في بلادي.. الطفولةُ رصاصٌ فارغ ونحاسٌ يرتدي ثوبَ الموت

محمد صالح محمد
binsalihandpartners@gmail.com

في تلك البقاع التي كانت تضجُّ يوماً بأهازيج الحصاد وصخب المدارس يطلُّ علينا اليوم “السودان الجريح” بوجهٍ لم تألفه الإنسانية وجهٌ تُرسم ملامحه بأيدي صغارٍ لم تبلغ أحلامهم بعدُ عتبات النضج لكنَّ خيالهم اغتسل بماء الحرب حتى استحال صلداً كالفولاذ.
على قارعةِ طريقٍ يلفحهُ حزنٌ أبدي يقف أطفالٌ في عُمر الزهور ملامحهم المتربة تخفي وراءها براءةً ذبحتها الشظايا هؤلاء الصغار الذين كان من المفترض أن تمسك أناملهم الغضة بأقلام التلوين ليرسموا شمساً تشرقُ بالخير باتوا اليوم “مهندسي موتٍ صغير”. ببراعةٍ تفتت الأكباد جمعوا قطع الحديد الخردة وشكلوها على هيئة “كلاشينكوف”، ثم انحنوا بظهورهم المحنية أصلاً بوجع النزوح ليلقطوا “فوارغ الرصاص” من بين الحطام.
بصبرٍ يفوق سنواتهم القليلة وبأصابعٍ شققها السلك الصدئ نظموا تلك الفوارغ النحاسية في شريطٍ طويل أحكموا ربطه حتى استوى “حزاماً للذخيرة” يبدو من بعيدٍ كأنه جحيمٌ جاهزٌ للانفجار لن تدرك زيف هذا السلاح ولن تكتشف أن الرصاص “فارغٌ” من مآسيه إلا حين تقترب لتسمع دقات قلوبهم الوجلة؛ هناك فقط ستدرك أن الفراغ ليس في الرصاص فحسب بل في مستقبلٍ يُسلب وفي طفولةٍ تُشيَّع إلى مثواها الأخير قبل أن تبدأ.
يا للهول.. كيف تحولت أدوات القتل إلى “لُعبٍ” في يد مَن لم يتقنوا بعدُ فكَّ الخط؟ وكيف استبدلوا نشيد العلم بصرير النحاس؟ إنها إفرازات الحرب اللعينة التي لم تكتفِ بهدم الجدران بل تسللت إلى عقول الأطفال لتسمم خيالهم وتحول “البراءة” إلى “محاكاةٍ” للدمار الذي يشاهدونه كل صباح.
إن هؤلاء الأطفال في بلادي السودان وهم يحملون بنادقهم المعدنية الصامتة لا يلعبون؛ بل يصرخون في وجه العالم بصمتٍ جارح إنهم يجسدون مأساة جيلٍ كامل جيلٍ صار يرى في السلاح وسيلةً للوجود وفي الرصاص الفارغ حُليّاً تزين صدر طفولته المذبوحة.
سيبقى ذلك المشهد غصةً في حلق التاريخ ووصمة عارٍ على جبين كل من أشعل عود ثقابٍ في هذا الوطن؛ فبأي ذنبٍ يُجبر الطفل السوداني أن يصنع ألعابه من بقايا الموت؟ وكيف لنا أن نرمم أرواحاً باتت ترى في فوارغ الرصاص هويتها الوحيدة؟

عن محمد صالح محمد

محمد صالح محمد

شاهد أيضاً

قيدُ الوفاء … في غيابةِ الشوقِ وأنتِ الأمل

محمد صالح محمدثمةَ أرواحٍ لا تختارُ مَن تُحب بل تسقطُ في الحب كما يسقطُ المطرُ …