قراءة في رواية المُنظرون

رواية المُنظرون للكاتب أباذر آدم الطيب، الرواية تقع، في ١٠٢ صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار زهرات البدر للطباعة والنشر والتوزيع ٢٠٢٥.
يستهل الكاتب النص بمقولة لدوستويفسكي ( لا شئ أسوأ من مسن وضع أحلامه على عاتق ابنه،،، فوجد نفسه في دار العجزة) ينفرج الباب فاتحًا ذراعيه عن متن الرواية متمثلًا في (الخوف) من الهرم وما يصاحبه من مرض داعيًا إلى (البر بالوالدين). أو في رمزية أخرى (الغربة) حيث يمثل الأب الوطن.
(لارين لارين … ماذا هناك؟… من هناك؟ أين هذا المكان؟… هونك يا يعقوب الأبيض هونك يا صديقي القديم أنا معك، أمين ألم تذهب أم عُدت مرة أخرى؟ وأنا معك، إقبال؟ وأنا معك، الشريف راضي؟ يا للحسرة أين أم البنات السبع إذن؟ أنا هنا يعقوب الأبيض بطرحتي التي تجر معي الأرض كما أجر المكنسة. معنى هذا أن خيالي أو حلمي حقيقة ماثلة أين نحن الآن؟ الجميع بصوت واحد وبكل حرية (دار المدينة للمسنين). ص ٩٤&٩٥).
على جبل البركل وضفاف نهر التميز تتكئ مدينة العالم الفضاء المكاني للرواية، هناك تهفو نفس يعقوب الأبيض مؤسس المدينة يجتر ذكرياته بعد أن أقعدته الدوالي وغاب بصرة فصار وحيدًا بين أبنائه الخمسة، يناجي حبيبته ياسمين راوياً حينًا وباكيًا في مواضع أخرى، (عزيزتي هل تذكرين عندما التقيتُ بك أول مرة؟ كنتِ تلك الفتاة البضة ناضرة الوجه، خطفتِ قلبي من أول ما تقابلت عيناي وعيناك حتى الآن أتذكر ملابسك المطرزة بالنجوم اللامعة و جدائل شعرك المنسدل والودعات البيضاء حول عنقك واذكر نظرات الخجل وتلك الابتسامة المتوارية كدت أطير يومها من حالة الوجد التي أصابتني دون أن تتركني أفكر هل هذا صواب أم خطأ … ص ٣٨&٣٩) يتحسر يعقوب الأبيض على ماضيه ويداري اوجاعه بفم ترطبه إبتسامة يخلي بين ثناياها ما ألم به من مصاب جلل من هجر الأبناء والزوجة، بيدّ أن الكاتب لم يعرض مقام الزوجة ومكانها!، وكان يعقوب الأبيض زاهدًا، يحكي لجليسته لارين عن ذكرياته، ويسرد تاريخ مدينة العالم ومآلاتها.
يتوالى السرد بحكايا يعقوب عن أبنائه وأصدقائه إقبال ويونس والرضي وأمين، عن حكايا البحر والسفر يتأبط ثنايا الوقت مع لارين ليقول عن السفر(الجميلة لارين ماذا تعرفين عن السفر؟ السفر يا بابا يعقوب يجعل الإنسان قاسي القلب ويزيد من ألمه،،،، اعتقد أنكِ لا تعرفين شيئًا عن السفر يا جميلتي، السفر طريق فسيح، الناظر إليه ليس كمن سلكه الناظر إليه ليس كمن تعمق في متعة السير فيه، السفر يا لارين وحشة مؤنسة وبعد يقرب ولطف يزيد القلوب ارتباطًا، متى ما استطعت ص ٤٠&٤١)، يحاول يعقوب الأبيض حث لارين على عيش تلك الحياة كما أرادها لابنته نازك التي منعها الزواج عن الاعتناء به فغابت عن المشهد ليحل طيفها تفاصيل مناجاة السرد.
يقول يعقوب الأبيض عن الحرية (الحرية ما لا ترضاه لنفسك لا ترضاه لغيرك؛ وأفعل ما تحبه لِيُحِبك ما تفعله، والتزم الصمت حين يكون الصمت واجبًا وتكلم عندما يكون ما تقوله مفيدًا وإلا فلا ص٤٧) أحوال المناجاة التي جمعت بين يعقوب ولارين تزينت معظمها بحكم متواترة، خبرة حياتية يبثها بين جنبات ماضي مضئ ومستقبل مظلم باهت يخاف عاقبته خوفًا من أحلام مؤجلة مع حبيبته ياسمين ورأفة وارفة يستظل بها أبنائه في عوالمهم الثرية بهم الفقيرة به.
(الأحلام عندما تكبر لا نستطيع السيطرة عليها لكنها تبقى أحلامًا فقط ما لم نبدأ في تنفيذها وربما تذبل بلا أي مجهود وتتبخر مثل ماء مسكوب… السلطة تجعل الأشخاص يصدقون أكاذيبهم … تغرهم غشاوة السلطة الكاذبة.ص٨٢)، واصفًا يعقوب الأحلام في إحدى جلساته مع لارين، مُتتبعًا بذلك إبنه إقبال عندما صار حاكمًا على مدينة أحلامه (مدينة العالم) فتغير وجه مدينته فأضحت بائسة فقدت أبنائها وروحها!
يحكي يعقوب قائلًا (احساسي لا يكذب مثلي مثل جميع الآباء والأمهات، نقلق عند أدنى شعور بأن أطفالنا ليسوا بخير أو يصيبهم بعض المصاب نحن مجبولون على هذا الإحساس، قلوبنا أكثر هشاشة لا تحتمل ما تحتمله قلوبهم تجاهنا… ص ٦٩ ) هنا وعلى عتبات تلك الأدمع تقف كلمات لارين حيرى بين ما يقتضي واجبها من ضرورة الإفصاح عن حقيقة عزم أبناء يعقوب بناء دار المدينة للمسنين وما يربط على ضميرها من هذيان واقع تصارع من أجل البقاء مع صديق جدها، حكمتها في الحياة!
ملاحظات:

  • غياب خيط الحدث الدائر، فالرواية تستند على ذاكرة يعقوب وحوارات مع لارين.
  • الحوارات تتوسط النص، كان من الأجدى فصلها حتى لا يلتبس على القارئ الفصل بين شخوصها.
  • تعدد شخوص الرواية يتناسب عكسياً مع دورهم.
  • لغة النص تتواتر بين البساطة والشاعرية شعر يعقوب نموذجاً.
  • الرواية في ١٠٢صفحة فقط، على الرغم من أن الكاتب أنشأ فضاء زماني ومكاني مفصلاً عليها!
  • تتمثّل الرمزية في النص في الغربة، بما تحمله من معانٍ تتعلق بترك الوطن (الأب)، وحاجته إلى البناء والتعمير على يد أبنائه، وهي رمزية تُبرز نفس الكاتب ببراعة.
  • توظيف السفر بحرًا مع ذكر البلدان المختلفة، أضفى بُعدًا جغرافيًا واضحًا على النص، عكس تصورًا حيًا للمكان.
    ختاما:
    الرواية واعدة في مكنونها، تستشعر حياة الآباء وأحلامهم (تدعو إلى البر بالوالدين) بلسان صادق ومناجاة أقرب ما تكون بكاء القماري، غير أنها وإن قصرت صفحاتها طال انينها، وإن علا نحيبها صمت شخوصها! فبات صوت يعقوب هو السائد ليجتمع مصيره مع أصدقائه المُنظرون (مُنظرون نحن. مُنظر أنا. لا أرتدي جلباباً. خصص للملوك، حُر أنا. مفيد اليدين والسلوك. مهدد الآن بالرحيل. مهدد في معبدي الجميل. حكايتي طويلة. لم أكتبها محفوظة. لا يستطيع كائن أن يمحوها. في مدينتي أو نهارنا النبيل ص٩١).
    د. إيمان المازري
  • خيط النور
  • sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …