مؤانسة رمضانية (26)
فيصل محمد صالح
لم تنبت صحيفة “الخرطوم” في القاهرة في أرضٍ يباب، بل كانت القاهرة السودانية في تلك الفترة مهيأة لاستقبالها من كل النواحي. كانت القاهرة فوّارة بالنشاط السوداني في كل المجالات الفكرية والسياسية والثقافية والفنية، خاصة مع وجود الآلاف الذين خرجوا من السودان بعد مجيء حكومة الإنقاذ.
كانت هناك القيادات السياسية السودانية، من أقصى اليسار إلى الوسط واليمين: مولانا الميرغني وأسرته وقيادات حزبه أحمد السيد حمد، وفتحي شيلا، وفاروق محمد آدم، ومحمد عثمان أحمد عبد الله، وحاتم السر. وقبل وصول السيد الصادق المهدي كان هناك من قيادات حزب الأمة مبارك الفاضل، وتجاني سيسي، ومهدي داود الخليفة، وصلاح جلال، وصديق بولاد، وحسن أحمد الحسن. ومن الشيوعيين التجاني الطيب، ومحجوب عثمان، والشفيع خضر. ومن العسكريين كان هناك الفريق فتحي أحمد علي، والفريق عبد الرحمن سعيد، والعميد عبد العزيز خالد، ودانيال كودي، وزكريا دينق من الحركة الشعبية.
وكان هناك وجود لمؤتمر البجا، وحركة حق، والناصريين، والبعثيين، وكان اتحاد المحامين العرب يموج بالحركة تحت قيادة فاروق أبو عيسى، وغالباً ما تجد في الصالون الملحق بمكتبه منصور خالد وأمين مكي مدني. كان مركز النشاط السياسي دار الحزب الاتحادي بمصر الجديدة، وهو مقر حركة التجمع الوطني؛ فكل الاجتماعات والنشاطات والندوات كانت تتم هناك.
حدث في تلك الفترة حراك فكري وثقافي وفني كبير بوجود مركز الدراسات السودانية والدكتور حيدر إبراهيم، ومركز الثقافات السودانية مع زين العابدين صالح، ويحيى فضل الله، وعبد الله كارلوس، وسامي سالم، وعدد من الفنانين الذين أقاموا في القاهرة لفترات عديدة، منهم كمال ترباس، وسيف الجامعة، وسمية حسن، وعابدة الشيخ، وحسين شندي، وزينب الحويرص، مع وجود السر قدور وأحمد الفرجوني… وأمسياتهم مع الشريف زين العابدين الهندي.
وإن كنت سعيد الحظ فستحضر مؤانسة بين السر قدور والفرجوني، ومن نعم الله علينا أننا نعمنا بمثل هذه اللحظات. وحين هاجر الفرجوني إلى كندا كتب له السر قدور رسالة طويلة مفادها: “ياخ إنت ما زول كندا ولا هي بتنفع معاك”، وفعلاً لم يطل المقام بالفرجوني في كندا، إذ سرعان ما عاد ليقيم في بادية بلبيس.
كانت هناك شركة “حصاد” للإنتاج الفني، وقائدها أحمد يوسف، التي قدمت خدمة كبيرة للأغنية السودانية عبر تسجيلات حديثة بتوزيع موسيقي أشرف عليه الموسيقار يوسف الموصلي. وكم نعمنا بسهرات منزلية دافئة في منزل أحمد يوسف مع الفنانين الذين يحضرون من الخرطوم لتسجيل أعمالهم مع الفرقة الموسيقية العظيمة التي هاجرت بعد ذلك إلى أمريكا: ماهر تاج السر، وميرغني الزين، وميكائيل الضو، ومجدي العاقب، ومليجي.
أذكر مهرجان الثقافات السودانية الذي نظمه مركز الثقافات السودانية بالجامعة الأمريكية، وكان حدثاً كبيراً استمر لعدة أيام حافلة بالنشاط الفني والمناقشات وعروض فرق الفنون الشعبية والمسرح. وقدّم المسرحيون خطاب حسن أحمد، وعبد الله كارلوس، وسلمى الشيخ عرضاً درامياً لأغنية “عم عبد الرحيم” لحميد ومصطفى سيد أحمد. ونظم مركز الدراسات السودانية أنشطة كثيرة شارك فيها ضيوف من خارج مصر، من أوروبا والسودان والخليج.
مع بدء النشاط العسكري للتجمع الوطني صار هناك تحرك بين القاهرة وأسمرا حيث تعقد اجتماعات هيئة القيادة، وتحرك الثقل السياسي من القاهرة إلى ما كان يسمى “الجبهة الشرقية”.
ثم مع فتح الأمم المتحدة لباب التوطين للاجئين السياسيين في النصف الأخير من التسعينات، هاجرت معظم هذه الأسماء إلى أمريكا وكندا وأستراليا وبعض دول أوروبا، وصارت القاهرة خالية بالنسبة لنا، وسرعان ما حزمنا حقائبنا وعدنا بصحيفة “الخرطوم” إلى السودان عام 2001.
مراجعات
كما توقعت، فقد ذكرني كثير من الزملاء والأصدقاء بمساهمات كبيرة لعدد من الصحفيين والكتاب في صحيفة “الخرطوم” خلال صدورها القاهري. ومن ذلك مساهمات جالية السعودية عبر صفحة واحة المغتربين، ومساهمات صلاح الحويج، والدكتور حسين حسن حسين، وعبد الباسط شاطرابي، وكتابات صحفيي الرياض النشطين، وبالذات في المجال الرياضي من خلال تغطية نشاط الرابطة الرياضية في الصالحية وخنشليلة.
ومن الكتاب الذين قدموا مساهمات كبيرة البروفيسور عز الدين عمر موسى في زاويته “صيد الخاطر”، والمستشار البشرى عبد الحميد الذي جمع كثيراً من المقالات في كتابه “الوطن والمهجر”، وكذلك مساهمات صلاح الباشا في التأريخ للفن السوداني
ومن رومانيا ظل الدكتور عصام محجوب يوالينا بالمقالات، ومحمد سعيد شلي من السلطنة، ونجيب نور الدين من الخرطوم، بينما كان لمحمد محمد خير كتابات مقروءة وممتعة يتابعها القراء بشغف.
الصور: أبو عيسى، حيدر إبراهيم، الفرجوني
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم