تناقشت طويلا مع الشات جي بي تي حول كيف يمكن تجميع كل المؤشرات التي رأيناها في تطور الأحداث في عدوان اسرائيل الممتد في عدة دول وكيف تؤثر على مستقبل الكيان الصهيوني. تمت الاستعانة ايضاً ببرنامج بانوراما على اليوتيوب تقديم الأستاذ ناصر قنديل بعنوان نتنياهو وغزة يوم ١١ اغسطس ٢٠٢٥
إجمالًا، مؤشرات مثل حرب طويلة في غزة، تهديد أو اشتباك متصاعد مع حزب الله، تآكل الإجماع الداخلي، احتجاجات وإضرابات واسعة، وتراجع الدعم الدولي التقليدي — كلها عوامل تترابط وتفسّر معاً كيف يتغير مستقبل إسرائيل. التحليل ينقسم إلى محاور ثم سيناريوهات مستقبلية قصيرة.
1) البُعد العسكري والأمني: حرب طويلة في غزة تستنزف موارد الجيش والاقتصاد، وتعرّي حدود القوة: العمليات البرية الكبرى تؤدي غالبًا إلى خسائر بشرية ومادية، وتزيد الحساسية الداخلية وتقلّل مقبولية الاستمرار بلا نهاية واضحة. تهديد حزب الله على الحدود الشمالية يخلق جبهة ثانية: حتى إن لم يحدث اشتباك شامل، قدرة حزب الله على تعطيل حركة الشمال وإطلاق صواريخ تعاظم من كلفة الأمن القومي. تزامن جبهتين يجعل من الصعب لإسرائيل إدارة حرب مركّزة دون تحوّل إلى حالة شبه شاملة. تصريحات قيادات عسكرية (كـ “رئيس هيئة الأركان”) التي تعبّر عن تشخيص نقدي أو تحذيرات جدّية تشير إلى توتر داخل المؤسسة العسكرية تجاه قدرة الدولة على تحقيق أهدافها أو استدامة أعباء الحرب — وهذا عامل يضعف مناعة الدولة في أزمات مطوَّلة.
2) البُعد السياسي والداخلي: تفكّك الموقف الداخلي: انقسامات حادة بين مؤيدي الخيار العسكري ومناهضيه، بين اليمين المتطرف والوسط/اليسار، وبين المؤسسة السياسية والمؤسسات الأمنية، تُضعف القدرة على صنع قرار طويل الأمد وتخلخل الثقة في قيادة الدولة. الاحتجاجات والإضرابات والتهديد بالشلل الاقتصادي: إذا امتدّت وتحوّلت إلى تعطيل خدمات أساسية (نقل، صحّة، بنوك، قطاعات تقنية)، فذلك يضغط اقتصادياً ويشجّع منسوب المقاومة المدنية ضد القيادة. الإضراب العام يمكن أن يغيّر ميزان القوة الداخلي أكثر من المعارك العسكرية بحد ذاتها.
3) البُعد الاقتصادي والاجتماعي: تكلفة الحروب الطويلة كبيرة: ميزانية الدفاع، التحويلات للمواطنين المتضرّرين، إعادة الإعمار، وهروب رؤوس الأموال. كلما تفاقم الأمر، نرى هجرة مهارات/رأس مال وتأثير على الابتكار والاقتصاد. شرخ اجتماعي: فقدان ثقة بين مجتمعات مختلفة (يهود/عرب داخل إسرائيل، شرائح دينية/علمانية) يزيد الاحتقان الاجتماعي ويضعف اللحمة الوطنية.
4) البُعد الدولي والدبلوماسي: تضاؤل الدعم الغربي التقليدي أو تباينه: مواقف برلمانات أوروبية أو أحزاب يسارية/ليبرالية قد تضغط سياسياً (قرارات برلمانية رمزية، قيود تسليحية، حظر على التجارة العسكرية، دعم لحقوق الإنسان)، بينما دول أخرى قد تستمر في الدعم المادي أو السياسي لإسرائيل.
الموقف الألماني حقيقي الأثر: ألمانيا لاعب صناعي-عسكري مهم لعلاقات أوروبا–إسرائيل. نقاش ألمانـي حول التسلح أو القيود ينعكس فوراً على قدرة إسرائيل التقنية والعسكرية على المدى المتوسط. وسوف نتناوله في مقال آخر.
مواقف شخصيات مثل جيرمي كوربين وأحزاب يسارية (أو تيارات يسارية جديدة): يمكن أن تعطي زخماً سياسياً ومعنوياً لحركات التضامن والضغط داخل أوروبا خصوصاً حين تكون مرتبطة بحركات حقوقية منسقة.
5) البُعد الإقليمي — إيران وحلفاؤها: فشل إسقاط إيران أو فشل محاولة احتواءها يترك طيفاً من التحالفات الإقليمية المتغيرة — دعم حركيّ أو تسليح أو “حرب بالوكالة” (من الحوثيين إلى فصائل أخرى) يقيّد هامش المناورة الإسرائيلية. إن لم تتمكن إسرائيل من تعطيل البُنى الإقليمية المعادية أو منع تسلح القوى الإقليمية، فذلك يزيد من كلفة الاستمرار في سياسة عسكرية أحادية ويعزّز منطق البحث عن حلول سياسية طويلة الأجل.
6) دور اليهود الناقدين للصهيونية ومنظرين معارضين : وجود أصوات يهودية نقدية (مثلاً مفكرون، صحافيون، منظمات يهودية ضد الاستيطان أو ضد سياسات الدولة) يضيف شرعية أخلاقية وحركية لحملة التضامن الدولية ويدفع الرأي العام العالمي لتبني مواقف أكثر انتقاداً لسياسات إسرائيل. هذه الأصوات لا تشكّل بالضرورة تحوّلًا سياسيًا داخليًا سريعًا، لكنها تُسهِم في تغيّر الخطاب الدولي وتقلّل الغطاء الأخلاقي لسياسات الاحتلال أو العنف المفرط.
7) مؤشرات على تغيير طبيعة الدولة (مفاهيمياً) الترابط بين العوامل أعلاه يمكن أن يؤدي إلى واحد أو أكثر من النتائج التالية (نذكرها كـ سيناريوهات ملموسة):
سيناريو أ — الصمود والتحوّل الأمني/السلطوي: القيادة تقوّي أدواتها الأمنية، تفرض قوانين طوارئ، تكبح الاحتجاجات وتستعيد السيطرة. النصر العسكري الجزئي يعيد بناء الشرعية لكن بتكلفة ديمقراطية (تراجع الحريات، تقوية جهاز الأمن). الدولة تبقى يهودية وسيادية لكنها أكثر سلطوية.
سيناريو ب — الاستنزاف والضمور التدريجي (التفكيك التدريجي): حرب ممتدة، تآكل اقتصادي، هجرة رؤوس الأموال، فقدان تأييد دولي تدريجي، ثم تراجع القدرة على حكم مناطق متعددة. هنا نتحدّث عن ضعف مؤسّسي طويل الأمد يمكن أن يؤدي إلى تآكل قدرات الدولة أو تحويلها إلى كيانات محلية أكثر اعتماداً على الدعم الخارجي أو التحالفات.
سيناريو ج — تحول سياسي/دستوري جذري: الهزائم المتكررة أو الضغط الدولي المحلي تُجبر على حل سياسي — قد يتجسّد في دولة ثنائية المواطنة أو ترتيبات فيدرالية/كونفدرالية أو عملية سياسية مع الفلسطينيين تُعاد صياغتها. هذا أقل احتمالا في المدى القصير لأنّ التحوّل يتطلب توافقاً داخليًا ومعارضة راكزة.
سيناريو د — تصعيد إقليمي شامل: حرب إقليمية تمتد بمشاركة متعددة، تُحوّل الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهة أكبر. هذا قد يعرّض إسرائيل لأخطار وجودية قصيرة الأمد ويخلق مشهداً دوليًا مختلفًا كليًا.
خلاصة استنتاجية: تزايد الانقسام الداخلي واحتدام المعارضة المدنية يقوّضان الشرعية الداخلية على المدى المتوسط إن استمرّت الحرب دون نتائج واضحة. الدعم الدولي المتذبذب — وخاصة من دول أوروبية مؤثرة — سيضغط على خيارات التسليح والسياسات، مما قد يدفع إسرائيل نحو خيارات أكثر عزلة أو إلى إعادة تقييم سياسة الاحتلال والتسوية. وجود أصوات يهودية نقدية يُسرّع من تغير الخطاب الدولي ويمنح حركة التضامن شرعية أرحب، لكنه وحده لن يغيّر بنية الدولة إن لم يقترن بتحوّل سياسي داخلي أو صدمة استراتيجية. عدم القدرة على هزيمة خصوم إقليميين أو على منع تهديد متزامن من الشمال والجنوب سيزيد من احتمالات حلّين: إما تحوّل سلطوي داخلي أو قبول مفاوضات/تهميش للنموذج الراهن للاستيطان والسيطرة.
في النهاية، مستقبل إسرائيل سيُحدَّد بتوازن بين قدرة الدولة على استعادة الأمن بهامش مقبول داخليًا، ودرجة تحمّل المجتمع المحلي والدولي لاستمرار سياساتها الحالية. كل ما طال النزاع وزاد من الأثر الاقتصادي والاجتماعي زاد احتمال تحول جذري (سواء في شكل مزيد من الاستبداد أو في شكل بحث عن تسوية مختلفة).
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم