بقلم: طلعت محمد الطيب
نترحم على أرواح أبنائنا من المعدّنين الذين قضوا وهم يشقّون الصخور بحثاً عن لقمة العيش، وتأمين حياة كريمة لهم ولأسرهم. ونسأل الله أن يتغمدهم بواسع رحمته، وأن يلهم ذويهم الصبر والسلوان.
إن التفريط الذي مكّن الجبهة القومية الإسلامية من الانقلاب على الحكم المدني عام 1989 كان مأساة وطنية بكل المقاييس، ما زلنا ندفع ثمنها قتلاً وتشريداً وانعداماً للأمن. لقد أحدث ذلك الانقلاب زلزالاً سياسياً واجتماعياً لم تتوقف ارتداداته حتى اليوم، بل امتدت إلى انهيار مؤسسات الدولة، وانتشار الحروب، وتدهور الأوضاع المعيشية، وانعدام الأمن والغذاء والدواء.
وفي هذا السياق، لا يمكن النظر إلى استهداف مناطق التعدين الأهلي بمعزل عن أزمة الدولة السودانية، وتآكل سيادتها، وطبيعة العلاقات التي نسجتها سلطة الأمر الواقع في بورتكيزان مع القوى الإقليمية.
أتفهم مشاعر الغضب إزاء مقتل المعدّنين، لكنني أرى ضرورة تجاوز ردود الفعل العاطفية إلى طرح الأسئلة الصعبة، بدلاً من الاكتفاء بخطاب تعبوي يستثمر في الغضب الشعبي من دون محاولة فهم ما وراء الأحداث.
السؤال الجوهري هو: هل أصبحت السيادة السودانية نفسها موضوعاً للمساومة مقابل الدعم العسكري والسياسي الذي تحتاج إليه سلطة بورتكيزان للبقاء في الحكم؟
تبدو لي فرضية تقديم البرهان تنازلات تتعلق بالأرض أو الموارد مقابل السلاح والدعم الجوي فرضية تستحق التحقيق، في ظل اعتماد سلطته على الدعم الخارجي وتداخل المصالح الإقليمية مع الحرب السودانية. وقد يكون استهداف المعدّنين مرتبطاً بحماية مصالح اقتصادية أو ممتلكات لطرف خارجي.
لكن من الأمانة الفكرية أن أوضح أنني لا أملك أدلة موثقة تثبت وجود صفقة من هذا النوع، ولا أستطيع الجزم بأن ما حدث نتاج اتفاق سري بين البرهان والجانب المصري. إنما أطرح هذه الفرضية باعتبارها سؤالاً سياسياً يستوجب التحقيق المستقل، لا حقيقة مكتملة الإثبات.
ومن هنا تبرز أسئلة لا يجوز تجاهلها: ما طبيعة المصالح الاقتصادية المرتبطة بمناطق التعدين؟ ومن يملك حق استغلال مواردها؟ وما الجهات المستفيدة من الذهب المستخرج؟ ومن المسؤول عن القصف ومقتل المدنيين؟ وهل توجد تفاهمات داخلية أو خارجية تتصل بهذه المناطق ومواردها؟
ليس مقبولاً أن تظل هذه الأسئلة بلا إجابات، بينما يُختزل الأمر في الحديث عن «شمال الوادي»، وكأننا أمام أرض مجهولة لا سيادة عليها، أو يُوصَف المعدّنون السودانيون بالجملة بأنهم غير شرعيين، من دون تقديم معلومات موثقة عن أنشطتهم والتراخيص المنظمة لها والجهات التي تستفيد من الموارد.
إن حماية المصالح الاقتصادية لا تبرر قتل المدنيين، كما أن وجود مخالفات في أنشطة التعدين، إن ثبتت، لا يسقط حق العاملين في الحياة ولا يعفي أي جهة من المساءلة. المطلوب هو كشف الحقيقة وتحديد المسؤوليات بالأدلة، أياً كانت الجهة المتورطة.
إن المشكلة أعمق من حادثة منفردة؛ فهي تتصل بأزمة الدولة السودانية التي بدأت تتفاقم منذ انقلاب 1989، حين أخضع الإسلام السياسي مؤسسات الدولة لمشروعه الأيديولوجي، وأضعف استقلالها، وفتح المجال أمام شبكات المصالح والفساد والتدخلات الخارجية.
وليس من المصادفة أن نجد السودان اليوم غارقاً في حرب مدمرة، تتنازع فيها القوى المسلحة على السلطة والموارد، بينما يدفع المواطنون ثمن ذلك من أرواحهم وأرزاقهم ومستقبل أبنائهم.
لقد أسهم تحالف السلطة العسكرية والحركة الإسلامية، على امتداد عقود، في تقويض أسس الدولة المدنية، وإضعاف الرقابة والمساءلة، وتغليب مصالح بقاء السلطة على مصالح الوطن. ولذلك فإن مواجهة آثار هذا الإرث لا يمكن أن تقتصر على إدانة الجرائم بعد وقوعها، بل يجب أن تتجه إلى تفكيك البنية السياسية والاقتصادية التي جعلت استمرارها ممكناً.
تغيير موازين القوى شرط لاستعادة السيادة
المطلوب من القوى السياسية والمدنية السودانية مراجعة مواقفها، وتجاوز خلافاتها الثانوية، وبناء جبهة مدنية ديمقراطية قادرة على مواجهة جذور الأزمة، وفي مقدمتها استغلال الدين في السياسة، وتفكيك مؤسسات الدولة، والتفريط في السيادة الوطنية، وتحويل موارد البلاد إلى أدوات للصراع العسكري والسياسي.
لكن تحقيق هذه الأهداف يتطلب أكثر من توافق نظري أو بيانات الإدانة؛ إنه يستلزم تغيير موازين القوى بما يضعف سلطة بورتكيزان وقدرتها على احتكار القرار الوطني، ويفتح الطريق أمام انتقال مدني ديمقراطي مستقل عن نفوذ الإسلاميين وهيمنة القيادات العسكرية.
فلا يمكن استعادة السيادة الوطنية في ظل سلطة تستمد قدرتها على البقاء من الحرب، أو تجعل الدعم الخارجي بديلاً عن الشرعية الشعبية، أو تتعامل مع موارد البلاد باعتبارها أوراقاً للمساومة السياسية والعسكرية.
كما أن إضعاف سلطة بورتكيزان لا ينبغي أن يكون غاية في ذاته، ولا أن يؤدي إلى استبدال هيمنة عسكرية بأخرى؛ بل يجب أن يقترن ببناء بديل مدني ديمقراطي قادر على حماية المواطنين، وصون الموارد الوطنية، وإخضاع القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لسلطة دستورية، وإقامة دولة القانون والمواطنة.
ما بعد إزالة الورم الخبيث
ينبغي ألا نتوهم أن إنهاء هيمنة الإسلام السياسي سيحل جميع مشكلات السودان تلقائياً. فقد خلّفت ثلاثة عقود ونصف من الحكم الأيديولوجي شبكة معقدة من المصالح والولاءات والتبعية والانقسامات، فضلاً عن تدمير مؤسسات الدولة وإضعاف النسيج الاجتماعي.
وقد تكشف مرحلة ما بعد الحرب، أو أي انتقال سياسي حقيقي، عن تفاهمات وترتيبات لم تتضح بعد، وعن حقائق مؤلمة تتعلق بحجم التفريط في حقوق السودانيين ومقدرات بلادهم. ولذلك فإن استعادة الدولة تتطلب مشروعاً وطنياً يقوم على الشفافية والمحاسبة، واستقلال القضاء، والرقابة على الموارد، وإعادة بناء المؤسسات على أسس مهنية وديمقراطية.
إن مقتل المعدّنين الأبرياء ليس مجرد مأساة إنسانية تستدعي الرثاء والإدانة؛ بل هو مناسبة لإعادة طرح السؤال الأكبر: كيف وصل السودان إلى مرحلة أصبح فيها المواطن عاجزاً عن حماية حياته ومصدر رزقه، وأصبحت فيها سيادة بلاده موضع تساؤل؟
رحم الله المعدّنين الأبرياء، وكل ضحايا هذه الحرب العبثية، وحفظ السودان وأهله من مزيد من الدماء والتمزق.
إن الدفاع عن سيادة السودان يبدأ بكشف الحقيقة ومحاسبة المسؤولين، لكنه لا يكتمل إلا بتغيير موازين القوى التي أبقت البلاد رهينة للحرب، وبناء دولة مدنية ديمقراطية لا يُساوَم فيها على الأرض أو الموارد أو حياة المواطنين.
