قارب من ورق “سفر جديد الدكتور أمير حمد” .. رواية قصيرة جديرة بالإهتمام
د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
الأديب الدكتور أمير حمد من خيرة أدباء السودان، خلقاً وأخلاقا. من أسرة محافظة صوفية الطابع. حفظ مع شقيقته الراحلة في شبابها سناء، رحمها الله القرآن. كاتب وشاعر مرهف الحس. شاء قدر المولى بعد معاناة الحياة وظروفها الصعبة أن تكون برلين موطنه الثاني، لكن برغمه يظل السودان في حدقات عينيه الحب الأول ، يعيش في أعماقه من خلال أسطر قصصه ورواياته و أشعاره والتي من أسلوبها تعرفه و إن لم تلتق به. قلبه الرقيق الذي يجمعك به عبر القلم يفتح لك باب ديوانه العامر المضياف ، و على مائدة طعامه تجد كل ما لذ وطاب.
جمعنا القلم المهذب، المستقل ونزيه وصريح . أسلوبه يميزه مثلما يتميز كل فنان تشكيلي “مثلاً فان غوخ، بيكاسو” بأسلوب ألوانه وضربات ريشته على الورق أو الكانفاس. الأمكنة حاضرة في ذاكرته تذكي شجونها نار البعد والغربة وعذابات الشعوب المستهدفة في أوطانها والمنسية في العالم . القلم يكتب ويرسم اللوحات من قلب ألمانيا والمداد ألوان قوامها ماء النيل ممزوجا بتراب الوطن، وإن بعد فهو قريب وحاضر عنده. الأماكن خاصة الحدائق وضفاف الأنهار هي متنفسا يجد فيها ونحن معه علاج النفس التي أشقاها زمن ليس لنا كلنا لكننا قسرا صرنا نعيشه ليس فى الوطن وحده بل هناك في أمكنة هجرة أخرى بعيدة، ما كانت تخطر على البال مع قوم ما كانوا سيلتقون بنا حتى فى الحلم. قسوة الأيام وضرورة هجرة الأوطان جعلتنا نعيش في عالمهم ، ورغم التداعيات المطلقة جراء ثقافاتهم وعقائدهم نصاحبهم نفتح لهم أبواب الأمل كما يفتحون لنا أبواب الخير عندما يؤمنون بأننا أصحاب قضايا عظيمة ونوايا طيبة صادقة وثقافة عظيمة ، وانه يحب بعضنا البعض ولنا عواطف، وجذور الخير تغوص في أعماقنا رغم إختلاف ألواننا وعقائدنا وثقافتنا فتجعل شجيرات عائلاتنا تنتظم وتتشكل بها حدائق جميلة تجمع البعض لتجد فيها النفوس المتعبة الراحة والبهجة.

قارب من ورق قصة رائعة فى سردها و تركيبها الزمني والمكاني . الكاتب ببراعة يجعلك وانت تقرأ تعيش اللحظة كأنك هو. الشخوص كأنهم أصدقاء لك تعرفهم تحبهم. فى المكتب الكرسي الفارغ والطاولة التي كانت تطل من خلفها شخصية زميل أو إنسانة رقيقة “مثل كريستل” ما عادت حاضرة وأماكن الجلوس وممرات الشوارع والمتعرجة منها فى الحدائق تذكر بضحكة أو كلمة هي كانت شاهداً على وجود من نحب ونصادق ونصاحب. و بذكر نوستالجيا المكان والحضور والغياب ومرور الزمن هنا اتذكر كلمات أغنية الفنان الكبير محمد عبده “الأماكن” من شعر منصور الشادي ، تلحين ناصر الصالح “فكل شيء في حياتنا يذكرنا بشيء” :
الأماكن كلها مشتاقة لك
والعيون اللي انرسم فيها خيالك
والحنين إلي سرى بروحي وجالك
ما هو بس أنا حبيبي
الأماكن .. الأماكن
الأماكن .. كلها مشتاقة لك
كل شي حولي يذكرني بشي
حتى صوتي وضحكتي لك فيها شي
لو تغيب الدنيا عمرك ما تغيب
شوف حالي آه من تطري علي
الأماكن .. الأماكن
الأماكن .. كلها مشتاقة لك
المشاعر في غيابك .. ذاب فيها كل صوت
والليالي من عذابك .. عذبت فيني السكوت
وصرت خايف لا تجيني
لحظة يذبل فيها قلبي
وكل أوراقي تموت
آه لو تدري حبيبي
كيف أيامي بدونك
تسرق العمر وتفوت
الأمان وين الأمان
وأنا قلبي من رحلت
ما عرف طعم الأمان
ليه كل ما جيت اسأل هالمكان
اسمع الماضي يقول .. اسمع الماضي يقول
ما هو بس أنا حبيبي
الأماكن .. الأماكن
الأماكن .. كلها مشتاقة لك
الأماكن إلي مريت أنت فيها
عايشه بروحي وأبيها
بس لاكن ما لقيتك ..
جيت قبل العطر يبرد
قبل حتى يذوب في صمت الكلام .. وأحتريتك
كنت أظن الريح جابت .. عطرك يسلم علي
كنت أظن الشوق جابك .. تجلس بجنبي شوي
كنت أظن .. وكنت أظن
وخاب ظني
وما بقى بالعمر شي .. وأحتريتك
الأماكن .. الأماكن
الأماكن .. كلها مشتاقة لك
القصة “قارب من ورق” عمق فلسفي وإن كان سردا لا يخلو من ذكر رومانسيات فالحزن المصاحب نتيجة تجارب آخرين يحكي بأسلوب أدبي رائع عن الواقع الذي يعيشه الإنسان المتعب طيلة عمره وإن كان عشقه الأول والأخير “الوطن” تظل رحلة حياته مرهونة بالنجاة راكبا على قارب من ورق على سطح تياره جارف، والغروب يداهمه، وخيط رقيق من الأمل وأسئلة كثيرة تدور بخلده المتعب . السؤال الكبير هل يا ترى من بعد الغروب طلوع؟. وهل المعاناة تقتل الطموح ؟. لا أريد هنا التفصيل سرداً في هذه الرواية لكيلا أفسد رغبة الشوق واغتناء هذا السفر الجميل
ختاما :
عزيزي أمير ، سفر جديد في ثوب قشيب وتصميم رائع طالعتنا به، وذكرك تعليق وأسماء الأطباء “دكتور فضل الله وشخصي الضعيف ” على الغلاف فيه تقدير ومكرمة شكر لكل طبيب سوداني، نشكرك. الرواية في مجملها تدور حول قضايا اجتماعية وسياسية واقتصادية معقدة هي قدر وطننا بل أقطار كثيرة من بلاد المسلمين و أفريقيا. أما الحياة فكلها في نظري “قارب من ورق سرعان ما ينتهي إلى النهاية الحزينة. فالقوة والجبروت والزهو والمال والجمال والجاه والعواطف كلها مثل الزبد، لا تدوم “. فقط تدوم الذكرى الطيبة والعمل الصالح وتبقى الحياة رحلة جداً قصيرة
تحياتي ، شكراً على الإهداء
عبدالمنعم عبدالمحمود العربي
المملكة المتحدة
14/9/2025
aa76@me.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم