برز عقب اندلاع حرب ١٥ أبريل ٢٠٢٣م المدمرة و التي لا تزال نيرانها تصلي الشعب السوداني في معظم أنحاء البلاد ، مصطلح دولة ٥٦ في إشارة لإعلان استقلال السودان في بداية ذلك العام. تعرض السودان في تاريخه الحديث لحروبات داخلية استمرت لعقود و لم تبدر أي إشارات لوصف الدولة بهذه الصفة بما يحمل صبغة تصنيفها بأنها دولة ( الشمال النيلي) أو (الجلابة) أو دولة تتسيدها القوميات ذات الأصول العربية.
لقد نصّبت الإنقاذ نفسها لسانا لأهل الشمال و أشعلت عبر المؤتمر الوطني المنحل حربا في دارفور و جنوب كردفان و جنوب النيل الأزرق بلغت درجة الوصف بالتطهير العرقي و الإبادة الجماعية حتى تدفع هذه الأقاليم إلى تبني خيار الانفصال مقابل الانفراد بحكم ( مثلث حمدي) بشعار الشريعة الإسلامية المفرغ من معناه و توجت هذه الحروب بحرب ١٥ أبريل البغيضة ، حمل السودانيون في الشمال هذا الوزر و لم يكونوا بمنأى عن التهميش.
دولة ٥٦ هي دولة السودان الحديث التي رفع علم استقلالها في ذلك التاريخ من الحكم البريطاني برئاسة الزعيم إسماعيل الأزهري و تحقيق أشواق و تطلعات الشعب السوداني بتبني خيار الشعب بدلا عن الدعوة للاتحاد مع مصر، و يمثل هذا الحدث السياسي و الوطني الكبير أسمى درجات ارتباط القيادة بالقاعدة.
لم يزعم الأزهري أنه مؤسس للدولة بل أشار في لقاءات إذاعية
و حوارات صحفية أن ما قام به مع أشقائه الاتحاديين و رفاقه في الحركة الوطنية ما هو إلا امتداد لحركات التحرر الوطني في البلاد مشيرا إلى حركة اللواء الأبيض و إضراب كلية غردون.
قبل الجنوبيون بفكرة الاستقلال بناء على مطلبهم بتنفيذ النظام الفيدرالي في إطار السودان الموحد ، و قد ظهر هذا المطلب بوضوح مع تأسيس الحزب الليبرالي الجنوبي في أكتوبر ١٩٥٤م إلا أن حكومة الأزهري رفضت هذا المطلب و (اتهم سياسيون و مؤرخون حكومة الأزهري بالتسويف و المماطلة و عمدت الحكومة إلى استبعاد الحزب الليبرالي صاحب النفوذ التمثيلي للجنوب من الحكومة مكتفية بتعيين شخصيات جنوبية موالية للحزب الوطني الاتحادي لا تتبنى مطلب الفيدرالية ). و عند صياغة الدستور تجدد رفض خيار الفيدرالية مما أدى إلى انسحاب الأعضاء الجنوبيين من لجنة الدستور ٥٧/ ٥٨ مما تسبب في الاحتقان السياسي ( و مهد الطريق نحو أزمة وطنية عميقة و انقلاب عبود ٥٨).
من الواضح أن الزعيم الأزهري كان يخشى من أن يكون خيار الفيدرالية مدخلا لمطالبة الجنوبيين بالانفصال و يكتب في تاريخ كفاحه الوطني استقلال منقوص في وطن منقوص أثبتت التجربة امكانية تعايش قومياته و قبائله في وطن واحد أملا و عملا بإدارة هذا التنوع. و بعد أكثر من نصف قرن يمنح الجنوبيون حق تقرير مصيرهم بين البقاء في السودان أو الانفصال عنه دون أن يطرح خيار الفيدرالية فهل إذا تم دفع السياسيين إلى طرحه آنذاك في موائد نيفاشا سيكون جُنّة ضد
الانفصال ؟
و رغم اخطائها و من بينها فيدرالية الجنوب فقد كانت لدولة ٥٦ إيجابيات كثيرة لكنها فشلت في إدارة التنوع و التي لا تزال تمثل أم المشاكل في السياسة السودانية بالإضافة لعدم وجود نظام حكم لا مركزي.
و جاءت دولة ٨٩ ترفع شعار أن الاستقلال هو ( استقلال القرار)، تريد أن تنسخ نضال قادة الحركة الوطنية ليدخل السودان و عبر ٣٠ عاما في دوامة العزلة و الموت بالسيف و غيره فغدت تلك الدولة و من يتحدثون عن دولة ٥٦ الآن وجهين لعملة واحدة.
دخل السودان و هو على أعتاب الاستقلال و هو يحتقب شعار ( تحرير لا تعمير ) و الذي يرى فيه بعض المؤرخين أنه( جدال لفظي ملتبس لا أكثر ) و يمثل أحد محددات البعد النخبوي في السياسة السودانية على غير ما ساد في الجوار و الإقليم فقد دخل السودان استقلاله ( بوعي منقسم حول الحرية و الخبز ) بينما دخلت كثير من حركات التحرر في أفريقيا و آسيا و هي تشدو بترانيم الوعود التنموية و تشرئب إلى آفاق الانعتاق من (أغلال القهر الاستعماري و من مذلة الفقر و العوز المادي مرة واحدة في آن واحد إلى الأبد) .
= نالت غانا استقلالها بعد عام من السودان و كان نكروما يقود حركة التحرر وفق برنامج ( العمل الإيجابي) الذي يقوم على دعامتين ، طرد المستعمر و بناء الاشتراكية التي تقوم على التصنيع و الثورة الزراعية بوصفها طريق تحقيق الحياة الكريمة للشعب الغاني.
= رفع حزب الإصلاح الثوري بقيادة نايريري في تنزانيا بعد الاستقلال ( إعلان أروشا) ، و دعا لنموذج أفريقي في التنمية يقوم على التنمية الريفية محوره ما عرف ( بالقرية التعاونية المنتجة ) ، و على امتداد سنوات التأسيس في تنزانيا كانت مساعي التنمية الريفية محور اهتمام و تقدير العالم و نال نايريري احترام العالم لالتزامه الأخلاقي المنحاز للريف و الفقراء.
= في مصر دفع عبدالناصر بلاده بيد للجلاء و خروج الجيوش البريطانية و بيده الأخرى أمّم القناة و عمل على الإصلاح الزراعي و التصنيع و إنارة الريف. ( لم يكن يراود حركات التحرر في أي من هذه البلدان شك أو تلجلج في أن الاستقلال هو الخبز و الحرية مجتمعان) ، و على الرغم من أن السياسات التنموية في هذه التجارب ربما لم تكن حققت أهدافها و مراميها و لكنها نجحت في إعلاء قيمة قضية التنمية باعتبارها ( القضية المحورية في النضال اليومي لهذه المجتمعات ).
لقد كان أمام السودان فرصة أن يكون أنموذجا في التعمير مثلما كان كذلك في التحرير لما يتمتع به من مقومات طبيعية و بشرية تؤهله لريادة القارة فقد كان رائدا في النضال و في السياسة و الكياسة لذلك الجيل.
و السودان يعيش الآن أكبر محنة في تاريخه المعاصر و معطيات حرب أبريل تهدد وجوده يستدعي هذا الشعار و من زاوية نقدية ( تحرير و تعمير ) بعد أكثر من ٧٠ عاما.
دعوة للتحرر من سطوة العسكر المستردف بالآيديولوجيا و الدين المتنحي و الجيوش المتعددة و المليشيات التي تسخر
كل إمكاناتها مسنودة بالبندقية ( الممجدة) لنهب خيرات البلاد و مقدراتها و الشعب تلهب ظهره السياط بعد أن (كابسه ) الجيش في معايشه و مدنيته و جعله يحمل السلاح بدلا عنه في مظهر من مظاهر يصدق عليه القول بتصرف .. أفلا يتدبرون حال الوطن أم على قلوب أقفالها !
