8 فبراير 2026
د. سعاد مصطفي
هذه ليست المرة الأولى، ولن تكون الأخيرة، التي يقوم فيها التحالف المدني الديمقراطي لقوي الثورة – صمود، بجولة تهدف لإنهاء الحرب في السودان. لهذه الجولة تحديدًا أهمية تاريخية واستراتيجية وزمنية فريدة لحال الأزمة الراهنة في السودان، وتداعياتها المحلية، والإقليمية، والدولية. بدأت الجولة في فرنسا، ثم انتقلت عبر ألمانيا وهولندا والنرويج في قلب أوروبا، واختُتمت في بريطانيا. كان الهدف هو حشد الدعم الدولي لوقف الحرب في السودان وانهاء معاناة الشعب السوداني المنكوب، وإقامة دولة مدنية – دولة تقوم على المساواة في المواطنة، يحكمها دستور يرسخ الديمقراطية والحكم المدني. دولة لا يقتصر فيها الوطن على دارفور وحدها، بل تنتظم في شندي وكسلا وسنار ومدني والخرطوم وجميع مدن السودان فتنتج دولة سودانية تحتضن الجميع ويفخر بها الجميع! تُعد هذه الزيارة دليلًا كثيفا على التزام صمود، بقيادة رئيسها، وصمودها بالاجتهاد والمثابرة لوقف مسلسل الإبادة الجماعية والدمار المستمر في السودان منذ منتصف ابريل 2023 واسدال الستار على حلقاتها النتنة.
يسعي صمود بعزيمة راسخة دؤوبة ونشاط لا يتضعضع، رغم التهديدات بالويل والثبور وعظائم أنواع الانتقام الكيزاني الفاجر ضدهم، وفي مقدمتهم الدكتور المناضل والجسور عبد الله حمدوك. رغم ذلك يواصل صمود سعيه لإسكات صوت البندقية ولتظل الحناجر تسكن الفضاء مناديه: حرية سلام وعدالة ومدنية قرار الشعب، وغايتهم أن يولد الأطفال في تراب بلدهم، وينشأ الشباب أحرارًا ويعيشون حياة كريمة حرمتهم منها الحرب وأمراء الحرب وأبواقها. بلد تتحرك فيها النساء بحرية وامان داخل وخارج الوطن. ولذا فإن أمراء الحرب الذين نصبوا أنفسهم قادة لحملات حشدت لها شباب وشابات أبرياء، ودفعوهم الي المزيد من القتل وإراقة الدماء حتى احترقت آدميتهم وهم يمارسون دعارة القتل والسحل في ضحاياهم. هؤلاء الامراء يثورون غضبًا ويرتجفون من أصوات الصادقين دعاة السلام ووقف الحرب وإراقة الدماء وتخيفهم وترهبهم أرواح الشهداء التي لا تزال تحلق في السماء تنتظر القصاص الإلهي الموعود.
فالدكتور حمدوك ورفاقه ورفيقاته r] كرسوا أنفسهم لإنقاذ البلاد من ويلات الحرب والإبادة الإنسانية التي لا تزال دائرة بلا هوادة، ومن استنزاف الوطن وخرابه، ولإرساء قيم التعايش السلمي والانتقال الديمقراطي، ولأجل ترسيخ مبدأ العدالة والمواطنة المتساوية، وحقوق الانسان، والطفل، والمرأة. اذن، فلا غرو في أنهم واجهوا مقاومة شرسة من قوى العنصرية العرقية الجهوية الصارخة، والاستلاب الديني والثقافي والكولونيالي، التي تمددت في جميع أنحاء البلاد وتغلغلت في المؤسسات الرسمية والشعبية. ورغم ذلك، ظل حمدوك ثابتًا لا يتزعزع، رافضًا الخضوع لقوى الشر المدمرة للوطن وشعبه. في الوقت نفسه، انهال عليه أنصار الاستعلاء الجهوي والاثني والقبلي، إلى جانب الحاقدين والجهلة ومن سلبت عقولهم وضمائرهم، بالسباب والاتهامات الجزافية، وهم يرتعدون من رباطة جأشه وتواضعه وثقته بنفسه والتزامه بقيم الثورة: الحرية والسلام والعدالة. فقد اختار طريقه واجتمع مع رفاق ورفيقات ميامين، وصمموا على المضي قدمًا في السعي لتحقيق إرادة الشعب وقراره: حكومة مدنية، وانتقال ديمقراطي، ورفاهية المواطن بدءا بالمواطنة المتساوية.
قاد حمدوك تلك الجولة إلى أوروبا وبريطانيا خلال شتاء قارس البرودة، حين كان الجليد كثيفًا وثقيلًا، مدفوعًا برغبة ملحة في حشد الدعم الدولي لإنهاء الحرب العبثية في السودان. سعى إلى التشاور مع الدول الصديقة المهتمة بتحقيق السلام والديمقراطية وحقوق الإنسان في السودان، لا سيما وأنها ليست بمنأى عن التداعيات السلبية للحرب على بلدانها وعلى السلام الإقليمي والعالمي. ومن المفارقات، أنه بينما يكدح هؤلاء الشرفاء ويسافرون حول العالم لإنهاء الحرب الدائرة التي دمرت كل شيء والتي لا تزال آثارها المدمرة تُثقل كاهل الناس والبلاد، حاولت حكومة الأمر الواقع، والتي حاصرت مكاسب ثورة ديسمبر في زنزاناتها، إضفاء الشرعية على الحرب باعتبارها “حرب كرامة دفاعًا عن النفس”. وزادت من تهورها بإعلانها محاكمة حمدوك، رمز الحكومة للثورية المجيدة، ورفاقه، بتهم لجرائم ارتكبها الإسلاميون ضد الشعب السوداني (أي، ضربني وبكى، وسبقني واشتكى). بل إنهم يهددون بمنعهم من دخول السودان، ما يعني حرفيًا أن الإسلاميين الحاكمين قد صادروا جوهر المواطنة، مدعين ملكيتها الحصرية وحق توزيعها وفقًا لأهوائهم، وعلى من يتبعون نهجهم ويؤمنون ايمانهم. إنها محاولة يائسة تبخيس أرواح شهداء ثورة ديسمبر المجيدة، وخنق آمال الشعب السوداني في إعادة بناء الدولة السودانية، ودفن شعارات الثورة ومكتسباتها في مقبرة الحركة الإسلامية، وكأن من دُفنوا هناك لن يُبعثوا يوم يبعثون!
ظل حمدوك قائد الركب الصامد كالجبل الشامخ، وكالنور الساطع. يتمتع برقيٍّ استثنائي، لا يتأثر بالاستفزازات ولا تغزوه الانفعالات. لم نره يحمل بندقية قط، ولم نسمعه يلقي خطابًا يدعو إلى الحرب، أو القتل، أو الاستنفار والتعبئة، أو سحل الناس في الشوارع. لم ينطق بكلمة بذيئة تنضح بالحقد أو العنصرية أو التعصب الجهوي، ولم يصف سودانيًا بكلمة “عبد”، وهي كلمة شائعة بين العنصريين وأمثالهم. لم يوجه إهانات إلى البرهان وأتباعه، ولم يسيء إلى من يخالفه الرأي. لم نشهد إلا موقفه الحازم في منع المزيد من إراقة الدماء بين أبناء السودان! ومع ذلك، تآمرت عليه أيادي العنصرية البغيضة من كل حدب وصوب، لكنه لم ينكسر ولم يُهزم. بل على العكس، ازداد قوةً في إيمانه بأن الليل لابد أن ينجلي ويفسح المجال للفجر والضياء ليعم الأرض والقلوب، وأن القيود يجب ولابد أن تُكسر! نعم، إن وحدة الشعب السوداني ضد قتلة الشعب ومخربيه ومستعبديه ستكسر هذا القيد، وسيظل التحالف الذي يقوده، صامداً صارخاً في وجه أعداء الثورة. وقانون “الوجوه الغريبة” الذي استهدف أبناء السودان باستنكار الهوية السودانية، وإجازة القتل والتعذيب على أساس العرق واللون والجهوية، مصيره الزوال، وسيقيم الشعب السوداني دولته المدنية، مهما طال الزمن وعن المشاق وتوالت المحن، حتى يعيش الناس أحرارًا كما ولدتهم أمهاتهم، وتقبر العنصرية بكل أشكالها ومظاهرها، وتسود المواطنة المتساوية كقيمة، ومبدأ، ودستورا، ودولة!
رافقتُ حمدوك في بعض جولاته الأوروبية مع رفاقه المخلصين في وفد تحالف صمود، في مساعيهم لإنهاء الحرب العبثية للعابثين بالوطن والشعب السوداني. شاهدته يتحدث عن السودان ومعاناة شعبه، وملامحه مزيج من الألم والأمل. وهو يصف محنة السودان، تكاد ترى خريطة السودان وشعبه محفورة على وجهه الهادئ، الذي ينضح صبرًا وصمودًا وعزيمة وإصرارًا لا يتزعزع. كل من يتحدث إليه أو يستمع إليه يدرك أنه رجل ذو شخصية متميزة، يتمتع بمهارات تواصل واستماع ممتازة، وإيمان راسخ بإمكانيات وطنه وشعبه، مما يدفع المرء إلى الإصغاء لكلماته باحترام بالغ. أما أنا، ابنة آدم، فأشعر بالفخر ببلدي السودان، وبنساء وطني اللواتي أنجبن هذا الرجل، حمدوك، وأمثاله، رغم حزني على تسلل قوى الشر إلى مجتمعنا وتقمصهم لأرواح بعضنا. لذا، لم يسع مضيفو وفد صمود إلا أن يعربوا عن تعاطفهم مع الشعب السوداني وثورته وقضيته العادلة في إنهاء الحرب وتحقيق السلام. كما أعربوا عن استعدادهم التام لتقديم كل مساعدة ممكنة لإنهاء هذه الحرب، ووقف طوفان إراقة الدماء والدمار، وتحقيق السلام والاستقرار السياسي. أوضحنا لهم نحن النساء أنه إذا كان وقف إطلاق النار مطلوبا من أجل النساء فقط، فإنه يستحق كل ما يبذل لوقفها وإنهائها، لكي تعود النساء إلى بيوتهن، والأطفال إلى مدارسهم، والشباب والشابات إلى إعادة بناء ما دمرته أيدي آثمة لإخوة في الوطن، لأن المرأة هي رمزية للوطن بأكمله!!
لقد حوّل هؤلاء القتلة، قسرًا وطوعًا، بعض من شباب وشابات السودان إلى قطيع يرقص على أنغام الرصاص والقذائف المتساقطة، ومسيرات تنطلق لحصد أرواح النساء والأطفال وكبار السن، ولتمزق أجساداَ لذوي القربي واليتامى والمساكين، وأصدقائهم وجيرانهم ورفاقهم داخل منازلهم، وفي الأسواق والمؤسسات التي صارت دورا لإيواء النازحين، وفي الشوارع والمزارع، وتطحن الناس حتى وهم يقومون بدفن القتلى الأبرياء في المقابر. هذا هو حال السودان اليوم: إذلال وتدمير للإنسانية من خلال موت مروع بقطع الرؤوس، أو تهشيم رؤوس الأحياء بالسواطير والفؤوس، وبجروح في الأجساد تنزف ولا تلتئم، وبالجوع والعطش، ثم بانتهاك شرف النساء وممارسة العنف الجنسي ضدهن والعنف ضد جنسهن، أي معاقبتهن لكونهن إناثًا، وبالنزوح واللجوء والتشرد في أقصى بقاع الأرض بالملايين. يرتكب المجرمون جرائمهم ليل نهار وفي كل شبر من البلاد دون وازع أو ندم، تحت راية “الله أكبر”. ولعل اسمه تعالي بدأ يمطرهم سحائبا همعا من اللعنات، مما زاد من وحشيتهم وأطال أمد طغيانهم الي حين، تاركاَ إياهم يتخبطون في غياهب الظلم لأنفسهم ولأخواهم في الوطن. وسيأتي يومٌ، لا نحسب انه ببعيد، ليصطفوا أمام القاضي العادل يحملون كتابهم بشمالهم ليسألهم الرحمن عن تحريفهم كتابه ورسالته وتشريع القتل باسمه تعالي، ثم يلتفت إليهم الشهداء ليسألوهم: لماذا قتلتمونا؟ وآخرون: ما سلككم في سعير؟
هذه الوحشية وهذا السقوط البشري يعمّان أرض وطن أحببناه، وغنينا له، وأطلقنا عليه مجازًا اسم “عزة”، تكريمًا واحتفاءً بكرامته وعزته. وعندما ينهض الشرفاء الذين تعهدوا بوقف الحرب وتحقيق السلام، والحفاظ على وحدته، والعمل على تنميته ورفعته وازدهاره، يندفع جلادو الأمة وتجار الدين، الذين بارت تجارتهم في شوارع الثورة وعلى منبر الحق والحقيقة، يندفعون لركوب دابة الموت، وهم يحملون الرماح ليقوموا بطعن أولئك في وطنيتهم، ويعقدون محاكم باطلة لتجريمهم، واتهامهم بالخيانة، والحكم عليهم بالإعدام! ما كان ذلك بالغريب او المفاجئ لمن ديدنه القتل واباد الناس والسحل في جنوب السودان، وجبال النوبة ودارفور. انه الفرق بين من يبني ويعمر، ومن يخرب ويدمر؛ بين من يعزف موسيقي السلام الحالمة، ومن يجأر بصوت البندقية والرصاص الدامي؛ بين من يزرع الأشجار ومن يحرقها؛ بين من يرسم ابتسامة في وجه الأطفال ويمسح لهم دمعة، ومن يقوم بقتل الأمهات لينحت التعاسة في وجوه الأطفال. انها كالفرق في المسافة ما بين السماء والأرض، وما بين الليل الدَّيجور، والنهار الساطع. فالقتلة نصبوا راية: “الموت للشعب السوداني الي آخر طفلة،” وصدقوا وعدهم فاغرقوا البلاد في مستنقعات الدماء والقيح والدمار والخراب، وتبنوا خطاب الكراهية والحقد والاستعلاء، بينما الوطنيون الشرفاء قد نصبوا علم السودان وهم يصدحون: “هذه الأرض لنا فليعش سواننا علما بين الأمم…”.
سيظل الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء ثورة ديسمبر، ورفاقه ورفيقاته، داخل البلاد وخارجها، ركيزةً أساسيةً لثورة ديسمبر المجيدة، ساعين لتحقيق شعاراتها ومبادئها، وتطلعات الشعب السوداني إلى الحرية والسلام والعدالة. ستظل أصواتهم تشق عنان السماء، وإرادتهم راسخة في إقامة دولة مدنية ديمقراطية تُحرر الشعب السوداني من براثن العنف وخطاب الكراهية والاستعلاء العرقي والثقافي، ومن جرائم تدمير الوطن. وسيظلون صادقين ومنفتحين ومرحبين، ملتزمين بوحدة الوطن واحترام تنوع نسيجه الاجتماعي والسياسي والثقافي، باستثناء من ارتكبوا جرائم ضد الشعب والوطن باسم الدين. وسيأتي اليوم الذي يدعون فيه جميع المواطنين الي نفير إعادة بناء الوطن وترميم ما دمرته الحرب، وإرساء مبادئ ومظاهر الاحترام والتعاون والتضامن، وقيم التعايش السلمي والمحبة بين مختلف طوائف السودان. وغدًا لناظره قريب.
المجد والخلود لشهداء السودان، والشفاء للجرحى، والعودة الآمنة للمفقودين والنازحين واللاجئين. ستظل الثورة متقدة، والحكم المدني آتي لا محالة رغم أنف المرجفين.
مدنياو
تسقط بس
ولكم الشكر الجزيل
Khairkhanaga16@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم