قراءة في رواية هٓلاوِسُ الجٓدٌٓةِ “سيمفونية الجدة والابنة والحفيدة”

خيط النور
رواية هلاوس الجدة للكاتبة نجاة إدريس إسماعيل، الرواية تقع، في ٣٠٤ صفحة من القطع المتوسط، وصدرت عن دار زهرات البدر للطباعة والنشر والتوزيع ٢٠٢٥.
ثمانون عامًا:
بين رُحى الغيبوبة والوعي، في قعر شمبات، جوار النهر العجوز، عاشت الجدة سعيدة بين ابنتها وحفيدتها. سكنت جسدها الهزيل روحٌ أنهكتها الذاكرة، فصارت الأيام تتشابك فيها كخيوطٍ ممزقة؛ يومٌ يشبه الأمس، وغدٌ لا يُرجى فيه جديد. في بيتٍ تفوح منه رائحة الصبر، كانت الجدة تُعيد ترتيب حكاياتها، تُلقّنها للحفيدة كأنها تعاويذ ضد النسيان، تمضغها الابنة بين تنهيدةٍ وأخرى. فالوجع القديم لم يزل طازجًا في صوتها، والخذلان يتسلل من بين تجاعيد وجهها، لكنها تبتسم حين تتذكر “علي” الأخ الذي فارقها باكرًا. حياتها سيرةٌ تتداخل فيها الحروب الصغيرة، من طقوس البنات، وصبر الأمهات، إلى نبوءات النساء.
ثمانون عامًا وهي تزرع الصبر على حواف الغياب، وتستجدي الحنين من النهر العجوز، فتبدأ حكايتها من حيث تنتهي، مقتطف (أغمضتُ عيني… رأيتُ صورًا كثيرة في صفحة السماء… رأيتُ خلقًا كثيرًا… رأيتُ أبناء مدارس في ملابسهم المضمخة بالدم… رأيتُ ضباطًا وعساكر في زيهم الحربي…كنت أشم رائحة المسك تخرج من دمائهم!… مكانك ليس معنا سآخذك إلى مجموعة المفقودين…٢٩١&٢٩٢).
وهنا، على عتبات الفراق،بين ماضٍ قاسٍ وحاضرٍ يواجه تبِعات الاكتئاب، تاهت أحلام “أمّ الكل” الحاجة سعيدة، ما زالت تنقّب بين الركام عن أفراحها المندثرة، وتُناجي أتراحها في صمت طويل، تستدرج ذكريات تهرول أحيانًا وتغفو بين السطور أحيانًا أخرى. بإبرة الصبر تخيط مئزرها، وعلى منسجها تحيك عممًا وشالاتٍ لجاراتها، وتطرّز غيبوبتها بحنينٍ يزور حبيبها المرضي. تشغل يومها بعواسة الكسرة وفرك الويكة، تربي طفليها “صابرة” و”عبدالناصر” وتنام مطمئنة بين ظلال أخيها علي. تحيك الحكايا والأساطير على شفا جوع، وتغرق في اكتئابٍ متكرر في بيت البدوي، فتموت وتحيا، لتسمعهم يرددون… ( سعيدة البايرة، عيشتها طايرة، في حوش النايرة… ص ١٥٦)…
ـ تتألف الرواية من سبعة وثلاثين فصلًا، يمثل كلّ فصل منها انتقالًا ناضجًا في حياة الجدة، بما يُشبه المراحل المتعاقبة لنضج داخلي طويل وشاق. تبدأ الرواية بتمهيد آسر، تهيّئ فيه الكاتبة القارئ للدخول في عالمٍ زمني ونفسي كثيف، يتأرجح بين وعيٍ يتداعى وذاكرة تحاول أن تبقى يقظة.
ـ اعتمدت الكاتبة على الوصف الدقيق للأمكنة والحالات الشعورية، مع الحفاظ على خيطٍ سردي متصل، تدعمه ملامح فنية أخرى أبرزها الاسترجاع (الفلاش باك) الذي جاء عبر مذكرات الجدة، ليشكّل مرآةً للماضي، بينما تمثّل حوارات الحفيدة والابنة تجلّي الحاضر وهمومه.
ـ أما الحدث المحوري في الرواية، فهو لحظة تخرج الجدة من الجامعة عن عمر يناهز الثمانين عامًا، في مشهد رمزي كثيف الدلالة، لا يمثل فقط انتصارًا شخصيًا، بل أيضًا فعل مقاومة للخذلان والتهميش، واستعادة صامتة لصوت امرأة طال كتمانها.
ـ تُجسّد الرواية ملامح الواقعية المهزومة، لا سيما في حلم الجدة القديم بالالتحاق بالمدرسة، وهو الحلم الذي تأجل وتكسر تحت وطأة الواقع؛ لكن ما لبث أن عادت الحياة لتنفث فيه بعض الأمل من خلال “شادية”، ابنتها، التي قاومت مرض “الكِبَر” بنضالٍ هادئ، ودفعت والدتها نحو التعليم المنزلي، في محاولة لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من الزمن الضائع. ويبلغ هذا الخط السردي ذروته في مشهدٍ سينمائي محبوك بدقة، حين تنال الجدة شهادتها، مشهد جاذب بصريًا وعاطفيًا، يحتفي بالانتصار الإنساني مهما تأخر؛ لكن، ورغم هذا الإنجاز، تُعيد الكاتبة القارئ إلى دائرة الضياع، إذ يتحوّل كل شيء إلى ذرات رماد بفعل توهان الجدة؛ كأن الوعي المتآكل يبتلع الحلم في لحظة ذروته، ليترك أثرًا مُرًّا، لا يُمحى.
ـ تميّزت الرواية بسلسلة من المشاهد السينمائية المكثفة، التي مثّلت مفاصل درامية عميقة، وأحدثت مفارقة حادة في بؤرة السرد، لتنتقل بالقارئ من حالة تأمل ساكنة إلى صدمة وجدانية مباشرة. تبدأ هذه المشاهد بتجارب الطفولة القاسية: الختان والشلوخ، كطقوسٍ مؤلمة تختزن قهر الجسد وتاريخ العنف المغلّف بالعادات. ثم يتوالى الانهيار عبر مشهد الزواج، بما يحمله من أحلامٍ مشوشة وواقع مبهم، وموت شقيقها “جدو”، وموت عمها، وجدها والماحي، ووالدها، وأخيها علي، في سلسلة من الفقد المتلاحق، تجعل الموت ذاته شخصيةً ثانوية متكررة. وتصل المفارقة إلى ذروتها مع موت “المرضي”، الحبيب الذي كانت روحه ملاذًا أخيرًا، ثم تتضاعف الخسارات برحيل البدوي ووالدتها، لتغدو حياة الجدة سلسلة من المقابر المفتوحة، تُحفر داخلها أكثر مما تُحفر في الأرض. تشكّل هذه المشاهد نقاطًا فاصلة، تُمزق السرد من الداخل، وتمنح الرواية بعدًا مأساويًا عميقًا، حيث كل لحظة ضوء يعقبها ظلّ كثيف من الفقد.
١- في مشهد الختان، تقول الجدة (أخرجتني جارات أمي من أحلامي وادخلنني في غرفتنا اليتيمة واجلسسني في قلب العنقريب وبدأن يزغردن… المرأة قاسية النظرات ذات النظارة الكبيرة التي كانت تحمل حقيبة حديدية فضية اللون أمرتني بالرقاد… ظننتها ستعطيني حقنة… وجزعت ورقدت على بطني… غير أنها “قرصتني” بعنف في وركي وهي تقول “ارقدي على ظهرك واخلعي ملابسك الداخلية” ارتجف جسدي وبدت لي النساء كانهن اتين من كوكب آخر… خلعت سروالي وشددت فستاني عليٌ، انتهرتني ثانية وهي تنظر في سوأتي ثم تجعل قدمي مثبتتين على باطن العنقريب، ثم اخرجت شيئًا بدا لي كمقص الحشائش….. وهناك شئ آخر بدا لي كسكين كبيرة أو ربما موس ضخمة…ص٤٦).
٢ـ وعن الشلوخ، تكتب حاجة سعيدة في مذكراتها (انطلقت الدماء من وجهي كالشلالات وانهمرت على صدري… ص ٥٢) ومن ثم أثر الشلوخ في الانتقال من مرحلة الطفولة إلى النضج، في قول أم الكل (فأنا بالطبع لن أعرف ما اضافتة لي الشلوخ، ولكن ما أستطيع تأكيده هو أن الشلوخ اضافت لي عقدًا من السنوات وجعلته فوق عمري الأساسي، فأنا أحس بأنني أبدو كامرأة ناضجة وانا أرتدي ثوب “الزراق” واترك مساير شعري مقرونة على حواف أذني، أما مشاطي في مؤخرة رأسي فقد صرت اتركة مسترسلًا حتى منتصف ظهري…. نظرة الرجال….. ص ٥٥)، ثم حوارات صديقتها السيدة التوعوية في قولها (ما شوهوك بفصادة… على الخدود السادة، طبيعي خلقة ربك… ما دايرة اي زيادة…. الشاعر عبدالرحمن الريح… ص ٥٧) ليخيم الندم على خديٌ حاجة سعيدة.
الأحلام في حياة الجدة

  • أحلام في مهب الريح، حلم (السُترة، رغد العيش، الحب، البيت، الصداقة، وعلي) كل حلم يتبخر بسوء طالع ومجتمع فقير، امرأة هشة، وواقع مفرطة في الوحشية.
  • أحلام تائهه، فهنا يلج الحب محفلًا تحتفي به السيدة في أشعارها المكتوبة على كراسة الدرس ليقرأها علي، ثم ينير بريقه عتمة أيامها فتقول الجدة (لا أعلم متى انتبهت إلى تلك العلاقة التي نشأت بين شقيقي والسيدة صديقتي… كانت تلك العلاقة كضياء الفجر الذي ينسرب في ظلمة الليل فيحيلها بهاء وصفاء قبل أن يشرق ضوء الشمس… ص ٨١)، فكان علي يمثل حلم الفارس لكل بنات الفريق فهاهو قد ( استطالت قامته حتى صار في مقام “الوالد الغائب” والجد الحبيب، وكبر مقامة في نفسي حتى ملأ كل مقامات الرجل فصار بين ليلة وضحاها الأب والأخ والولي وفارس الأحلام، وملأ كل فراغات الأمكنة وحتى تمدد في مساحات الإبن المنتظر في ظهر الغيب… ص٨٦). هكذا كان علي في حياة أخته ، فكان قطعة من نور وحب من جوهر الحياة الغائبة في شجون الحزن.
  • أحلام سقيمة، فنتوه قليلاً مع الحب النوراني بين سعيدة والمرضي (كنت أسمع منه واحتفظ بحديثه، اخزنه في داخلي، أتذكر حديثه دائمًا وأنا أعبث بإبرتي في حواف العمم والملايات والثياب، أضحك من قفشاته وأنا أغالب دخان الحطب عندما (أعوس كسرتي) صباحًا وعندما (أفرُك) طبيخي ظهرًا.. حتى وأنا في وحدتي تلك بين النوم واليقظة أسترجع حديثه وأحيانًا أجده في ثنايا أحلّامي.. ص١٣١) ثم الفراق المؤلم ( ماذا فعلت أنا حتى يقول الرجل ذلك الحديث في حقي؟ أكل ذلك من أجل ذلك الأنس البريء الذي كان يتحدث به المرضي مع كافة أفراد أسرتي دون أن يخصني بحديث بعينه؟، أيحاكموننا على تلك العاطفة الصادقة التي خبأناها داخل صدورنا؟.. أي شرور يحمله اناس ينصبون أنفسهم أوصياء علينا؟… ص ١٤٨) إلى فجيعة الموت (لم أبكِ المرضي ولم تهرول روحي وراء نعشه عندما خذلتني قدمايٌ…. روحي كانت قد خرجت مع خروج روح المرضي من جسده، حلقت الروحان معا في فضاءات البرزخ الرحيبة وبقي جسدي معلقًا بهموم الأرض… ص ١٧٦)
  • واقع مرير مسبوغ بأحلام ممزقة (رأيت البدوي يخرج حقيبتي ويحملني فوق حماره، يذهب بي بعيدًا، ثم يترك الحمار ليبدله بنسر ضخم جاء لينتظرنا في مكان عال بين الأرض والسماء… قفزنا لنركب عليه وردفني خلفه… تمسكت جيدًا وأنا أرى أننا أصبحنا نطير بعيد… وفجأة تحول جسد البدوي إلى جسد شاب فارت عروقه بالدماء وضج جسمه بماء الحياة… تحول البدوي إلى المرضي وأنا لازلت تلك الردفية من خلفه على ظهر ذلك النسر القوي… رأيت النسر يحملنا لأعلى لأعلى… كنا نسير بسرعة فائقة فنقطع الفيافي والبحار والجبال من على البعد كنت أرى بيتنا نقطة مضيئة في الظلام… ثم سرنا طويلا قبل أن نرى حلة جدي وبيوتات الفريق….. ثم رأيتني ثانية حتى تحول جسد الشاب إلى كهل وتحول المرضي إلى البدوي. ص ١٨٣،١٨٤)
    ملاحظات
    تطغى هيمنة الرجل على النص بشكل واضح، مما يجعل مصير المرأة فيه باهتًا وهامشيًا، كأنها تُركت لتتلقّى دون أن تختار. ويتجلى هذا بوضوح في شخصية الجدة التي تعرّضت للخذلان من جميع الرجال في حياتها، بما فيهم أقربهم إليها: أخوها علي، وحسن.
    تغلب على الرواية نبرة استذكارية، حيث تتخذ مذكرات الجدة موقعًا مركزيًا، مما يجعل السرد أقرب إلى بوح داخلي يتأمل الماضي بألم. كما تتناول الرواية العادات المجتمعية الضارة، وما تخلفه من جراح نفسية غائرة، لا سيما لدى النساء.
    تظهر بجلاء حالة الاكتئاب التي تخيم على الشخصيات، والتي تؤدي بدورها إلى نظرة مشوهة لفكرة العلاج والنجاة، كأن الحزن قدرٌ لا فكاك منه. ومن هنا، ينسج النص مساحاته على نغمة حزينة وعميقة، حتى يكاد الحزن يغدو بطله الأول.
    ختامًا
    قرأتُ النص كما لو أنني أستنشق عبير الورد الجوري المتفتح بين صفحات الأمكنة. العمل ثري للغاية، يحمل بين طياته ملامح الحياة من ثلاثينيات القرن الماضي وحتى يومنا هذا، رغم أن الكاتبة لم تذكر تاريخًا محددًا. إلا أن تسلسل الأحداث وحبكتها يكشفان عن وعي زمني عميق، والكاتبة تحكي كمن تملك مهارة السرد بالفطرة.
    في نصها، تتداخل الأمثال الشعبية والأغاني الموروثة مع أصناف الطعام، فتنتقل بنا بين موائد الذاكرة والحنين. الحوارات بين الشخصيات تنبض بالحياة؛ حفيدة جريئة، جدة متسامحة، وابنة يفيض حديثها بالحب، كلها شخصيات تجتمع في نسيج لغوي مشوق لا يخلو من الطرافة.
    لكن ما يُؤخذ على الرواية هو مسحة الحزن الكثيفة التي تكتنفها، فالخسارات المتتالية، والموت الذي يتكرر حتى يُغرق الصفحات في وجعٍ دائم، كأنها تنقلب شيئًا فشيئًا إلى نشيج مكتوم.
    أما النهاية، فرغم جمالها المفتوح، تترك القارئ في دوّامة من التأويلات، قد تُفضي إلى التوهان أكثر مما تهدي إلى اليقين.”

د. إيمان المازري
sukraelmazri@yahoo.com

عن إيمان المازري

إيمان المازري

شاهد أيضاً

أمام المرآة شخص آخر

كثيرًا ما أختلي بنفسي في مساءٍ فائض بالمحبّة لأعيد ترميم مرآتي الفكرية، أجلس هكذا وأسرد …