره بشجاعة، وصارع هوى نفسه، فلم تأخذه العزة بالإثم، وأسرع بالتنازل عن السلطة حقناً لدماء الأبرياء!
نقلاً عن صحيفة (الخرطوم)
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم