في ذكرى الامام الصادق المهدي عليه رضوان الله ..

انهاء نموذج الدولة المتسولة

الجزء الاول

في النصف الثاني من السبعينيات، كان الاقتصاد السوداني في عهد الرئيس جعفر نميري يواجه أزمات متفاقمة نتيجة الإقراض الخارجي المفرط والعجز المتنامي في ميزان المدفوعات، اضطر نظام نميري للجوء لصندوق النقد الدولي عام 1978 مقابل برامج إصلاحية (Structural Adjustment) قيدت السياسات المالية، شملت تخفيض قيمة الجنيه السوداني وتعويمه ، انخفض سعر الجنيه الرسمي من 2.87 دولار (1978) إلى حوالي 0.40 دولار بحلول 1985 ، وقد أضرت سلسلة عمليات التقليص هذه بثروة المواطن واستقرار الأسعار،كما أدت إجراءات التقشف ورفع أسعار الخدمات (خاصة الوقود والخبز) إلى احتجاجات شعبية واسعة،بحلول 1984 تخلف السودان عن سداد القروض المترتبة على جهات تمويل دولية مهمة . تشير التقديرات إلى أن معظم الديون الخارجية السودانية المثقلة تحمل أصولها إلى تلك الحقبة (السبعينيات والثمانينيات)؛ فقد ضخ النظام قروضاً ضخمة متوقعة أن يسدها النفط المستقبلي، وبقيت الخدمة على المديونية عبئاً ثقيلاً، خاصة بعد جفاف 1983 والصراع في الجنوب التي أدت إلى تعليق السداد عام 1984 .

التعبير اللغوي والبلاغي في خطاب المهدي

عند تسلمه مقاليد الحكم (مايو 1986)، استخدم الإمام الصادق المهدي لغة نقدية حادة لوصف إرث نميري الاقتصادي في لقاء صحفي مع صحيفة القبس منشور علي حساب sudanhistory علي منصة اكس، و اللقاء طويل اقتبست منه نقطة واحدة و يمكن ان نقوم بنشره و التعليق عليه في عدد من المقالات .

استهل حديثه بألفاظ قوية استنكرت اعتماد الدولة على المعونات والقروض الخارجية، واصفاً السودان بلقب (الدولة المتسولة) .

و هذه العبارة المحملة بالمعاني التجريبية والتنميقية (metaphorical) تفيد تصوير الدولة وكأنها تتسكع بين باب المانحين عالمياً بحثاً عن يد عون (دون خطة قائمة علي المبدأ الوطني) ، مما يشي بفقدان الكرامة والاستقلال في صُنع القرار، استخدم المهدي مصطلحات مثل “التسول” و”الإذلال“ لإضفاء بعد سياسي على نقده الاقتصادي، في إشارة ضمنية إلى أن كل منحة أو قرض خارجي يأتي (ثمنه ضياع السيادة) وسيطرة الممولين على السياسات المحلية.

النتائج المتوقعة من نموذج الاعتماد على الخارج

أوضح الامام المهدي أنه ينظر إلى (التسول الخارجي)

كمسار ينطوي على عواقب وخيمة بالنسبة للسودان. في خطابه تلمّح إلى أن تمويل الدولة عبر المنح والقروض يقود إلى:

  • فقدان الاستقلال السياسي بمعني ربط دعم الدول والمصارف الدولية بشروط تصعيدية على السياسات المحلية ،فكما شهدت السودان سابقاً، غلبت شروط صندوق النقد إصلاحات تقشفية وإلغاء دعم، ما ”دمر اقتصاداً قومياً” بمعدل تقلب عملة هائل وزيادة التضخم ، لذا حذر الامام الصادق من أن «الدولة المتسولة» تكون مستعدة للتخلي عن القرارات السيادية لقاء استمرار منح الجهات الخارجية مساعدات.
  • ارتفاع عبء الديون: بالاعتماد على تمويلات خارجية يعني تراكم مديونيات جديدة، واليوم لا تزال السودان تكافح أثر هذه السياسات القديمة؛ كتركة للانظمة القادمة ، بقيت ديون السودان الخارجية تقترب من 64 مليار قبل الحرب ، اغلبها خدمة و فوائد ،هذه الديون الضخمة تزيد فاتورة خدمة الدين السنوية وتستنزف الموارد الحكومية، ما يعيق التنمية والبنية التحتية الوطنية .
  • تعطيل التنمية المحلية باعتبار ان تمويل المشاريع الكبرى بالاعتماد على استدانة خارجية ليس بديلاً عن بناء اقتصاد منتج ،انا البلاد ستحتاج الي مواد لتسديد الديون باقتصاد منهك ، بينما توقفت المشاريع الإنتاجية، فالامام يحذر من أن «التسول» سيركز الاهتمام على قضايا المانحين وليس على تحسين حياة المواطن علي المدي البعيد ، وهذا ما جرى لاحقاً بتوقف النفط .

الارتباط بفقدان القرار السياسي الوطني

ربط المهدي بين (التسول الاقتصادي) وفقدان القرار السياسي المستقل ،فالمال الخارجي غالباً ما يأتي مصحوباً بإملاءات خارجية مباشرة أو ضمنية،وإذا كانت دول المانحة تموّل جزءاً كبيراً من الميزانية العامة، فإنها قد تمارس ضغوطاً لإقرار سياسات تخدم مصالحها (كرفع أسعار الوقود أو فتح الأسواق للتصدير الأجنبي)،وقد انعكست هذه الديناميكية في قيام مؤسسات التمويل الدولية بفرض إصلاحات بنيوية على السودان تحت سقف القروض، مما أعاد تركيب موازنة الدولة والأجور والحماية الجمركية طبقاً لمقاييس خارجية ،بمعنى آخر، تخشى النهضة أن يقود «التسول» إلى أن تصبح الحكومة مجبرة على تغيير سياساتها الداخلية والخارجية لمجرد تلبية متطلبات الممولين، مما يقوض السيادة الوطنية، وهذا تؤيده اليوم تجارب مشابهة؛ فمثلاً حذّر خبراء من أن تعليق الولايات المتحدة مساعداتها الإنسانية في 2024 عرّض نحو مليوني سوداني للخطر، إذ تعلقت برامج إطعام اللاجئين والمحتاجين بقرارات الإدارة الخارجية ، هذا المثال المعاصر يُظهر أن تكلفة الاعتماد على الخارج ليست فقط اقتصادية بل سياسية واجتماعية.

الرسائل إلى الداخل وللمانحين الدوليين

في خطابه، وجه المهدي رسائل مزدوجة:

  • إلى الداخل السوداني

دعا إلى العمل على تعزيز القدرات المحلية والتنمية الذاتية، و أكد ضمنياً على أهمية زيادة الإنتاجية الوطنية والعدالة في توزيع الدخل، محذراً من ثقافة

(الانتظار المريح) للمعونة ،نقلت قيادته رسالة مفادها أن السياسات الوطنية يجب أن تستند إلى الموارد الداخلية وكفاءة الاقتصاد الوطني، لا إلى كرم الأجنبي

  • إلى الدائنين الدوليين

أراد أن يوضح أن السودان لن يكون «طالباً دائماً» أو مجرد متلقٍ مسلوب الإرادة ،بل سيطلب الشراكة القائمة على منفعة مشتركة ، استثمارات خارجية تساهم في النمو مقابل علاقات متوازنة، وليس مساعدات مشروطة بالرضوخ السياسي، وتعبيراً عن موقفه هذا، استخدم المهدي لغة تؤكد أن الدولة الجديدة تقف على قدميها ولا تريد «إذلالاً» بالتسول؛ بمعنى أن أي مساعدة خارجية يجب أن تكون في إطار الاحترام المتبادل واحترام القرار السوداني.

في ذكري الامام الصادق عليه رحمة الله

ما يستحق الإشارة إليه اليوم هو أن الإرادة الوطنية الداخلية الكاملة بكل تعقيداتها السياسية يجب أن تتحوّل إلى مشروعٍ حقيقيٍّ للبناء والتنمية، وهو ما يجعل الإمام الصادق المهدي (رحمه الله) متميّزًا عن السياسيين الآخرين في طريقة تفكيره ، وقد جاءت إشارته في لحظة حرجة بعد أن تغيّرت طريقة تشخيص الإشكالات أثناء البحث عن الحلول ، ففي هذا اللقاء أشار

الإمام إلى نقطة فكرية يمكن البناء عليها في الوقت الراهن، حيث قال: “ونعتقد أن مقومات الاقتصاد السوداني من ناحية الموارد الخام ومن ناحية الموارد البشرية كافية، لكن سوف نجد مشكلتين وهما الديون الموروثة وإنهاء الدولة المتسولة، وهما ركيزتان للتنمية ومؤثران في الناتج المحلي الإجمالي، وهو ما يؤكد أهمية البعد نحو تغيير السياسات وإعادة هيكلة الاقتصاد ،ورغم التجاذبات التي شهدتها الفترة التي تولّى فيها الإمام والتي طغى عليها الخلاف السياسي كما هو حال حكومات الائتلاف التي انتهت بانقلاب عسكري على الشرعية، إلا أن النماذج التي نريدها مستقبلاً للقادة السياسيين يجب أن تحمل ملامح الهيكل الاقتصادي للبلاد في إطار الخطط التنموية والمشاريع دون أوهام.
بن عمر
dr_benomer@yahoo.com

عن أحمد بن عمر

شاهد أيضاً

مرافعة الطبقة الوسطى في الحرب السودانية

مرافعة الطبقة الوسطى في الحرب السودانية كارثة سقوط المدن عسكرياً تمهيد لفصل إداري للمدن وليس …