Sudanile-Logo-SQ

في برزخ الانتظار .. أنشودة الشوق على أعتاب العفو واللقاء

محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com

بين انطباق الأجفان وصحوة الروح تمتد مسافة فاصلة يسميها العارفون بـ “الانتظار”؛ تلك المنطقة الرمادية التي يختلط فيها يقين الأمل بمرارة الافتقاد حيث يغدو الزمن خيطاً واهياً يلتف حول العنق كلما مرّت ساعة دون لقاء ازداد القيد إحكاماً ليس الشوق مجرد عاطفة عابرة بل هو استنزاف هادئ للروح ونزيف صامت لا تراه الأعين يسكن في تجاعيد القلب ويبحث عن مأوى في ذاكرةٍ تأبى النسيان.
حين يغيب الحبيب أو يبتعد المرتجى ينكفئ العالم على نفسه وتفقد الأشياء معانيها البكر و يصبح الصبح باهتاً والمساء عبئاً ثقيلاً ينوء به الصدر إن الحنين في عمقه هو “غربة داخلية”؛ حيث يشعر المرء أنه غريب حتى عن نفسه لأن شطره الآخر عالق في مكان ما خلف أسوار المسافة أو وراء قضبان الغياب في هذه اللحظات يتحول الشوق إلى لغة لا يفهمها إلا من كابد ليل المحبين لغة حروفها التنهدات ونقاطها الدموع التي جفت في المآقي خشية أن يراها الوشاة.
في سياق الانتظار يبرز “العفو” كمنارة قصية يرتجى ضوؤها إن انتظار اللقاء المقترن بطلب الصفح هو أشد أنواع الانتظار إيلاماً؛ فهو مزيج من انكسار الذنب وعزة المحبةهنا يغدو الحنين صلاةً خاشعة وتصبح الرغبة في اللقاء استجداءً للحياة من جديد فالعفو ليس مجرد كلمة تقال بل هو “عبور” من جحيم القطيعة إلى جنة الوصل هو الفعل الذي يرمم ما هدمه الخصام ويداوي الندوب التي خلفتها الأيام العجاف.
“ما أصعب أن ننتظر عفواً ممن نحب ونحن نعلم أن قلوبنا لم تكن يوماً لتقوى على الفراق لولا عثرات الطريق التي جعلت من اللقاء حلماً بعيد المنال.”
على رصيف الأمل يقف المنتظرون شاخصة أبصارهم نحو الأفق يراقبون العابرين يفتشون في الوجوه عن ملامح غابت وفي الأصوات عن نبرة كانت تبث فيهم الحياة هذا الانتظار هو “موت بطئ” يتكرر كل يوم؛ فكل غروب للشمس دون سماع خبر أو نيل عفو هو طعنة في خاصرة الوقت. إنهم يعيشون على فتات الذكريات يستحضرون الضحكات القديمة لتدفئة برودة الوحدة ويقرأون الرسائل العتيقة حتى تآكلت الحروف من كثرة ما لمستها الأيدي المرتجفة.
إن الشوق والحنين في أسمى تجلياتهما هما الدليل القاطع على أننا لا نزال أحياء و نحسّ ونعاني ونرجو ورغم الحزن العميق الذي يكتنف هذه المشاعر يظل الأمل في “اللقاء والعفو” هو القوة المحركة التي تمنع القلب من التوقف فما أضيق العيش لولا فسحة الرجاء وما أقسى القلوب لولا نبل التسامح سيبقى المنتظرون على عهدهم ينسجون من خيوط الفجر ثياباً للقاء موقنين أن الغربة لا بد أن تتبدد يوماً أمام نور الوصل والصفح الجميل.

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

قيدُ الوفاء … في غيابةِ الشوقِ وأنتِ الأمل

محمد صالح محمدثمةَ أرواحٍ لا تختارُ مَن تُحب بل تسقطُ في الحب كما يسقطُ المطرُ …