ناجي شريف بابكر
23 أكتوبر 2026
في منشوراته المتتابعة في هجاء من سماهم ب”عربان الشتات” وهم عرب الصحراء الذين شكلوا الكمّ الأعظم في تمرد قوات الدعم السريع على الجيش السوداني.. بحسبانهم المسئول الأوحد عن وليمة الشر التي حولت الخرطوم إلى كومة من الرماد. لم تشفع الأمانة العلمية لآخر وزير خارجية للإنقاذ في أن يُحدث ذكرا للمساهمات التي شكلتها خطايا الحركة الإسلامية، ونهجها الوصولي إبان حكم الإنقاذ، في صناعة المقبّلات، ناهيك عن الأطباق الرئيسية، لتلك الوليمة..
كإسلامي ينتمي للحركة الإسلامية، في غوايتها وفي رشدها، ووزير خارجية دولتها المستبدة التي رزح تحت نيرها وعسفها البسطاء والمهمومون بقضايا شعبهم وأهاليهم.. والتي أسقطها الشعب السوداني بعد معاناة وتنكيل ضحى وفقد فيها المئات من الشباب أرواحهم في ثورتي سبتمبر وديسمبر في ٢٠١٣ و٢٠١٨ المجيدتين.. ربما كان عليه وعلى حركته، أن يكونا آخر من يتقلد دور الضحية، ناقدين لعنف كان قد أسس لعرش الوصاية الذي ظلا يستأثران به على بلادنا وثرواتها. تاريخ من العنف والتخريب كان قد صاحب تلك الهجرات والغزوات العربية لمعظم دول الساحل الأفريقي. ذلك بحسبان أن الحركة الإسلامية وريثة منتفعة من هذا المجد العدواني وواحدة من ثمارِه المُرّة، ظلت تتباهى به وتدين له بلسانها وعِرقها وديانتها، وأنها طالما اجتهدت، وهي في قلب افريقيا السوداء، للإحتفاء والتباهي بإنتمائها العروبي والعباسي. حدا جعلها تقيم الإحتفالات في كورنثيا بالخرطوم لتوثيق خيط الدم الذي يربطها بأجدادها العباسيين. وأن تنصّب في ختام إحتفائها وتباهيها العرقيّ آخر خلفاء الدولة العباسية في الخرطوم.
يتماهى هذا الجحود تجاه الأرض والأم السوداء، مع ما ظلت تبديه الشرائح المسيطرة كوريث للهيمنة الإستعمارية في كل دول افريقيا شمال الصحراء، شرائح بابوية مسلوبة الإرادة والهويّة، وجدت نفسها مأسورة في إنتمائها لغزاة بدويين طرقوا يوما ابواب حواضرها باحثين عن الرق والثروات.. اتخذوا فيها الجواري والزيجات العابرة.. بدلا من ان يكون إنتماؤها وبرّها للأم وللارض التي أرضعتها، وجدت تلك الشرائح المسيطرة نفسها تحتفي وتتباهى بالمغتصب الدخيل وتقيم للغزاة نخبا وتماثيلا في بوابات مدنها تخلدهم فيها، كما فعلت تونس بان اقامت في القيروان تمثالا عملاقا لغازٍ مسجىً على ابوابها هو عقبةُ بن نافع من بني معيط، لتخلده على حساب أبطالها الوطنيين الذين أبلوا في القتال دفاعا عن أهلهم وأرضهم وعشيرتهم. اتخذوا في تخليده رواية رسمية صورت الغازي المعتدي كبطلٍ أسطوري، بينما اعتبرت إكسل قائدها المسيحي الذي جنب أهله باستبساله وتفانيه التنكيل والسبي، واعتبرته ملعوناً مات على سوء الخاتمة.. يا له من جحود ونكران.
