قانون سب الصحابة .. بقلم: ناجي شريف بابكر

مقدمة:
في قصيدته “المومس العمياء” يقول الشاعر العراقي الراحل بدر شاكر السياب:
عشرون عاماً قد مضين .. 
وأنتِ غَرثَي تأكلين بنيكِ من سغبٍ
وظمأي تشربين
حليب ثديك، وهو ينزف من خياشيم الجنين !!
وكزارعٍ لهم البذور، وراح يقتلعُ الجذورْ
من جوعه.. 
وأتي الربيعُ فما تفتحتِ الزهورْ
ولا تنفست السنابل فيه.. ليس سوي الصخورْ
سوي الرمال ..سوي الفلاه
خُنتِ الحياة بغيرِ علمكِ في إكتداحِك للحياه !!
كم ردَّ موتَكِ عنكِ موتُ بنيكِ
إنك تقطعين.. حبل الحياه
لتنقضيه وتضفري حبلاً سواه
حبلاً به تتعلقين، علي الحياه
تضاجعين، ولا ثمار سوي الدموع
وتأكلين، وتسهرين ولا عيون
وتصرخين ولا شفاه، وغداً بحبلكِ تُشنقين !!

النص:
لا خلاف في أن السب واللعن لأي شخص كان، يرقي لأن يكون جناية، يتوجب أن يُعاقب فاعلها .. فإن كان الأخرون جديرون بالإحترام فالصحابة أولي من يكون بذلك، وقد علّمَنا النبي الكريم أن من كمال الإيمان صيانة اليد واللسان وكف الأذى عن الناس.
ليس ثمةَّ إعتراض علي مبدأ تشريع القوانين الجنائية التي تردع من يتجرأ علي السب والإساءة للمقدسات، لكن  الإعتراض ينصب في تخصيص صحابة رسول الله بالذكر، للإيحاء بالبعد الديني للتشريع، لأن مثل هذه المواد ذات الطبيعة الدينية، مثيرة لعواطف الناس ونزعاتهم، وقد تُحمّل أحيانا أكثر مما تحتمل، فيُفسّر التعرض بالنقد والتقييم لسيرة الأولين، لغرض إستخلاص العبر والعظة مثلا، بأنه سب أو تعدي علي حقائق مقدسة.. أو أن الإفاضة أو مجرد الخوض في الحديث عن حادثة الإفك وملابساتها، أو ترديد  ما ورد فيها من آيات الذكر الحكيم، ربما تفسر بأنها سب لآل البيت أو تعمداً للإساءةً لهم.. فلعل هناك من يري أن مؤتمر السقيفة قد رجّحَ العرقَ علي الدين، وأن سعد بن عبادة الصحابي الجليل الذي خاطبه الرسول (ص) قائلاً: “والله لو سلك الناسُ شُعَباً وسلك الأنصارُ شُعَباً لسلكتُ شُعُبَ الأنصار.. يا معشر الأنصار ألا يرضيكم أن يعود الناس بالذهب والفضة، وتعودون ورسول الله بين رحالكم” .. إن سعد بن عبادة لم تكن في عنقه بيعة بعد رسول الله، أو من يري أن أحد الصحابة كمحمد بن أبي بكر، كان مخطئاً في انضمامه للثوار في حصار سيدنا عثمان .. وقد يري أخرون أن حملة بن أبي السرح علي النوبة كانت عدوانا وسعيا لتوسيع الخراج، أكثر منها دفاعاً عن الإسلام، أو ردا لعدوان يحدّقُ بأهله.. حتي لو كان ذلك من باب التفكر والقراءة النقدية للتاريخ بغرض العظة والعبرة، كي لا يكرر الناس أخطاء الذين من قبلهم. ولعل السير في قصص السابقين بعين الفاحص المتعظ إستقراءً للعظات واستلهاما لها، قد تكرر الحث عليه في العديد من الآيات القرآنية، في عتاب القرآن للأمم السابقة في عدم إتعاظها بسير الأقدمين، خطؤهم وصوابهم مما أدي لتورط اللاحقين في نفس الأخطاء وتكرارهم لنفس الفتن التي كانت مَهلكةً لسابقيهم. 
يقول تعالي:
“أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ” {46} الحج
قد يكون ظاهر النص القانوني محددا في شرح مفرداته، منعاً للبس وإساءة التفسير، لكن ما يجب أن نستيقنه أن الضحايا المحتملين لمثل هذه النصوص في بلد كالسودان، هم من طينة الجلادين علي الجانب الآخر من الشرق الأوسط. فالضحية هنا من شاكلة الجلاد هناك، والجلاد هنا من شاكلة الضحايا علي الجانب الآخر من الخليج، فالضعفاء علي الجانبين هم من يدفعون الثمن بينما يبقي السادة هانئين وهم علي قناعات متناقضة. 
لكن ذلك سوف لن يمنع النافذين من أصحاب الغرض والضغائن، من توظيف ذلك النص، ووضع النقد التاريخي العلمي، موضع السب والتجريح للصحابة أو غيرهم من الأولين، وذلك بغية التخلص من خصوم سياسيين أو منافسين تجاريين، أكثر منه حرصا علي الدين أو علي مقدساته .. أو قد يكون أكثر من ذلك تربصاً للتخلص من منافسين في الحب والغرام ومباهج الحياة وملذاتها، كما سعي أحدهم من قبل لتكفير غريم له، بعد أن سبق بينهما التنافس جراء افتتانهما معاً بنفس المحبوبة. فمحبوبةٌ واحدة ربما لا تكفي، حتي تتوقد حمي الصراع للدرجة التي تُسوّلُ لك التحايل ونصب الدسائس والأحابيل، لقيادة زميل الدراسة ورفيق العلم إلي المقصلة.
مساكين هم الضحايا في مشرق الأرض وفي مغاربها. فمولانا السلطان يفتل يوميا بقصره من الحبال ما يكفي لشدّهم علي المقاصل، لم تتوقف الطيور يوما عن التحليق والغناء، بينما الحبال تفتل علي وجه الأرض ناعمة وطويلة بما يكفي. فتلك التي من بينها لا تصلح للإيقاع بالطيور شرق النهر، تصلح للإيقاع بها في غربه، فهناك من الزمن ما يكفي أن تنصب حبال أخري وبألوان مختلفة سوف تهلك بسببها تلك الطيور التي ما زالت تغرد في الجانب الآخر من النهر.. 
لذلك فالكثير من مثل هذه التشريعات التي تحاصر الرأي طالما أستخدمت عبر العصور القديمة والمحدثة، لخدمة  أجندة السلطة الدينية في مواجهة خصومها السياسيين وتصفيتهم، كان أشهر تلك القضايا تكفير الكنيسة لعالم الفلك “جاليلو” وحبسه في داره حتي الموت، لتأتي الكنيسة تتقدم بإعتذارها بعد أكثر من ثلاثمائة عام عن مقتله.. كما حدث كذلك في حق كثير من العلماء والدعاة المسلمين، الذين لم يكونوا علي وفاق مع سلاطين زمانهم.. وكفّر بموجبها الكثير من  الصالحين وجري أعدامهم أو نفيهم كأبي حنيفة والبخاري والحلاج والجعد بن الدرهم وعبد الرحمن الكواكبي ومحمود محمد طه.. أقلعت الكنيسة، بعد أن إعترفت بأخطائها، عن سحل العلماء ومحاكمة الرأي، الشئ الذي لا يبدو أنه قريب الحدوث لدي أئمة المسلمين وحكامهم. 
لا يسعنا في الختام إلا أن نتمني علي الله ألا تكون مثل هذه التشريعات في القانون الجنائي، سبيلا آخر علي البسطاء، وفخاً للإيقاع بهم، وسعياً للتضييق والمطاردة لقادة الرأي والإستنارة، أكثر مما نعانيه من تضييق في عصرنا هذا.
nagibabiker@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً