عبدالله ميرغني محمد أحمد
كقارىء عادي حاولت أن أشتبك مع النص – العصي على الامساك به – في عدة نقاط أرجو أن تكون بمستوى العمل الرائع، الذي يجعلك تشحذ الذاكرة لتعيش الماضي بكل حيواته لتفهم الحاضر و تستشرف المستقبل بين السطور. إنه الابداع والخيال الخلاق، عندها يصبح القاريء كاتب ثاني للنص الذي يتجدد مع كل قراءة جديدة تستفزه لطرح العديد من التساؤلات المؤجلة ، عندما تستيقظ سلطة المعرفة و القيم بعد سبات طويل.
رواية 48 يمكن تصنيفها بأنها رواية تاريخية / إجتماعية/ سياسية ، توثق لبداية إنهيار الاستعمار التقليدي وغروب شمس الامبراطورية العجوز – إستطاع الكاتب أن يجسد كل التناقضات عبر الشخصيات في حوار أو صراع إمتد لعقد من الزمن من 1937 ألى 1948 ، الفرادة بدءا بالعنوان – يتكون من رقم فقط –تلك السنه المشحونة بكل التناقضات – في السوق، في صالات اللهو وكذلك السياسة المحلية والعالمية.
عملت الرواية على تشريح الصراع القديم الحديث – الذي يتجسد في ثالوث السلطة والمال والعشق ..الذي يتماهى مع الشخصيات همفري – رافائيل وماتريد . عبر حوار سلس ، أخاذ أستطاع الكاتب أن يعري و يشرح بنية المجتمع السوداني ممثلاً في مدينة ام درمان التي كانت بوتقة لكل الثنائيات، الخير والشر ، العدل والظلم ، سيد الرجال والدقوني ، الغدر والوفاء ، لتستمر الحياة ، كأكذوبة كبيرة لم يصدقها أحد .
الصراع الثقافي/ العنصري: تمثل في التناقضات بين الهامش والمركز، بين المجتمع الارستقراطي الاروبي الابيض والسواد الاعظم الذي لا موقع له من الاعراب، الصراع بين وجهي العملة الصهيونية – الاشكناز والسفارديم، بين اليهودي الحقيقي والمسلم القادري حفيد أل البيت المزيف ، بين ارهاصات الوعي في طلبة كلية غردون و الجهل المقدس المورث عبر الاجيال.
الصراع الطبقي : إستطاعت الرواية ان تجسد الفجوة الكبيرة بين الذين يملكون والذين لايملكون، بين مجتمع مخملي يجسد الاعراف الملكية – مجتمع مغلق للاعضاء فقط – يسهرون في صالة غردون للموسيقى، يلعبون التنس وبعض القمار، يقدسون البراندي و يزدرون النبيذ. وفي المقابل – أهل البلد البسطاء حتى في احلامهم – مجتمع قاع المدينة – العمال والعتالة والعربجية يصارعون من اجل البقاء ، تتحكم فيهم الخرافة و (شيخة الإنداية) ماتريد ، عندما تتقاطع الاسطورة مع الواقع ( أو جمر السودان الحراق).
إذا حاولنا إسقاط أحداث الرواية على الواقع السوداني المتشظي اليوم – هنالك ثماثل الى حد ما في عدة تقاطعات :
الأول: يتمثل في التدخل (الخارجي و الذكاء التأمري) – للاستعمار التقليدي في تسيير الامور في (السوق) من خلال احتكار السلطة و المال من قبل ذيول الإمبريالية العالمية ، وهو ما يحدث في سودان اليوم مع بعض التخريجات الفنية لتواكب المسرح الجديد في عالم يحترم القوة فقط .
الثاني: صراع الرأسمالية الوطنية ممثلة في أولاد منصور ضد الاوغاد الثلاثة – رافائيل اليهودي، ديمتريوس اليوناني و نيكولا الارمني ، للسيطرة على السوق و تجارة السمسم . اليوم تسيطر الشركات عابرة القارات على كل اسواق العالم من أجل صناعة الفقر و ليس إعادة توزيع الثروة.
الثالث: موقف اليسار تمثل في نشاط طالب الطب “اليساري المتمرد” عوض الكريم منصور ، الذي تشاجرت حوله الحسناوات لسواد عيونه. ناضل من أجل نشر الوعي بين الفقراء من العتالة والعربجية و بائعات الطعام ، رفض البعثة او المنحة الممولة من مؤسسات المستعمر بغرض التخلص منه ليعيش في الغرب بعيدا عن وطنه . نفس الظروف تكرر نفسها، التاريخ لا يعيد نفسه ، لكن الساسة يرتكبون نفس الاخطاء و تدور الساقية. (الوطن ليس وجهة نظر، الوطن لا يعيش في المناطق الرمادية).
الرابع: إذا بدلنا الانجليز في الماضي بالعسكر اليوم يفرض السؤال نفسه : متى ينعتق الشعب السوداني من سطوة العسكرتارية – اقتباس : (في كل يوم تنبت هذه الارض ثائرا يمقت المساومة و يمزق الاوراق التي تنضح بأنصاف الحلول. )
أخيراً جملة في حق ماتريد- أقتباس “( ليس مهماً إنها كانت تبيع العرقي والمريسة ، فغيرها يبيعون الذمم والأنفس في هذا البلد و يعتاشون من هرس احلام الطيبين).
adabwathagafa@protonmail.com