في السودان، وعلى نفس النهج والتنكّر، طالما سعت الحركة الإسلامية للتعالي والنأي بنفسها وبأدبياتها عن تاريخ الممالك الأفريقية المسيحية والوثنية السوداء صاحبة الارض، التي سبق للسلالات الأولى من هذه المجموعات العروبية الغازية نفسها، أن تآمرت وتحالفت على تدميرها وإحراق حواضرها فيما قبل القرن السادس عشر الميلادي.. بل أنها، أي الحركة، جعلت تتبنى خطابا عنصريا بغيضا تجاه مخالفيها ذوي الأصول الأفريكانية، خطابا لم تدّخره حتى تجاه عناصرها أنفسهم من ذوي السحنات الداكنة. تفضحه على سبيل المثال لا الحصر، تسريباتها في مواجهة الراحل داؤود يحي بولاد والدكتور علي الحاج، وما أفشته الوسائط من تسريبات وتعال عنصري في مواجهة لقمان مدير التلفزيون في عهد الحكومة الإنتقالية.. بالإضافة لما كشف عنه دكتور الترابي، في شهادته على العصر، من تعليق لرئيس دولتهم عن رؤية مبتذلة للأخير في جرائم إغتصاب واسعة النطاق كانت قد وثقتها لجنة تحقيق وطنية لجرائم دارفور، وقعت في حق ضحايا من نساء لا ينتمين لخيط الدم العربي.
إن نضال شعوب جنوب السودان الذي إستمر لبضع وستين عاما لم يكن إلا كفاحا مستحقا ومظفرا في مواجهة الإستبداد والهيمنة العروبو إسلاموية التي كانت الحركة الإسلامية تسعي لفرضها قسرا على جنوب السودان.. فقد شنت حكومة مشروعهم الحضاري، في تسعينات القرن المنصرم، حربا مقدسة تتابعت حرائقها لعقدين من الزمان، على الجنوب الوثني المسيحي غير المسلم، أُهدرت فيها دماء مئات الآلاف من الشباب السوداني، كان شعارها المعلن هو قتال الجنوب وإخضاعه لراية لا إله إلا الله. لقد كان فرض الهوية العروبو إسلاموية على شعب الجنوب، هو المعلن من النوايا لحشد الشباب لمحرقة الحرب المقدسة، بينما كان باطنها يسعى لتأمين الإستئثار بالمربعات النفطية التي كان معظمها داخل حدود الإقليم في ولايتي بانثيو وفي أعالي النيل.
الحركة الإسلامية التي ينتمي إليها كاتب المنشور، لم تنشر طوال تاريخها سفرا واحدا في أدبياتها ومنشوراتها العديدة أبدت فيه دعما أو تمجيدا للهوية الأفريكانية لشعوب السودان.. ولم تعلن يوما أنها تحترم ثقافاتها ودياناتها الوثنية أو المسيحية المغايرة.. مما دفع بوزيرة لها في عهد الإنقاذ للتصريح للصحف بإن الجنوب، الذي كان قد إنفصل للتو، لم يكن يوما جزءا من الوطن.. كان سعيها، أي الحركة، على الدوام يقتصر على فرض منظورها الأحادي للهوية والدين وللفضيلة، فرضه قسرا بالخوازيق والبنادق، على كافة الشعوب السودانية شمالها وجنوبها. فما الذي دفع بالوزير اليوم أن يُدبّج سلسلة طويلة من المقالات لإدانة غزاة هم في واقع الحال شركاؤه التاريخيون في فرض الهوية العروبو إسلاموية.. وقد سبق لكاتب المنشور وحكومته أن خبروا دربتهم وبأسهم وسلبهم ونهبهم إبان مذابحهم التي أقاموها ضد إنسان دارفور في بداية الألفية الثالثة، حينما كانوا وقتها حلفاء مأمورون لحكومته ولجيشها بالخرطوم. فما الجديد إذن، ذلك الذي استدعي اليوم ذمّهم وتبخيث مسعاهم؟، ألأنهم دخلوا عليهم الخرطوم هذه المرّة حيث الأصول والقصور والمدّخرات المكنوزة؟.. فإن دخلوا حاضرة البلاد اليوم كغزاة معتدين فما أشبه الليلة بالبارحة.. فقد دخل أجدادهم سوبا من قبل، معتدين غير مسالمين، دمروها ونكّلوا بأهلها وسووها بالأرض ثم أضرموا فيها النيران قبل خمسمائة عام.. بعد ليال طويلة قضوها تحت ظلها لاجئين.. أجارتهم فيها وأحسنت إليهم، فكان شأنهم معها كمُجيرِ أمِّ عامر، اعتدوا عليها ونهبوها وقد شاركوا اهلها الطعام والشراب والمأوى.. واللهُ لا يُحبُ المعتدين!!.
هل رأت الحركة الإسلامية في خراب سوبا وقتها، وإقامة مملكة سنار الإسلامية على أنقاضها عدوانا؟ أم أن سوبا، التي كانت عاصمة أهل السودان الوثنيين والمسيحيين وقتها بدت لهم غريبة اللون واللسان. “سنّار موعدنا.. يا باغونا” كانت أهزوجتهم ابتهاجا بخيول الغزاة ومناصرةً متأخرة لظلمهم وعدوانهم على سوبا، وإشعال النيران في حواضرها.. لم تكن سوبا موعدهم، بل كانت سنار التي بنت أمجادها على أنقاضها ونفائسها المنهوبة. ألأن سوبا بخلاف سنّار لم تكن تحمل الهوية ولا خيط الدم اللذان يستحقان أن تدافع عنهما أو تناصرهما أدبيات الحركة الإسلامية ومؤرخوها؟. سنّار التي دون حواضر السودان المعاصرة لها ككورتي والمتمة، إحتفت بإسماعيل باشا وسلمته مفاتحها حتى قبل أن تبلغ خيوله بساتين المدينة.. كل ذلك لا ينسجم منطقا مع ما نراهم يفعلونه اليوم دفاعا وتحشيدا عن الخرطوم، في مواجهة نفس الغزاة الذين كانوا بالأمس شركاء الهوية والعرق والدين..
في تسجيل طويل طاف وسائل التواصل الإجتماعي لواحدة من زعيمات الحركة الإسلامية في العام ٢٠٢٠ (لا زلت أحتفظ بنسخة منه) نشرته تؤيد فيه تدفق البدو من عرب الصحراء إلى السودان عبر حدوده الغربية وتدافع عن حقهم بالتمتع بالأرض والماء لأنها من وجهة نظرها لا ترى أن أحدا بالسودان يحق له أن يمنع نازحا يأتي إليه من أن يتمتع بنفس الحقوق وأن تصدر الدولة له الأوراق الثبوتية، حتى بالعواصم الأجنبية، ما دام يشارك الحركة دينها وعروبتها..
إن الحركة الإسلامية الأممية، لا ترى حقا للمواطنين أصحاب الأرض يؤهلهم للإعتراض على توطين غرباء من شركاء الهوية العروبو إسلاموية، فلماذا انقلب الخطاب اليوم في مواجهتهم؟.. في مواجهة حَمَلة الهوية التي قامت الحركة الإسلامية على أمجادها، وعلى الدفاع عنها وتمكينها وإصدار الأوراق الثبوتية لتوطينها، ثم التحالف معها وعسكرتها في دارفور على حساب أفريكانية الشعوب السودانية بأعراقها ودياناتها المتغايرة، وعلى حساب البسطاء من أهلها وأراضيهم وثرواتهم.. أم أن البندقية النزقةَ هذه المرة قد تبين لها أننا كلنا عبيدا لأسلاف من أرقاء وخدائن الأمس داكني البشرة، لا نملك حقا في الحياة؟
إنتهى
E-Mail: nagibabiker@hotmail.com
