عبدالرحيم محمد سليمان
لم تنكسر الشركات، بل انكسرت الوزارة، وهذه هي الحقيقة المرة التى يجب ان تقال بلا تجمل.. وزير الطاقة والنفط اصدر قبل فترة قرار شجاع حددت فيه سعر اسطوانة الغاز ب85 الف جنيه، قرار اعطى انطباع بان الدولة ما زالت موجودة وتشعر بالناس،
لكن ماذا حدث بعدها؟ اختفت الاسطوانات!! جفه السوق تماما!!. المستودعات مغلقة، والدفارات لا تخرج، والوكلاء يقولون، لا يوجد غاز!! لم تكن ازمة انتاج، كانت عملية تعطيش متعمدة وممنهجة!!.
التجار والشركات لووا ذراع الوزارة بتخزين الانابيب تركوا المواطن يصرخ ويبحث بلا جدوى، حتى يقتنع ان المشكلة ليست في السعر بل في الوجود نفسه!!.يالهم من عباقرة اجرام!!
وعندما وصل الضغط ذروته، نزلت الوزارة لرغبة التجار والشركات، تراجعت عن قرار. ال85 الف، وقبلت بتسعيرة الشركات 105 الف جنيه!!!وخرج الغاز فجاة وتوفر في كل مكان في يوم واحد، لكن بالسعر الجديد سعر الشركات والتجار!! هذا بالمنطق ليس توفر سلعة، هذا استسلام دولة!!.
والفضيحة الاكبر ان سعر ملي الاسطوانة فى المصفاة هو 55 الف جنيه فقط، هذا هو سعر التكلفة الحقيقية رغم كل الشماعات التي يعلق عليها التجار، الدولار ارتفع!، اسعار الطاقة عالميا ارتفعت بسبب ازمة مضيق هرمز والشحن توقف!!.
يعني الفارق بين سعر المصفاة وسعر البيع للمواطن هو 50 الف جنيه كاملة، تذهب 15 الف ترحيل وضرائب، و35 الف ربح صافي في جيب سماسرة لا يفعلون شيئا سوى نقل الانبوبة من المصفاة لدكان الحلة!!
كيف لدولة تخوض حربا وجودية ان تسمح بان يربح التاجر في انبوبة واحدة 35 الف جنيه، بينما راتب المعلم لا يكفي انبوبتين؟
سعر 105 الف جنيه ليس سعرا، هو عقاب للمواطن، هو سعر يفوق امكانيات 90% من المواطنين، الموظف، والعسكري، واسرة النازح التي تسكن في مدرسة ، كيف تدبر هذا المبلغ كل 20 يوما؟.. النتيجة رأيناها: عودة قطع الاشجار، وانتشار بيع الحطب على الدرداقات، وعودة الدخان ليخنق صدور ربات البيوت في المطابخ.
التجار انتصروا لانهم فهموا المعادلة، فهموا ان الوزارة تصدر القرار ولا تملك الية تنفيذه، لا تفتيش، لا رقابة، لا اغلاق ولا مصادرة!! لذلك قرروا ان يجففوا السوق حتى تركع الوزارة، وقد ركعت فعلا!!
ان اخطر ما في هذه المعركة ليس الغاز، بل الرسالة التي وصلت للسماسرة والتجار.. خزن بضاعتك، جفف السوق، وستجبر الحكومة على قبول سعرك!!
كان على الوزارة ان تكسر الاحتكار لا ان تنزل عنده، كان عليها ان تقتحم مستودعات الشركات وتحصي الانابيب المخزنة، وتصادرها، وتوزعها بالسعر الرسمي، وتسحب الترخيص من اي شركة ترفض.. لكنها اختارت الطريق الاسهل، مجارات التجار وغش المواطن بعبارة الغاز اتوفر!!..
الغاز اتوفر فعلا، لكن للاغنياء اما الفقراء فما زالوا يبحثون عن اشجار يقطعونها للحطب!!.
