في صالون محمد فاروق كانت لنا أيام

محمد الشابك
Email: mohamedelshabik@gmail.com
25/09/2025

والعنوان هنا رمزي مستوحى من كتاب أنيس منصور “في صالون العقاد – كانت لنا أيام”، وهو من الكتب الذي وجدتها في مكتبة والدي عليه رحمة الله في بواكير صباي ويعود له الفضل في حبي للقراءة. كانت مكتبة أبي تعج بالكتب الثمينة فقد أمضى عاما من شبابه في بيروت حينما كانت بيروت تطبع والقاهرة تكتب والخرطوم تقرأ. وكان أبي معجباً بالعقاد وكانت مكتبته تعج بالعبقريات. التقطت عيناي عبقرية عمر، فقرأته ولكني لم أفهم شيئاً فالعقاد كان متأثراً بالفلسفة الألمانية المعقدة. ثم التقطت عيناي “في صالون العقاد” “وحول العالم في مئتين يوم” فأدمنت كتب أنيس منصور وحاولت تقمص لغتها في كتاباتي لاحقاً، حيث عرف أنيس منصور بالسرد القصصي السلس لتوصيل المعاني الفلسفية العميقة.

أما محمد فاروق فقد كان سياسياً بارعاً ومفكراً بالفطرة وفيلسوفاً على طريقته. فلو قدر له أن يكون أديباً، فهو أكثر ما يشبه توفيق الحكيم، أبو المسرح العربي، والذي قدم السياسة في المسرح كفن راقٍ لمعالجة قضايا اجتماعية في زمن كان المسرح نصوص كوميدية فارغة المضمون. ومحمد فاروق فلسف السياسة في قوالب فكرية ومقارنية، وكان يمزج بين القضايا السياسية السودانية والفلسفة، وقدم مقارنات عميقة للثورات الفرنسية والبلشفية ومؤخراً الثورات العربية.

وفي مقارنة بين عمالقة الأدباء المصريين طه حسين، عباس العقاد وتوفيق الحكيم، قال أحمد أمين إنهم كلهم كتبوا عن الرسول محمد صلى الله عليه وسلم. لكنه وصف العقاد بأنه كان يمشي أمام النصوص التاريخية يضع لها خطط وبرنامجاً نحو الهدف الذي يجب أن تسير عليه، أما طه حسين فكان يمشي بجانبها ينقل ويحلل من غير أن يضيف. وتوفيق الحكيم فكان يمشي وراءها يروي ويكتب ويسرد ويمتع ويحاور وربما يسبقه النص، لكنه ما كان يحاول اللحاق به، لأنه مشغول بالحديث عنه. ونحن كنا في صالون محمد فاروق نستمتع وهو يمشي بمحاوراته، حتى لو تجاوزنا النص.

أما لو كان محمد فاروق شاعر حقيبة، لكان صالح عبد السيد (أبو صلاح) السياسة السودانية لأجيال الجامعات في تسعينات العشرية الأولى من حقبة الإنقاذ البغيضة. فقد شكّلت مواقفه في منافحة نظام الإنقاذ وأركانه، وندواته والجلسات الفكرية، والتي دفع ثمنها اعتقالاً وتنكيلاً وفصلاً، إلهاماً ومصدراً للقوة والعزيمة. كان يتلاعب بالكلمات وكأنه أبو صلاح يكتب لحظك الجراح أو قسم بي محيك البدري أو أعطف علي يا ريم.
ورغم إختلاف الأذواق فأنا من أنصار مدرسة أبو صلاح والتي أسماها علي المك بمدرسة النيل الأبيض. وبالرغم من أن الشخص الذي أدمنت بسببه غناء الحقيبة، على كِبر، كان صديقي الراحل عبد الناصر الشافعي، ما انفك يحاول أن يقنعني أن أشعر من أبو صلاح، كان سيد عبد العزيز إلا أني لم أُعِر الأمر كبير اهتمام. فحينما كنا أنا وناصر نحضر ليالي الحقيبة في المنتدى الشهير في شارع المطار في منتصف العقد الماضي، كان يدخل هو وبعض من مدمني الحقيبة في جدال مرح، وأنا لم يكن يهمني كثيراً جدلهم حول من الأفضل بقدر ما كنت أستمتع بضحكاتهم المجلجلة وذكرياتهم وقصصهم التي يروونها بشغف كبير. رحم الله الشافعي مات بغتةً بسبب الكورونا.

أما لو كان محمد فاروق فناناً سودانياً، فلربما اختار أن يغني أغاني القدال أوحميد، حيث تتوارى المعاني خلف الكلمات. فالحبيبة قد تكون الوطن، والبلابسة حيطة تتمطى وتفلع، وربما أعجب بمصطفى وهو يغني الطورية في الطين مرمية، والكورية يابسة ومجدوعة. وغابة الأبنوس هي عيون الحبيبة، وبحث في الحروف الحايمة في بطن الكتب في لهفة وخوف وسكوت ورنة حزن. وربما كان الحب أيضاً حاير بالأمارة عند محمد فاروق كما عند مصطفى والفرح منك يجيني ويعتريني الخوف عليك وخطوة منك وخطوة ليك.

أما لو كان محمد فاروق لاعب كورة، فهو أقرب ما يكون لدينيلسون البرازيلي أو أوكوشا النيجيري، يمتعك باللمسات والمحاورات والباصات، لكن أيضاً يحبط المشاهدين فقد كانا قليلي الحظ في الوصول إلى المرمى. ولو أنصفته في عالم كرة القدم السودانية لٱعترفت، برغم هلاليتي في زمن مضى، أن محمد فاروق لعّاب زي سكسك بتاع المريخ لأبناء جيلي. أتذكر أول مباراة أدخلها في حياتي للمريخ في استاده بأمدرمان، كانت ضد النيل العاصمي. رأيت سُكسُك وكان ضعيف البنية رشيق الحركة، يتلاعب بالكرة والمدافعين يمين وشمال و”يقيس ويبيض” على كيفه. وانتهت المبارة خمسة صفر للمريخ، ورغم أن سُكسُك سحرني في ذلك اليوم وكان معي بكري المضوي ووراد أخي، ولأنهم الاثنين مريخاب فكنت في حالة نكران خوفاً من شماتتهم، لأنه نحن اتربينا كدة: يا أبيض يا أسود، هلال مريخ، أنصاري ولا اتحادي، علمي ولا أدبي وهكذا.

وفي بيت في الخرطوم، جلسنا مع زمرة من الممكن أن أسميهم فلاسفة سياسيين، وكان حديث الحركة الجماهيرية والتسوية التاريخية والقصور الفكري للنخب على أوجه، وكنت أسترق السمع، وحين خرجنا، قلت ليهو “تاني أنا ما جاي معاك هنا عشان فلان”، فقال لي “الحماقة دي “ضمور للخيال” ضيعتنا وحتضيع البلد دي أحفظها مني يا شابك زي ما أنا حفظتها من أيام الجامعة بالصدفة”. وفي ذات مرة في ظل شجرة كبير، قال لي قريت بوستك حول اتفاق البرهان وحمدوك فأعجبني أسلوبه، فأتعسني لأنه أعجبني، لأنه ما مفروض يجي منك انت وزجرني وأربكني فلم أعلم ما الذي أعجبه والذي لم يعجبه، لكني مسحت ما كتبت لأفكر في ثورته على بوست صغير. وكانت آخر حواراتنا العميقة قبل الحرب بشهرين في قهاوي المهندسين مع ثلة من الأصدقاء في فترة نقاهته، وكانت جلسة فكرية جميلة أصر بعدها أن نزور صديقه الأعز الصادق سمل.

وقبل عام وفي مرض أمي كان معي في المستشفى، وعندما اختارها الله إلى جواره لازمني في العزاء وفي المنزل للفترة الأطول، وكان شقيقه مأمون حاضراً دوماً. وقبل فترة قصيرة من اعتقاله، اتصلت بي صديقتنا المشتركة وكانا سوياً مع آخرين وقالت لي هاك في زول كده عايزك، فقال لي سبب واحد يقعدك في الحتة الانت فيها دي ونحن قاعدين هنا مافي، ووعدته بالزيارة في يوم الزيارة وأنا نفسي تتوق لونسته داعيها حادي الشوق، بديناها بأبو صلاح وختمناها بسليم الذوق عبيد عبد الرحمن.

عن محمد الشابك