في إطار احتفاء جمعية الهلال الأحمر السوداني باليوم العالمي للتطوع ٥ ديسمبر .. بقلم: د. محمد عبد الحميد/ نائب رئيس الجمعية
5 ديسمبر, 2020
محمد عبد الحميد, منبر الرأي
161 زيارة
في فلسفة التطوع
تتحقق إنسانية الإنسان عندما يتسامى عن ذاتيته. والتسامي عن الذاتية هو ضرب من ضروب القدرة والقوة حيث يستبطن معاني الغيرية altruism وهذه الأخيرة يمكن بحثها في العديد من العلوم لاسيما في ميدان الفلسفة وعلم النفس الإجتماعي. فالغيرية هي أكبر المحركات الدالة على إدراك قيمة التطوع لأنه يرتبط بها ارتباطاً وثيقاً، فالتطوع لا ينبع من فراغ وانما بدوافع نفسية وشعورية وفي أسمى تجلياته عقلية حيث تشكل الغيرية حاصل ذلك الشعور والإدراك ليس فقط بالآخر من حيث وجوده ، وإنما العمل على اسعاده حتى وإن كان ذلك على حساب الذات. يمكن أن يُلاحظ في نهاية التحليل أن الغيرية هي مصدر الطاقة التي تمد المرء بالقوة الأخلاقية التي تجعله يتسامى عن ذاته من أجل الآخر. لذلك فقد حضت كل الديانات والفلسفات الأخلاقية على ضرورة أن يتحلى المرء بشئ منها على اعتبار أنها فضيلة virtue والفضيلة هي مبعث المتعة الروحية كما ذهب لذلك الفيلسوف ديكارت.
يمكن القول اجمالاً أن الحديث عن التطوع لا يستقيم إلا داخل عملية تقسيم العمل Devision of labour وذلك باعتبار أن التطوع نفسه هو جزء من العمل. إلا أنه عمل مبذول خارج نطاق سوق العمل -كما يؤكد الباحثون – يُبذل لأسباب إنسانية دون توقع عائد مادي أو نقدي .. فالواضح أن التطوع يقوم في الأساس داخل بنية كلية تعترف بغيره من اشكال تلقي الخدمات التي غالباً ما تكون مدفوعة القيمة. لذلك فإن التطوع يقوم في العادة داخل نسق اجتماعي محكوم بقوانين السوق أو ضمن نظام اقتصادي رأسمالي يعجز فيه البعض عن الحصول على الخدمات، إما نتيجة لعدم توفر القدرة في الحصول affordability على الخدمة، نتيجة إما لفقر الدخل أو الفقر المفاجئ، أو عجز الدولة عن تقديم الخدمة للجميع بشكل متساوي. وعند هذه النقطة بالتحديد تبرز أهمية التطوع وهي المبادرة بتقديم الخدمة دون مقابل مادي. غير أنه قد يصعب على المتطوع أن يقوم بتلك الخدمة أو بذل جهده إن كان هو نفسه لا يستطيع أن يُوفي باحتياجاته الأساسية. وعند هذه النقطة بالتحديد يمكن النظر إلي التطوع من خلال هرم ابراهام مازلو للإحتياحات الإنسانية والذي يقضي بضرورة استيفاء الحاجات الفسيولوجية الغرائزية المتمثلة في المأكل والمشرب والملبس وغيره عند أسفل أو قاعدة الهرم ، مروراً بالحاجة للأمن والذي يُمكّن الانسان من عدم الانشغال بتلبية هذه الحاجة ومنها الأمن الوظيفي والأسري … الخ وتأمين الاستقرار النفسي والفكري والاجتماعي وصولاً إلي تحقيق الذات Self actualization والذي عنده تبدأ عملية القدرة على العطاء بصورة حقيقية دون توقع عائد مادي.
تأسيساً على كل ما سبق يمكن القول إجمالاً أن العمل التطوعي يقوم بعد أن تتحقق في مَنْ يقوم به أهليتين أو لازمتين، الأولى تندرج في نطاق الاستعداد النفسي للعطاء بحسبان أن التطوع فضيلة تبعث على المتعة الروحية، والثانية تحقيق كل الاحتياجات الإنسانية الأولية مثل المأكل والمشرب على نحو ما تبين في هرم مازلو وصولاً إلي تحقيق الذات في أعلى قمة الهرم، حيث تقترن المتعة الروحية مع القدرة على العطاء بعد استيفاء كافة الإحتياجات التي تمكن الانسان من أن يكون غيرياً altrustic.
هنالك جدل يدور حول العمل التطوعي المؤسسي والذي يتلقى فيه العاملون أجراً نظير عملهم في المؤسسات والمنظمات الإنسانية، وقد لا يكون في الأمر حرج القول أن العاملين في الشأن الإنساني هم موظفون مثلهم مثل كل العاملين الذين يقدمون خدماتهم طبقاً لوصف وظيفي يتقاضون على أساسه أجراً مقابل ما يؤدونه من عمل. غير أن الصبغة التطوعية هنا تنطبق على المؤسسة لا على الأفراد العاملين بها. لذلك تميز هذا النوع من العمل بصفة خاصة لا ينطبق عليه ما ينطبق على المؤسسات الحكومية أو مؤسسات القطاع الخاص الهادفة للربح. لذلك سُمي بالقطاع الثالث Third sector والذي يتميز بوجود منظمات يُطلق عليها المنظمات غير الحكومية NGOs أو المنظمات القاعدية CBOs أو المنظمات غير الهادفة للربح NPOs. وقد سُميت كلها مؤخرا بمنظمات المجتمع المدني CSOs والتي هي بحق تملأ الفراغ بين المجتمع و الدولة وتتدخل إنسانياً كلما عنّت الحاجة للتدخل لاسيما عندما تعجز الدولة عن تقديم الخدمات لكل قطاعات المجتمع، لذلك فهي مكملة للدور الرسمي الحكومي وتجد من الدول في معظم الأحيان الدعم والتأييد.
خلاصة القول أن التطوع لا يمكن أن يُعتبر مهنة أو وظيفة ينذر لها شخص نفسه دون أن يستوفي احتياجاته الأساسية، أو يتوقع أن يجد مقابل مادي نظير ما يقدمه من خدمات. كما أن تلقي الخدمات التطوعية في ظروفٍ معينة لا تعني بأي حال من الأحوال الانتقاص من قدر ذلك الشخص. لأن تلقيه لتلك الخدمة قد يمكنه ذات يوم من تقديم الخدمة لغيره من المحتاجين، الذين قد تضطرهم الظروف لتلقي العون. لذلك تم تطوير أدب العمل الانساني عبر التجربة والممارسة العملية بإعتماد بعض المبادئ التي تنص على أن متلقي الخدمة هو صاحب مصلحة حقيقية مثله مثل مقدمي الخدمة والمانحين.
د.محمد عبد الحميد