كانت ابرز توصيات لجنة بيكر – هاملتون ٢٠٠٦ والتي أوصت بعد فشل حروب الشرق الأوسط، اي فشل القوة في تنظيمها. اعترفت اللجنة بوجود تغيرات جوهرية في المنطقة وهناك قوى صاعد لايجب تجاهلها ودعا بالتعامل بواقعية والانفتاح
تم رفض توصيات لجنة بيكر- هاملتون من المحافظين الجدد واللوبي الصهيوني وبرزنيسكي وكيسنجر وبايدن ومادلين اولبرايت وبرز مزاج عام في الناتو في اعتبار هذه التوصيات إقرار بالهزيمة وضرورة البحث عن بدائل. تم الاتفاق على البحث عن البدائل بتنظيم سلسلة لقاءات ومشاورات ودراسات للوصول لمؤتمر فرانكفورت الذي عقد في عام ٢٠١٠م. ضمن هذا الإطار، برز مفكران غربيان ساهما بعمق في إعادة صياغة الشرق الأوسط: برنارد لويس، الاستشراقي المحافظ الذي قدّم أطروحة “الانهيار الذاتي للشرق”، وهنري كيسنجر، مهندس السياسة الواقعية، الذي رأى أن الصراعات لا تُحل بل تُدار.
يُعدّ برنارد لويس أحد أكثر المستشرقين تأثيرًا في تشكيل الرؤية الغربية تجاه الشرق الأوسط، ليس فقط كمؤرخ أكاديمي، بل كمنظّر سياسي ساهمت أطروحاته في صياغة السياسات الأمريكية بعد 11 سبتمبر، خاصة في ظل صعود المحافظين الجدد. شكّلت نظرته إلى “عجز العالم الإسلامي عن مواكبة الحداثة” وانهيار الدول العربية أطروحةً محوريةً في مفهوم “الفوضى الخلّاقة” وإعادة تشكيل المنطقة.
اشتهر بكونه من رواد المدرسة الاستشراقية ذات الطابع المحافظ، والتي ترى في الإسلام عائقًا أمام التحديث، وفي الثقافة الإسلامية بنية ساكنة لا تتغير إلا بالقوة أو التدخل الخارجي. وعرف برنارد لويس بمواقفه الداعمة للغرب وإسرائيل، وعارض بشدة أطروحات إدوارد سعيد في كتابه الاستشراق، معتبرًا أن النقد الموجه للاستشراق “مشروع أيديولوجي يساري” هدفه تبرير الفشل العربي والإسلامي. قدّم لويس تصورًا للشرق الأوسط باعتباره “مجموعة دول اصطناعية”، نشأت بعد تفكك الإمبراطورية العثمانية، عبر اتفاقيات استعمارية مثل سايكس – بيكو، وتضم قوميات وأديان ومذاهب متناحرة. ووفق هذا المنظور، فإن هذه الكيانات “مرشحة بطبيعتها للانقسام والانهيار” متى ما أزيحت الأنظمة القمعية التي تبقيها موحدة بالقوة.
شكلت مقولات برنارد لويس الخلفية الفكرية لمفهوم “الفوضى الخلاقة” (Creative Chaos) الذي تبنّته إدارة الرئيس الأمريكي جورج بوش الابن، ونشرته شخصيات مثل كوندوليزا رايس. كان لويس من أبرز المؤيدين لغزو العراق عام 2003، بل قدم نفسه مستشارًا غير رسمي للبنتاغون ونائب الرئيس ديك تشيني. وبحسب العديد من التحليلات، فإن تصور لويس بأن إسقاط الأنظمة الاستبدادية سيقود إلى “انبعاث طبيعي للديمقراطية” في الشرق الأوسط، كان من الركائز التي بنى عليها المحافظون الجدد مشروع “الشرق الأوسط الكبير”.
تتأسس رؤية برنارد لويس على خمسة ركائز فكرية: الانحدار الإسلامي منذ القرون الوسطى: يرى لويس أن المسلمين لم يعودوا قادرين على الإبداع منذ القرن الحادي عشر; العداء الغريزي للغرب: يفسر الصراعات بين العالم الإسلامي والغرب كنتاج لكراهية تاريخية; الاستبداد كنتاج للثقافة، لا للسياسة: بخلاف من يربط الاستبداد بالاستعمار أو النفط أو النخب، يرى لويس أن “الاستبداد مغروس في ثقافة المسلمين”; فشل الحداثة الإسلامية: يشكك في إمكانية بناء نظم ديمقراطية في بيئة دينية محافظة; وإسرائيل كدولة حديثة مقابل كيانات متخلفة: يدافع عن إسرائيل كنموذج للتحديث مقابل الأنظمة العربية.
تعرضت أطروحات برنارد لويس لنقد واسع من باحثين عرب وغربيين على السواء، أبرزها ما يلي: التجاهل المتعمد للتدخلات الغربية؛ لويس يُحمّل الثقافة الإسلامية مسؤولية التخلف، متجاهلًا قرونًا من الاستعمار، ونهب الموارد، ورعاية أنظمة ديكتاتورية من قِبل الغرب؛ يتعامل مع الإسلام كمكون واحد ساكن، دون تمييز بين مدارسه الفقهية وتياراته الإصلاحية وتجارب التحديث الداخلية.
حدث فشل عملي لتطبيق أفكاره: تفكيك العراق أدى إلى حرب أهلية، وصعود تنظيمات إرهابية، وليس إلى ديمقراطية. وبدلًا من الاستقرار، ولّدت الفوضى مزيدًا من الانهيارات الإقليمية.
من أبرز مواقف لويس دعمه غير المشروط لإسرائيل، وتصويره لصراعها مع العرب كصراع “حداثة في مواجهة بربرية”. ويظهر ذلك في دفاعه المتكرر عن “الحق اليهودي في الأرض”، ودعوته إلى “إعادة تشكيل المنطقة لصالح الاستقرار الذي تمثله إسرائيل”.
لم تكن أطروحة برنارد لويس مجرد اجتهاد أكاديمي، بل مشروعًا استراتيجيًا عمل على تهيئة الرأي العام وصناع القرار في الغرب لتقبل تدخلات خارجية تحت شعار “إصلاح الشرق الأوسط”. إلا أن ما نتج عن تطبيق أفكاره كان على العكس تمامًا: تفكيك الدول، تصاعد النزاعات، وتدهور الاستقرار. وفي النهاية، تُظهر تجربة لويس أن الفكر، حين يتماهى مع القوة، يمكن أن يصبح أداة للهدم بدلًا من البناء.
الهوامش والمراجع
[^1]: Hourani, Albert. A History of the Arab Peoples. Harvard University Press, 1991.
[^2]: Said, Edward. Orientalism. Vintage Books, 1978.
[^3]: Lewis, Bernard. The Roots of Muslim Rage. The Atlantic Monthly, September 1990.
[^4]: Dreyfuss, Robert. Devil’s Game: How the United States Helped Unleash Fundamentalist Islam. Owl Books, 2005.
[^5]: Mann, Michael. Incoherent Empire. Verso, 2003.
[^6]: Lockman, Zachary. Contending Visions of the Middle East: The History and Politics of Orientalism. Cambridge University Press, 2004.
[^7]: Khalidi, Rashid. Resurrecting Empire: Western Footprints and America’s Perilous Path in the Middle East. Beacon Press, 2004.
[^8]: Cockburn, Patrick. The Rise of Islamic State: ISIS and the New Sunni Revolution. Verso, 2015.
[^9]: Shlaim, Avi. The Iron Wall: Israel and the Arab World. W.W. Norton & Company, 2000.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم