في ذكرى مولد الإمام الغائب .. بقلم: إمام محمد إمام
29 ديسمبر, 2014
منشورات غير مصنفة
23 زيارة
غاب السيد الصادق الصديق عبد الرحمن المهدي رئيس حزب الأمة القومي، اضطراراً عن مناسبةٍ، أحسبُها من أكثر المناسبات المحببة إلى قلبه وأبنائه وبناته، وعشيرته الأقربين، الاحتفاء بذكرى مولده في الخامس والعشرين من ديسمبر، في داره بحي الملازمين في أم درمان. ويذهب بعض المقربين للسيد الصادق المهدي، إلى أنه يُواظب على هذه المناسبة سنوياً، لما فيها من حميميةٍ وتذكرةٍ، إضافةً إلى أنها تذكره بمدى حرص أمه – يرحمها الله – على إقامتها، وأنه يجد فيها شيئاً من التماسةِ عزاءٍ لنفسه، وذكرى وفاءٍ لأُمه، من خلالها يتنسم ذكرى والدته، ويُكثر من الدعاء لها، رحمةً ومغفرةً. وليس بمنكورٍ عليه أن يتخذ المناسبة سانحةً طيبةً لوقفةٍ مع الذات، عبرها يُقوِّم أحداث عامٍ مضى، ويستشرف أحداث عام آتٍ.
وأحسبُ أنه من الضروري أن نُبسط القول في هذه العُجالة، عن مصطلح الإمام الغائب، فهو بالنسبة للسيد الصادق المهدي، غياب مجاز فقهياً، وغياب واقع حقيقةً. فحسب تعريف ويكيبيديا (الموسوعة الحرة) عن مصطلح الإمام الغائب، عند الشيعة الاثني عشرية اعتقاد بأنه الإمام الثاني عشر والأخير الذي سيأتي ليملأ الأرض قسطاً وعدلاً، بعدما مُلِئتْ ظُلماً وجوراً. وموضوع الغيبة عند الشيعة الاثني عشرية، له الكثير من الأبعاد والأبحاث، وفيه خلاف عند أهل السنة، وعند بعض الفرق الشيعية أيضاً. وفي هذا الخلاف البيِّن عند أهل السُّنةِ، قال ابن حجر في الصواعق: “لا حُجة فيه لما زعمته الرافضة.. الخ”.
وفي رأيي الخاص، أنه من المهم أيضاً أن نُؤصل لهذا الاحتفاء بيوم مولد الشخص الذي يراه البعض بدعةً من البدع، ويُنزل هذا البعض على ما يراه في هذا الخصوص تشدداً، قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إن أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللَّهِ، وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ مُحَمَّدٍ، وَشَرُّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَكُلُّ مُحْدَثَةٍ بِدْعَةٌ وَكُلُّ بِدْعَةٍ ضَلَالَةٌ وَكُلُّ ضَلَالَةٍ فِي النَّار”. ونُفصِّل القول في ذلك، أن الاحتفال بيوم مولد الشخص، لا يندرج في باب البدع المنكورة التي تقود إلى الضلال، ومن ثم تنتهي بصاحبها في النار، إذ إن كلَّ شيءٍ في الإسلام مُباح ما لم يأتِ تحريمٌ به، لأن الأصل في العادات كلها حلال ما لم يأتِ نص يحرمها، والعبادات كلها حرام ما لم يأتِ نص يُحللها. وحجاجي في ذلك، قول إمام الحرمين الجويني: “فما لم يُعلَم فيه تحريم يجري على حكم الحِلِّ؛ والسبب فيه أنَّه لا يثبت لله حكمٌ على المكلفين غير مستند إلى دليل؛ فإذا انتفى دليل التحريم ثَمَّ، استحال الحكم به”، وقول شيخ الإسلام أبي العباس أحمد بن تيمية: “وأمَّا العادات فهي ما اعتاده النَّاس في دنياهم مما يحتاجون إليه؛ والأصل فيها عدم الحظر؛ فلا يُحظر منه إلا ما حظره الله سبحانه وتعالى.. والعادات الأصل فيها العفو؛ فلا يُحظر منها إلا ما حرَّمه، وإلا لدخلنا في قول الله تعالى: “قُلْ أَرَأَيْتُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ لَكُم مِّن رِّزْقٍ فَجَعَلْتُم مِّنْهُ حَرَامًا وَحَلالاً قُلْ آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُون”.
ومن المعلوم بالضرورة، أن الإسلام قد أثرى حياة العرب، وحارب عاداتهم الذميمة، إلا أن الحقيقة تُخبرنا أن الإسلام لم يأتِ بجديدٍ لم يكن موجوداً من قبل، بل اقتبس بعض عادات العرب القديمة، وألبسها لبوس التنزيل، وجعلها جُزءاً من القرآن. فقد ذكر الأخباريون أنه كان لأهل الجاهلية سنن ساروا عليها، أبقى الإسلام بعضها وأسقط بعضاً آخر منها. ومن هذه السنن: الطلاق الثلاث، والخطبة، أي خطبة المرأة إلى أبيها أو أخيها أو أولياء أمرها.. الخ. ومما يُؤكد ما ذهبتُ إليه، أن أهل السودان في غالبيتهم يميلون إلى الوسطية في أمور دينهم، ومظاهر تدينهم، بما لا يتنافى مع العبادات، ولكن يُحرِّم عليهم دينهم الإتيان بالبدع في العبادات.
أخلصُ إلى أن احتفال السيد الصادق المهدي بذكرى يوم مولده، يُعدُّ من باب الابتداع وليس البدعة، والابتداع من مشتقات البديع، والبديع كما هو معلوم من أسماء الله الحسنى وصفاته العُلى. ومن على البُعد نُزجي خالص التهاني، وعظيم التبريكات، إلى الإمام في غيبته الاضطرارية، توَّاقين لعودته من أجل مواصلة جُهوده واجتهاده في معالجة قضايا البلاد والعباد، داعين إلى الاستعداد للاحتفال بذكرى مولده الثمانين في العام المقبل، والبلاد تنعم بالسلام المستدام.
ولنستذكر في هذا الخصوص، قول الله تعالى: “قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الأَلْبَابِ”.
وقول الشاعر العربي، أبي الطيب أحمد بن الحسين، المعروف بالمتنبئ:
وإذا كانَتِ النّفُوسُ كِباراً تَعِبَتْ في مُرادِها الأجْسامُ
وكَذا تَطْلُعُ البُدورُ عَلَيْنَا وكَذا تَقْلَقُ البُحورُ العِظامُ
=====