خيط النور
١٧٥ صفحة من القطع المتوسطة
(أنا الذي إنحصدت عشيرته بسلاح النار، وسقط صرعاها في الصحراء دون أن يضمد جراحهم أحد، أو ياسوهم بجرعة ماء. أنا الذي دفن ملكة وإضاعة غزالة وماتت له شمس وقمر.. هجرني زعيم فرنساني وكشف أجنحتي لهجمات الزمان. ذهب عنيٌ وريث مملكتي لصالح أعدائي وينام مع المرأة التي كادت أن تكون ليٌ.. وأنا أفقر الناس إليك أيها المنتظر، فتعال أيها الجميل.. تعال من صلبي أو من أصحاب ذريتي. أخرج من هذه النطف التي يوزعها عثمان في كل رحم ينفتح له.. من نطفي القديمة التي نسيتها عند الجواري والزوجات المطلقات.. من هواء هذا الوادي وشمسة تخلق وتعال. إليٌ إليٌ .. أيها المنتظر قبل أن تخمد نار القلب، وينطفئ المصباح). ص ١٤٦.جاءت هذه التراتبية في خواتيم أقوال الملك الأرباب بن الارباب تُلخص حياة الملك بكل طوفانها علواً وهبوطاً في تجلي وقد بدأ الهرم يغزو جسده وجسد مملكته في وادي عشيب. غير أني تمنيتُ أن تزين تلك المناجاة صدر المكتوب!
_ يستهل الكاتب روايته بإنهيار عالمة عندما دخل الغزاة ديار العنابسة آملين في مأكل ومشرب لهم ولدوابهم؛ في رحلتهم المزعومة إلى مملكة سلاطين الزرق، فقابلهم العنابسة بالذبائح مصدقين غير مشككين في مآربهم ولكن؛ تلكم الأحلام باتت صرعى أمام سيل طمع الغزاة ورعونتهم، فعاثوا فساداً مطالبين بما ليس لهم فيه حق، واستوطنوا وفعلوا الأفاعيل إلى أن ينفرج (النص) عن العقدة ويقتل الأرباب ابن ملك الغزاة فيكون الانتقام هو المحرك الرئيس الذي يقود خطوط التقاطع بين الجارية (وردة) والملك الأرباب!
_ يتقاطع النص براوي متكلم يتمثل في الملك والجارية. وكل منهم يحكي رحلته في الحياة من لحظة ابصاره لضوء الشمس إلى نجوى حبهم المحرم.
لغة النص شاعرية أقرب إلى النثر الغنائي وحتى وإن تلظظت بنيران الدولة والحرب والموت لكنها تشهق في كل تفصيلة بعينا شاعر رومانسي. قالت الجارية(كيف لا أفعل ما فعلت؟ كيف لا آخذ طفلتي بيد واخذك أحضاني بالاخرى، واغمرك بأثدائي المليئة باللبن؟ كيف كان ممكناً أن أمنع نفسي من تقبيل رأسك ووجهك وعنقك وفمك وقدميك، يا سعادة الأيام، يا وجه الفأل، يا صبوة العمر الأخيرة…. هناك أمام عيني طفلتي، وتحت اذني صديقة الفرنساوي الضرير، شفيتُ نفسي من لوعة الحب وعذابة، وصحوت من نشوة البوح امرأة جديدة. فقد تحولتُ في ذلك القفر البعيد لامرأة حرة لها طفلة جميلة وجيوب مليئة بالذهب. ولكن المرأة الحرة التي خرجت من خيبات حياتي، وُلدت مكبلة بحب ملك جليل! ) ص ١٦٧.
المقتطف أعلاه يمثل حباً محرم شفيف تشئ به شهقات مكتومة واعترافات في آخر العمر.
_ تضج الرواية بحِكم بين حوارات الملك مع صديقة الفرنساوي والعقيد برغم قلة تلكم الحوارات إلا أن النص ركن إلى تلمذة واقع الصراع بين البقاء والهرب بين الدفاع عن الأرض والانتقام الحلو الذي تبنتة (نائلة) زوج الملك في أوائل عمره وأماً في آخره. وبدأ ذلك حين يبعثر الكاتب ماهية العلاقة الوطيدة الشغوفة بين الملك وزوجته نائلة ابنة الملك دياب سليلة الحسب والنسب وكيف تحولت من زوجة إلى أم لكل عشيرة العنابسة حتى تعتلي درجات الصلاح في مماتها وكرامتها بعد دفنها ومن ثم مطاردة طيفها للملك تحثة على الانتقام!
مقتطف(حين أخذت إمرأة حياتي لتموت في وادي عشيب سابقت إليها طارق الموت… أخذتها إلى البرية واطعمتها ذرة فريكا وفواكه برية لها طعم الطفولة المنهوبة. وتركتها تملأ رئتيها من عبير اللوبيا المزهرة. وقطفت لها اوراق الأراك لتطيب رائحة الفم. وفي النهر جدفت بها حول المنحنى، وغرفت لها براحتي من الماء الرائق النظيف الذي يوجد في أعالي النهر والتي نسميها صدر البحر. وفي الجزيرة الكبيرة نزهتها على الرمل المغسول الف مرة بأيدي الموجات، وافزعت لها أسراب الكراكي والطيور المغردة. وقدتها إلى داخل تعريشة من أشجار السدر تظللها النباتات المنسقة، وهناك قبلتها من فمها كالاولاد المراهقين، وقلت لها: اسمني قليلا لنا عليكِ بعض الحقوق. فخجلت وقالت: بعد كل هذا الشيب يا أرباب). ص٨٢. بهذه اللمحة ودع الملك زوجة. وبهذا الغزل العفيف مسح على أخيلتنا الكاتب من استخدام مفردات بهية دسها بين الفقرات فبدت معطونة بماء الورد والحب.
_ ونعلو مع النص ونصعد تارة أخرى بقدوم نور الشام الشقيقة الصغرى للملكة نائلة التي تاهت في بداية الرواية ثم بانت في خواتيمها وسرقة لحظات الوله والحب بين ابن الملك عمارة ورأسها الأشيب قالت عنها الجارية (غرزت عينيها في عينيه، وقالت إنها تريد أن تريه شيئا. وبغضبها الهادئ رفعت ذراعيها إلى رأسها وعبثت برباط شعرها فانحلت عقدته وانهالت على وجهها هالة من الشعر الناصع البياض)ص ١٣٠
_ يبدأ المرض يداهم مجالس النبيذ اليومية بين الملك و الفرنساوي وياقوت إلى أن يتناول الفرنساوي وياقوت نبيذاً مسموماً وبذلك يودع ياقوت دار عشيب ويفقد الفرنساوي بصره فيتوكأ على عصاه حتى ختام الرواية.
_ العقيد صديق الملك الأوحد الذي فارقه حين ضجت بخاصرته الحروب فآسر البعد لكنه عاد هرما مريضا وهو الذي يقترب في العمر من الملك وعندما سأله الملك من فعل بك هذه الأفاعيل قال (الزمان والبول الحلو)ص٩٩.
_ آخر العنابسة (المنتظر) هو ما يرمز له النص عن فكرة الخلاص والمخلص، فلم يتوانى الملك عن البحث والانتظار مرورا بأبنائه وابنتة قمر من زوجة انيسا الحبشية وحبها المحرم لعمها عرمان ومن ثم الموت والفراق، لم يأكل اليأس من الملك فحث عثمان وعمارة ابنائة بكثرة الزواج، غير أن المنتظر مات بين عمارة ونور الشام وتفرق السامر بينهما.
_ متن النص الجارية وردة التي شهدت صراعات الحكم الاستانبولي و الفرنساوي ثم الحجاز واليمن والشام إلى أن وصلها الرق وباتت في أعالي النهر مع زوجها يعقوب الى خواتيم النص.
ملاحظات:
_ يخلو النص من التكرار.
_ قلة الحوارات.
_ وصف البادية بلغة شاعرية.
_ تنوع الحياة الاجتماعية في الفضاء المكاني بين العشائر المختلفة الاطياب نموذجاً.
_ الإشارة إلى الحب المحرم في قمر وعرمان نموذجاً.
_ الترتيب الزمني للنص يأتي متسلسلا ولكنه في أحيان يقفز فوق عتبة الحوارات الشحيحة فيبدو كمناجاة أقوال الجارية نموذجاً.
_ الاشارة إلى التسامح الديني وتقبل الآخر الفرنساوي نموذجاً.
_ العتبة الأولى للنص للشاعر التجاني حاج موسى تفتح نافذة الرواية بذكاء.
_ وردة وجمالها ودقة التوصيف تبين رومانسية الكاتب ولغتة الرفيعة
ختاما:
وودتُ لو أن النص ينقسم إلى فصول وأبواب بعتبات افتتاحية، مع الإسهاب القليل في حوارات الأرباب بين مريديه وأصدقائه، وكان إن لزم الأمر بدلا عن قالت الجارية استخدام اسمها (وردة).
رحم الله الشاعر محمد المكي إبراهيم وطيب ذكراه.
د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم