قراءة تاريخيّة معمقة حول معركة ايران وإسرائيل ٢٠٢٥ (١)

هذه القراءة التاريخية التي تمتد من نهاية الحرب العالمية الثانية وحتى حرب ايران واسرائيل التي بدئها الكيان تنفيذاً لاستراتيجية قديمة مستمرة منذ نهاية التسعينات لكسر مواقف ايران المعادية وعدم الاعتراف بها ومساندة وتشجيع محور المقاومة ضدها. هذه القراءة هي تفاعل مع قراءت طويلة ومستمرة طوال عقود ولكن أضيف لها نقاشات طويلة مع الذكاء الاصطناعي الذي يساعد بشكل كبير في إعطاء الخلفيات المعلوماتية واحياناً التحليلية.

بعد الحرب العالمية الثانية بنيت الاستراتيجية الأمريكية-البريطانية كجزء من احتواء الاتحاد السوفيتي، خصوصًا في جنوبه وجنوبه الغربي، وتطويق النفوذ الشيوعي في مناطق الشرق الأوسط وآسيا. فأنشأت ما اسمي “الحزام الشمالي” الذي ضمّ تركيا، إيران، وباكستان ليمثل هذا الحزام بتحالفات سياسية وعسكرية أبرزها حلف بغداد (CENTO)، ويُنظر إليه كامتداد للحرب الباردة في “الهلال الإسلامي” الذي أراد الغرب تشكيله ضد الشيوعية

بدأ الصراع بين الكتلتين الشرقية والغربية، وظهرت سياسة الاحتواء التي تبنتها الولايات المتحدة ضد الاتحاد السوفيتي. انضمت تركيا إلى حلف الناتو عام 1952، وكانت دولة حدودية مع الاتحاد السوفيتي. ومثلت قاعدة عسكرية متقدمة للحلف الغربي. وكان حكم الشاه محمد رضا بهلوي مواليًا للغرب وموقعًا استراتيجيًا لنقل النفط وكبح التوسع السوفيتي في الخليج. وتأسست باكستان حديثًا في 1947، وسعت لتحالفات قوية ضد الهند والاتحاد السوفيتي وانضمت إلى حلف السيتو (SEATO) وحلف بغداد لاحقًا. انشيء حلف بغداد (1955) بمشاركة العراق، تركيا، إيران، باكستان، وبريطانيا وكانت الولايات المتحدة تدعمه من الخارج دون الانضمام رسميًا. وتحوّل لاحقًا إلى CENTO بعد انسحاب العراق عقب ثورة 1958.

تناول الصحفي المصري الكبير محمد حسنين هيكل موضوع الحزام الشمالي في أكثر من مناسبة، خصوصًا في إطار تحليله لعلاقات مصر والعالم العربي بالغرب، ولفهم مواقف عبد الناصر تجاه الأحلاف العسكرية. وكانت أبرز مواقف هيكل رفض الهيمنة الغربية واعتبار أن الحزام الشمالي كان مشروعًا غربيًا بامتياز، يهدف لاستخدام الإسلام كأداة في الحرب الباردة، تحت شعار “الإسلام في مواجهة الشيوعية”. رأى أن هذه الأحلاف تُمثّل التفافًا على استقلال الشعوب. و أشار إلى أن عبد الناصر كان يرى في حلف بغداد محاولة لعزل مصر عن المنطقة، وتطويقها، وكان عبد الناصر ضد هذه الأحلاف، ووصفها بأنها “أحلاف استعمارية بوجه ديني”. هيكل انتقد ارتهان الشاه للغرب واعتبره جزءًا من الهيمنة الأمريكية واعتبر أن تركيا أدارت ظهرها للمنطقة العربية وتماهت مع مشروع الحلف الأطلسي على حساب دورها الإقليمي. وحذر من التوظيف الأمريكي للإسلام السياسي. وأشار هيكل في لقاءاته ومقالاته (خصوصًا بعد التسعينيات) إلى أن تلك المرحلة كانت تأسيسًا لاستخدام الإسلام السياسي أداة ضد الاتحاد السوفيتي، وهو ما سيبلغ ذروته لاحقًا في أفغانستان.

فشل حلف بغداد وحزامه في تحقيق أهدافه؛ إذ انسحبت العراق، ولم يُستخدم الحلف فعليًا في نزاعات كبرى. ولعب دورًا في تأزيم العلاقة بين العرب والغرب، خصوصًا بعد العدوان الثلاثي على مصر 1956، وعززت هذه السياسات تقارب مصر وعبد الناصر مع الاتحاد السوفيتي، وولادة سياسة عدم الانحياز لاحقًا.

بعد الثورة الإيرانية عام 1979، التي أطاحت بنظام الشاه محمد رضا بهلوي وأقامت الجمهورية الإسلامية بقيادة آية الله الخميني، حدثت تحولات كبيرة على المستويين الإقليمي والدولي. يمكن تقسيم آثار الثورة الإيرانية إلى أربعة مستويات رئيسية: داخلية، إقليمية، إسلامية، ودولية.

حدث تحول جذري في بنية الدولة من ملكية دستورية علمانية إلى جمهورية دينية ذات مرجعية “ولاية الفقيه” وتفكيك الأجهزة الأمنية التابعة للشاه وبناء الحرس الثوري كقوة موازية للجيش. تمت تصفية أو تهميش القوى اليسارية، الليبرالية، وحتى بعض الإسلاميين المخالفين لنهج ولاية الفقيه (مثل مجاهدي خلق) و فرض نمط صارم من الأسلمة السياسية والاجتماعية مما ادى للعزلة الاقتصادية والسياسية، قطع علاقات مع الولايات المتحدة والغرب، مما أدى إلى عقوبات اقتصادية لاحقة، بداية نمط من الاكتفاء الذاتي القسري، وإنشاء اقتصاد مقاومة لاحقًا واعتبار كل من يدعم النظام السابق أو يتعاون مع الغرب “عدوًا للثورة”، وشعار “الموت لأمريكا” أصبح مركزيًا.

على صعيد الآثار الإقليمية فقد انهارت موازين القوى التقليدية وانقلبت إيران من حليف قوي للغرب وإسرائيل، إلى خصم شرس. وكان هناك صعود نظام ثوري طائفي (شيعي) وسط أنظمة سنية محافظة أقلوية أو ملكية. هذه التغيرات ادت لاندلاع الحرب الإيرانية العراقية (1980–1988) لخشية نظام صدام حسين من تصدير الثورة، فبادر بالحرب بدعم خليجي وغربي. ورغم ان الحرب استنزفت إيران والعراق معًا، لكنها عززت شعور المظلومية الثورية في إيران. هذه التغييرات قادت لبداية تصدير الثورة وادّت فيما ادت لتأسيس حزب الله في لبنان (1982) وبدء دعم الحركات الإسلامية الشيعية في الخليج (البحرين، السعودية، الكويت) وبثّ خطاب معادٍ للغرب والأنظمة “الرجعية”.

كانت هناك اثار عميقة على الحركات الإسلامية من إلهامها وتقديم نموذج على أن “الإسلام السياسي” قادر على الاستيلاء على الحكم. ومن ضمنها جماعات سنية كالإخوان وحركات جهادية تأثرت، لكن مع اختلافات كبيرة في المنهج. لكن حدثت اثار سلبية ادت لانقسام الإسلاميين، حيث رأى التيار السني الجهادي أن “ولاية الفقيه” بدعة شيعية. في المقابل، بعض الحركات الإسلامية اعتبرت الثورة نموذجًا قابلًا للتكرار في مصر أو تونس أو المغرب. لكنها كانت نقطة تحول في العلاقة بين السنّة والشيعة وبدء تصاعد الخطاب الطائفي بالتوسع، خاصة بعد دخول إيران في صراعات المنطقة.

على المستوى الدولي فان تغيير موقع إيران الجيوسياسي من حليف أمريكي إلى قوة معادية للمصالح الغربية. وجاءت أزمة الرهائن في السفارة الأمريكية بطهران (1979–1981) ففجّرت العلاقات مع واشنطن. ادى هذا لصعود سياسة العقوبات إذ فرضت الولايات المتحدة أول حزمة عقوبات بعد الثورة، تبعتها عقوبات متواصلة طيلة العقود وتصاعد الاهتمام الأمريكي وخليجي باحتواء إيران مثل دعم العراق في حربه ضد إيران. ولاحقًا، تصاعد سباق التسلح الإقليمي. وتحوّلت إيران من حليف وثيق لإسرائيل (في عهد الشاه) إلى رأس الحربة في مقاومتها، وداعم رئيسي لحركات مثل حماس والجهاد الإسلامي.

رأي هيكل في الثورة الإيرانية أنها كانت زلزالًا في قلب النظام الإقليمي الذي أُقيم بعد الحرب العالمية الثانية واعتبر أنها شكلت نهاية “دور الشرطي الأمريكي في الخليج”. ومع انه كان حذرًا في الإشادة، لكنه اعتبرها تعبيرًا عن أزمة عميقة في التبعية للنظام العالمي ولاحقًا، انتقد الاستخدام الطائفي للثورة، واعتبر أن إيران “سقطت في فخ الطائفية”، ما أضرّ بمشروعها التحرري.

بعد نهاية الحرب السوفيتية في أفغانستان (1979–1989)، اختلف موقف تركيا وباكستان تجاه الوضع الإقليمي والأفغاني بشكل كبير، نتيجة لاختلاف أولوياتهما الجيوسياسية والدينية والأمنية.

تبلور موقف باكستان بعد حرب أفغانستان انها أصبحت اللاعب الإقليمي الرئيسي في دعم المجاهدين الأفغان. وتعاون جهاز الاستخبارات الباكستاني (ISI) بشكل وثيق مع CIA في تمويل وتدريب الفصائل الإسلامية، خصوصًا “حكمتيار” و”حقاني”. وبعد انسحاب السوفييت (1989) استمرت باكستان في التدخل بالشأن الأفغاني، وسعت إلى تشكيل نظام موالٍ لها في كابول. ودعمت جماعة طالبان بقوة منذ منتصف التسعينيات، واعتبرتها وسيلة لضمان “العمق الاستراتيجي”واعتبرت طالبان حليفًا سُنيًا قويًا، ومنظمًا، وبديلًا عن الفوضى التي سببتها الحرب بين فصائل المجاهدين. بعد 11 سبتمبر 2001 اضطرت باكستان لتغيير موقفها رسميًا بسبب الضغط الأمريكي، فأعلنت دعم الحرب على “الإرهاب” وقطعت العلاقات مع طالبان علنًا. لكن ظلت تتهم بإيواء بعض قادة طالبان، خصوصًا شبكة حقاني، مما سبّب توترًا مع أمريكا وأفغانستان لاحقًا. طوال العقود الثلاثة: باكستان سعت لإبقاء أفغانستان منطقة نفوذ لها، سواء عبر المجاهدين أو طالبان وتعاملت مع الحرب كفرصة استراتيجية ضد الهند، أكثر من كونها أزمة داخلية في أفغانستان.

موقف تركيا بعد حرب أفغانستان لم تشارك تركيا عسكريًا أو أمنيًا بشكل كبير، لكنها دعمت بعض الفصائل الإسلامية القومية (مثل عبد الرشيد دوستم – الأوزبكي) لأسباب إثنية. واستخدمت خطابًا تضامنيًا مع “الجهاد الإسلامي”، لكن بحذر وبعيدًا عن دعم التطرف. واهتمت تركيا أكثر بأفغانستان بعد تفكك الاتحاد السوفيتي (1991) بسبب صعود الجمهوريات التركية في آسيا الوسطى.
وحاولت توسيع نفوذها الثقافي والديني عبر برامج تعليمية ومؤسسات خيرية، خصوصًا في مناطق الأوزبك والتركمان. وبعد 2001 شاركت تركيا في قوات الناتو في أفغانستان، لكنها لعبت دورًا غير قتالي: تدريب الشرطة، دعم المؤسسات، وترميم البنية التحتية. وكانت تركيا مقبولة من معظم الأطراف الأفغانية، بسبب حيادها النسبي ولغتها المعتدلة.
وخلال انسحاب أمريكا (2021) حاولت تركيا البقاء في أفغانستان كمشغل لمطار كابول، حتى بعد استيلاء طالبان، لكنها لم تصل لاتفاق واضح معهم. ورأت في هذا فرصة لحضور دائم في آسيا الوسطى، لكن اصطدمت بتعقيدات طالبان ونفوذ باكستان وإيران.

تحدث هيكل عن الدور الباكستاني السلبي والخطير في أفغانستان، واعتبره أداة في يد أمريكا والمخابرات الغربية. ووصف طالبان بأنها نتاج الاستخبارات الباكستانية والأمريكية، ورأى أن باكستان ساهمت في خلق الوحش الذي لم تستطع لاحقًا السيطرة عليه. أما تركيا، فكان هيكل أكثر حيادية تجاه دورها، واعتبر أنها تتبع مصالحها بذكاء، لكنها لا تلعب أدوارًا تخريبية.

عن د. عمرو محمد عباس محجوب

د. عمرو محمد عباس محجوب

شاهد أيضاً

جورج سوروس: من المضاربات المالية إلى تمويل الديمقراطية في العالم (١-٢)

د.عمرو محمد عباس محجوب سأتناول موضوع جورج سوروس وتأثيره لأنه كثيرًا ما يُخلط فيه التحليل …