في معنى السياسة حين تغيب الدولة: رداً على مقال السيد مني أركو مناوي

م. هيثم عثمان إبراهيم

نشر السيد مني أركو مناوي، حاكم إقليم دارفور، مقاله بتاريخ 19 يناير 2026 تحت عنوان “الخديعة السياسية المتقنة في السودان”، مقدماً قراءة تحذيرية لمسار الهدنة الإنسانية المطروحة بعد مجزرة الفاشر. يرى السيد مناوي في هذه الهدنة محاولة لمنح “شرعية” لميليشيا الدعم السريع، وخطوة نحو تفكيك السودان. ورغم أهمية النقاش حول مستقبل البلاد، فإن هذا الطرح يتجاوز حقائق سياسية وجوهرية تتعلق بمعنى السلطة في ظل غياب الشرعية، وبالمعنى الوجودي لوقف الحرب، وبكيفية حماية الدولة حين تصبح هي نفسها ساحة للصراع.
أولاً: عن أي شرعية نتحدث؟
قبل الخوض في تفاصيل المقال، من الضروري أن نتوقف أمام سؤال جوهري: من يملك الشرعية اليوم في السودان؟ إن السلطة التي يتحدث باسمها السيد مناوي ليست سلطة ديمقراطية نابعة من تفويض شعبي، بل هي سلطة أمر واقع نشأت في أعقاب انقلاب 25 أكتوبر 2021، ذلك الانقلاب الذي قطع الطريق على مسار التحول المدني الديمقراطي الذي أنبتته ثورة ديسمبر المجيدة.
وبالتالي، فإن وضع “شرعية الدولة” في مواجهة “ميليشيا الدعم السريع” يحتاج إلى قدر كبير من الدقة. لا أحد يجادل في أن ميليشيا الدعم السريع قد ارتكبت جرائم مروعة لا يمكن تبريرها، ولا يمكن منحها أي شرعية سياسية. لكن في المقابل، فإن السلطة القائمة نفسها ليست نتاجاً لمؤسسات دستورية أو إرادة شعبية حرة، بل هي نتاج انقلاب عسكري أطاح بالمسار المدني. هذا لا يعني المساواة بين الطرفين، ولكنه يضع النقاش في سياقه الصحيح: السودان اليوم يعيش فراغاً في الشرعية السياسية، ويتأرجح بين سلطات أمر واقع متعددة. الحل لا يكمن في تقديس إحداها، بل في العمل على إعادة السلطة إلى مصدرها الوحيد: الشعب.
ثانياً: وقف الحرب ليس خديعة، بل ضرورة وجودية
يقدم السيد مناوي الهدنة وكأنها اعتراف سياسي بالميليشيا، ومساواة بين “الدولة” و”المتمرد”، وخطوة نحو تقسيم البلاد. لكن هذا التصوير يختزل قضية الحرب والموت في مجرد تكتيك سياسي. إن وقف الحرب اليوم ليس موقفاً سياسياً لصالح طرف ضد آخر، بل هو قرار وجودي متعدد الأبعاد. إنه قرار أخلاقي أولاً، يهدف إلى حماية أرواح المدنيين الذين يسقطون كل يوم. وهو قرار وطني ثانياً، يهدف إلى إنقاذ ما تبقى من بنية الدولة التي تتآكل بفعل القتال. وهو قرار استراتيجي ثالثاً، لأنه يمثل الشرط المسبق لأي إمكانية لإعادة البناء في المستقبل.
الحرب اليوم لا تحمي السودان، بل تدمره بشكل منهجي. مدن كاملة تحولت إلى أطلال، وملايين الأرواح هُجّرت في الداخل والخارج، والاقتصاد ينهار، والنسيج الاجتماعي يتمزق، والميليشيات تتوسع، والتدخلات الخارجية تجد في الفوضى مرتعاً لها. في هذا السياق المأساوي، يصبح وقف الحرب شرطاً للبقاء، لا خديعة سياسية يمكن الترف في رفضها.
ثالثاً: مفارقة التجربة الشخصية ومنطق التفاوض
من اللافت أن السيد مناوي، الذي يحذر اليوم من “خديعة” التفاوض، هو نفسه نتاج مسارات تفاوضية طويلة. لقد كان جزءاً من حركات مسلحة، وتفاوض مع حكومات مختلفة، ووقع اتفاقيات سلام عديدة، ودخل السلطة التي هو جزء منها اليوم عبر اتفاق سلام جوبا. كل هذه المسارات كانت قائمة على منطق واحد: الاعتراف بوجود أطراف مسلحة، والتفاوض معها، والبحث عن صيغة لتقاسم السلطة والثروة كبديل عن الحرب.
فكيف يصبح التفاوض اليوم فجأة “خديعة” بينما كان بالأمس طريقاً للسلام؟ هذه المفارقة تكشف أن المشكلة قد لا تكون في أداة التفاوض نفسها، بل في من يجلس على الطاولة وفي موازين القوى المتغيرة. إن الهدنة ليست اعترافاً سياسياً ولا تمنح شرعية لأحد، بل هي أداة لإدارة الصراع، ووقف القتال، وحماية المدنيين، وفتح ممرات إنسانية، وتهيئة الأرضية لمسار سياسي جديد. والتاريخ مليء بأمثلة لهدنات لم تغير من تعريف الشرعية، لكنها خففت من وطأة الكارثة الإنسانية.
رابعاً: الحرب لا تحمي وحدة السودان، بل تمزقها
يطرح السيد مناوي الحرب كأنها خط الدفاع الأخير عن وحدة السودان. لكن الواقع على الأرض يقول نقيض ذلك تماماً. الحرب الحالية هي أكبر محرك لتمزيق السودان، لا لحمايته. لقد أنتجت سلطات أمر واقع متعددة في مناطق مختلفة، وفتحت الباب على مصراعيه للتدخلات الإقليمية والدولية، وأضعفت الجيش الوطني والمؤسسات الرسمية، وعمّقت الانقسامات الجهوية والعرقية، وجعلت لغة السلاح هي اللغة الوحيدة للتخاطب.
إن الدولة لا تُحمى بالرصاص وحده. الدولة تُحمى بالشرعية، وبالمؤسسات العادلة، وبالعقد الاجتماعي المتين، وبالمسار المدني الديمقراطي الذي يمنح الجميع شعوراً بالانتماء والمشاركة. وكل هذه الشروط تبدأ من نقطة واحدة لا بديل عنها: وقف إطلاق النار.
خامساً: الشعب، لا البنادق، هو صاحب الحق في تقرير المصير
في نهاية المطاف، لا ميليشيا الدعم السريع، ولا السلطة القائمة التي أتت بها دبابة 25 أكتوبر، ولا أي قوة مسلحة أخرى، تملك الحق في تقرير مستقبل السودان. هذا الحق أصيل ومملوك للشعب السوداني وحده، ممثلاً في قواه المدنية الحية، ولجان المقاومة، والنازحين واللاجئين الذين دفعوا ثمن هذه الحرب، والنساء والشباب، والخبراء والمختصين.
أي مسار سلام حقيقي يجب أن يبدأ بوقف الحرب، ليفتح المجال لعملية سياسية شاملة تعيد السلطة للشعب، وتنهي هيمنة السلاح على القرار السياسي. الهدنة ليست هي التسوية النهائية، ولا تقاسم للنفوذ، ولا اعترافاً بالميليشيا، بل هي مجرد خطوة أولى لوقف النزيف، وفتح الممرات الإنسانية، والتقاط الأنفاس، والبدء في التفكير في مسار سياسي جديد. أما رفضها، فهو يعني ببساطة اختيار استمرار الموت والدمار.
خلاصة الموقف
إن السودان اليوم لا يحتاج إلى خطاب يشيطن الهدنة، أو يقدّس الحرب، أو يختزل السياسة في معادلة صفرية تقول “إما نحن أو هم”. بل هو في أمس الحاجة إلى خطاب يعترف بعمق الكارثة، ويضع حياة الناس فوق كل الحسابات السياسية، ويدعم وقف الحرب فوراً، ويمهد لمسار مدني ديمقراطي شامل يعيد بناء الدولة على أسس جديدة من العدالة والمواطنة، ويعيد السلطة إلى الشعب، لا إلى الميليشيات ولا إلى الانقلابات. إن حماية وحدة السودان لا تتم برفض الهدنة، بل بوقف الحرب، واستعادة الدولة، وإنهاء سلطات الأمر الواقع، وإعادة بناء الشرعية من جديد عبر الإرادة الشعبية الحرة.

haytham.compre@gmail.com

عن هيثم عثمان إبراهيم

هيثم عثمان إبراهيم

شاهد أيضاً

العدالة والانتقام: في جدلية بناء الدولة وصناعة الثأر

م. هيثم عثمان إبراهيم مدخل: على مفترق طرق الذاكرةتجد الأمم التي مزقتها الحروب والانتهاكات الجسيمة …