منذ أن بدأ فضيلي في نظم الشّعر وترويض الحروف، امتطى حصان الدّهشة، وامتلك قُدرة حمل بيئة الكادحين كاملة، على صهوات اللُّغة والبلاغة. يقول الشّاعر:
(عيْناكِ ضوْءُ المصابيح!)
فمن هى التي يبحث عنها فضيلي، ويُقارن عيناها بضوء المصابيح، وليس القمرة والنّجوم، إنّها المدن إذاً، تلك التي سرقت جمّاع من القُرى ونجومها في البوادي البعيدة، ولكنها لم تسرق ضميره المشدود إلى الأرض والإنسان في السُّودان.
يتساءل الشّاعر في مستهل القصيدة:
(عفواً إذا حاصرتْنا الرّياحُ
فهل تسمعينَ صهيلَ الخُيولِ
على ضفّةِ النّهْر؟)
ويجيب مباشرة على السُّؤال
(لا بأسَ .. نامي
إذا ضنّ هذا الزمانُ
بلحنٍ يغازلُ عينيكِ!)
ويُقرر فضيلي دون أن يُسمي التي يصف عيناها بالمصابيح، هل هى الحبيبة الوطن، أم الوطن الحبيبة، أم الأم الحنون أم الزوجة الصّابرة، على محن الزمان، أم الابنة النّجيبة التي اجتازت الإمتحان بانخراطها في معارك الوطن ، أم هى كل أؤلئك النسوة في تفرّدهن في المواقف وتمرّدهن على السائد وتعدّدهن في الادهاش .
(أجْمَلُ ما فِيكِ
هذا الصّمودُ الخُرافيُّ
فوق المهانةِ والقهرْ !
كوني النشيدَ المعتّقَ
في الزّمنِ الزيْف!
كوني السّلامةَ والحُضْنَ
للقابضين على الجمرْ)
في هذا المقطع تتّضح ملامح التي يعنيها الشّاعر، فهى أثني، ولكنها ليست أي أنثى، هى التي تصنع السّلامة والأمن والطمأنينة، وهى التي تشرع حُضنها الدافيء، للقابضين على جمر الحقيقة، والمتعبين من الحروب والخوف والقهر ، ولا مجال للحياد بين الحياة والموت
(فلا بيْنَ .. بينْ!
ولا للنكوصِ إلى الظلِّ باسمِ الحيادْ
أطيرُ إلى آخِرِ الأرضِ
ألقاكِ خارطتي والحنينَ الذي ..
عادَ بي في المنامِ وفي الصحْوِ ..
شوقاً إليك! )
هل يعني الشّاعر هذه الملايين التي تفرّقت بها الدّروب، وتوزّعتها الكارثة في دياسبورا الشّتات، وغدا بعضهم طعاماً لأسماك القرش في عمق المحيطات؟
(وأعجبُ كيف النّجومُ السّوامقُ
تختارُ دونَ السّماءِ سماءَكِ !
والطيرُ يشتاقُ مثلي
إلى طلعةِ الشمْسِ والبدرِ فيكْ!)
هنا يعود بنا فضيلي إلى حضن الوطن، والحنين إلى الديار ومنابع الذكريات، ومن حقّه أن يحلم، وأن يتعجّب من النّجوم السّامعة التي رحلت إلى سماوات أخرى وهو من النوارس التي أدمنت حب سماء الوطن وأرضه ودُعاشه وأهله.
ويعتذر الشّاعر مرّة أخرى
(وعفواً ، إذا حاصرتْنا الرّياحُ
تضيقُ البلادُ على رحْبِها
وعيناكِ ضوءُ المصابيحِ
في ظلمةِ اللّيل
هل تسمعين صهيلَ الخيولِ
على ضفّة النهر؟)
كيف لا تسمع والوطن مصلُوب على برزخ “القيامة” كأكبر كارثة إنسانية في العصر الحديث، ورغم ذلك يدعوها الشّاعر لتنام، ثقةً في المستقبل، فالحياة تتدفّق دائماً إلى أمام، ويدعوها أن لا تحفل بالأراجيف، لأن صفحات التّاريخ تُحدّثنا أنّ الطُغاة والبُغاة إلى زوال مهما طال بقاؤهم فوق أحلام الغلابة، وتبقى الأوطان والشُّعوب والحقيقة، لأن الحروب حالة طارئة في حياتها، و تبقى عيناها جوهرتين، تشعُّ كالمصابيح، وسيطوي الزّمان صفحات الظّلام الرّهيب، قبل أن يبزغ فجر الخلاص من بين ركام القهر وجداول المهانة والعذاب.
(نامي،
ولا تحفلي بالأراجيف!
يمضي الطغاة وتبقين!
يسكت طبل الحروب وتبقين!
لا تجزعي!
سيمضي الظلام المهولُ
ويطلعُ فجرْ !
ففي الزمنِ الزيْفِ
تبقين فوق المهانة والقهرْ !)
هكذا يقدح شاعرنا فضيلي جمّاع في دواخل الطيبين الأبرياء شُعلة الأمل، وهو الذي ظلّ على طول المدى منحازاً بالكلمة والموقف للغُبش والكادحين في كل كتاباته الشّعرية والنثرية، لم يغادر خنادقهم وإن رحل بجسده عن المكان، ولكنه ظلّ وفياً لمعارك الشّعب السُّوداني، ضد الظُّلم والاستبداد والقهر والفقر والمرض والجوع والحرب.
أحمد مختار البيت
