Sudanile-Logo-SQ

قراءة في رواية (48) لمحمد المصطفى موسى

الطبعة الأولى: يناير 2026
الناشر: دار زراف للنشر، لندن
د. صلاح التوم إبراهيم
zamanaldonia@gmail.com
يُعدّ الروائي والقاص محمد المصطفى موسى من الكُتّاب والمؤرخين الذين جمعوا بينالإبداع السردي والاشتغال المعرفي؛ إذ قدّم عبر مسيرته الأدبية والابداعية رواياتمتعددة، ومجموعات قصصية، إلى جانب دراسات وأبحاث في التاريخ والتراثواللغات. وقد أسهم هذا التنوع في تشكيل رؤيته الإبداعية، فجاءت أعماله محمّلةبوعي تاريخي وثقافي واضح، دون أن تفقد سلاسة السرد ومتعة الحكاية.

وتأتي رواية “48” – التي بين أيدينا – ضمن هذا السياق، عملًا روائيًا يستثمر المعرفةالتاريخية بوصفها مادة فنية، لا تسجيلًا توثيقيًا، ويعيد من خلالها الكاتب قراءة مرحلةدقيقة من تاريخ السودان، حيث تتقاطع السياسة بالمجتمع، والسلطة بالناس،والمعلن بالمسكوت عنه.

مجمل صفحات الرواية 315 صفحة وأول ما يستهوي القارئ ويثير انتباهه، عتباتالنص وهي كل العناصر التي تحيط بالمتن الأدبي مثل: العنوان والغلاف والمقدمةوالإهداء والتصميم … إلخ فهي جزء لا يتجزأ من بنية النص وتشكل قيمته الجمالية.

ولا يجيء عنوان الرواية “48” بوصفه رقمًا زمنيًا مجردًا، بل كإشارة رمزية إلى عام1948، ذلك العام الذي مثّل لحظة تحوّل كبرى في الوعي السوداني تحت الحكمالاستعماري. فهو عام بدأت فيه التصدعات تظهر في بنية الإمبراطورية البريطانية،وتنامى فيه الشعور الوطني، وتكشّفت هشاشة السلطة أمام حراك المجتمع وقواهالكامنة.

وبهذا المعنى، يصبح العنوان عتبة دلالية مكثفة، تختزل روح الرواية القائمة على التحوّلوالترقّب، وتفتح أفق التأويل أمام القارئ منذ اللحظة الأولى. فـ “48” ليست مجردتاريخ، بل رمز لبداية الوعي، وانكسار اليقين، وتحوّل الهامش إلى مركز فاعل في صناعةالمصير.

وقد أهدى الكاتب هذه الرواية التي تمثل وعيًا تاريخيًا وسرديًا ناضجًا لروح الأديبالراحل صديق محمد أحمد الحلو الخليفة الكاتب والروائي المعروف، ليوحي لنا بمدىالتقدير والوفاء والاعتراف بالفضل لمن قدموا الدعم والتشجيع وأسهموا في حياةالمؤلف، كما يكشف لنا هذا الإهداء ثقافة المؤلف وقيمه الصادقة تجاه الكُتابوالروائيين.

افتتح الكاتب روايته بعبارة “التمرد هو أن يقول الإنسان: لا” اقتباسا من كتاب “الإنسانالمتمرد” للكاتب والفيلسوف الفرنسي ألبير كامو. فالرواية تطرح تساؤلات عميقة حول”هشاشة الإمبراطوريات” وكيف يمكن للتحالفات السرية والمؤامرات الاقتصادية أنتفتت المجتمعات أو توحدها. إنها قصة عن “التمرد” بمعناه الوجودي، كما في اقتباسألبيركامو الذي افتتح به الكاتب عمله.

ولا تُقرأ رواية الكاتب بوصفها حكاية تاريخية فحسب، بل تُستقبل بوصفها نصًا سرديًاكثيفًا يعيد مساءلة التاريخ من داخله، ويقترح قراءة مغايرة لمرحلة مفصلية في تشكّلالوعي السوداني تحت قبضة الاستعمار البريطاني. إنّها رواية تُنصت إلى ما همس بهالسوق، وما كتمته الأزقة، وما لم تدوّنه التقارير الإدارية ولا دفاتر الإمبراطورية.

تجلى الروائي الدكتور محمد المصطفى موسى في توظيف التاريخ لا بوصفه خلفيةجامدة، بل باعتباره طاقة سردية متحركة، تتجسد في المكان واللغة والشخصيات. فالسودان، بين عامي 1937 و1948، لا يظهر هنا كأرض تُدار من علٍ، بل ككائن حيّ،متشظّي، نابض بالتناقضات؛ تتقاطع فيه المصالح الاقتصادية، والهويات الثقافية،والتحالفات الخفية، في مسرح مفتوح اسمه سوق أمدرمان.

تتخذ الرواية من شخصية الإداري البريطاني دنكان همفري مدخلاً سرديًا ذكيًا، لالتكريس مركزية المستعمِر، بل لكشف هشاشته. فالرجل، الذي دخل السودان مسلحًابالمعرفة الإمبراطورية والانضباط الإداري، يجد نفسه شيئًا فشيئًا داخل شبكة معقدةمن القوى المحلية، حيث لا تسير الأشياء وفق المنطق الاستعماري البارد، بل وفققوانين السوق، والولاءات، والتاريخ غير المكتوب. وهنا تتجلى براعة الكاتب في تقويضوهم السيطرة، وتحويل الإداري من فاعل إلى مراقَب، ومن مركز إلى هامش متآكل.

أما الشخصيات: ديمتريوس، رافائيل، ماتريد، أولاد منصور، وسيد الرجال – فهي لاتُستدعى للتزيين أو الاكتمال العددي، بل تؤدي أدوارًا رمزية ودلالية عميقة. إنهميمثلون تعدد السودان الاجتماعي والاقتصادي والثقافي، ويجسدون صراع المصالحداخل المجتمع نفسه، لا بين المستعمِر والمستعمَر فحسب. وبهذا، تبتعد الرواية عنالثنائيات الساذجة، لتقدم رؤية أكثر تعقيدًا وصدقًا للتاريخ؛ كما تنهض الشخصياتالمحلية: أولاد منصور، سيد الرجال، الناشف، ماتريد – بوصفها قوى فاعلة في إنتاجالحدث، لا مجرد ردود فعل. فـسيد الرجال، على وجه الخصوص، يمثل نموذج الإنسانالشعبي الذي يتسلل من الهامش إلى مركز الفعل التاريخي، لا عبر الخطابة، بل عبرالموقف الأخلاقي، ورفض المساومة، والانحياز الصامت للجماعة. أما ماتريد، فتُعد منأكثر الشخصيات كثافة دلالية؛ إذ تجمع بين الغموض، والسلطة غير المرئية، والحضورالأنثوي الذي يعيد تشكيل موازين القوة خارج القنوات الرسمية. إنها تجسيد ذكي لفكرةأن السلطة لا تكون دائمًا في يد من يعلنها.

يحتل سوق أمدرمان مكانة محورية في الرواية، بوصفه بطلًا جماعيًا. إنه الفضاء الذيتتقاطع فيه المصالح الاقتصادية، والهويات الثقافية، والصراعات الطبقية، والتحالفاتالسرية. السوق هنا ليس مجرد مكان، بل نظام معرفي، تُدار فيه شؤون البلاد بطرق غيرمرئية، ويتكوّن فيه وعيٌ وطنيٌ، بعيدًا عن المؤسسات الرسمية. ومن خلال هذا الفضاء،تنجح الرواية في فضح وهم السيطرة الاستعمارية، وتُبرز كيف أن القوة الحقيقية كانتكامنة في العلاقات الاجتماعية، وفي الاقتصاد الشعبي، وفي القدرة على التنظيم منالأسفل.إذن الرواية ليست عن الاستعمار فحسب، بل عن تشكل الوعي: وعي الفرد،ووعي الجماعة، ووعي الوطن وهو يتلمس طريقه نحو الاستقلال. إنها رواية عن اللحظةالتي يتقاطع فيها التاريخ الكبير مع الحياة اليومية، وحين يصبح السوق، والعتال،والمرأة الهامشية، شركاء في صناعة المصير.

فنيًا، تتسم الرواية بلغة مشحونة بالإيحاء، تتراوح بين الوصف الدقيق المشهديوالتكثيف الشعري، دون أن تفقد وضوحها السردي. ويبرز المكان – السوق، المكتب،الأنداية، قاعة الموسيقى – بوصفه عنصرًا فاعلاً في إنتاج المعنى، لا مجرد مسرحللأحداث. كما ينجح الكاتب في بناء توتر سردي تصاعدي، يجعل عام 1948 لا مجردتاريخ، بل ذروة رمزية لانكسار الإمبراطورية وبداية تشكّل الوعي الوطني.وتتميز الروايةبلغة سردية متماسكة، تجمع بين الدقة الوصفية والبعد الشعري، دون أن تقع فيالاستطراد أو الزخرفة المجانية. فجاءت لغتها رفيعة، مشبعة بالصور البيانية التيتعكس روح العصر. السرد لديه يتسم بالتدفق السينمائي، خاصة في وصف المشاداتفي “قاعة غردون” أو المزايدات في “سوق العيش”. كما وظف الكاتب “الرمزية” بكثافة،حيث ترمز “عصا شيخ العتالين” إلى الشرعية والقيادة الشعبية. وتُحسن الروايةاستخدام الحوار، لا بوصفه أداة نقل معلومات، بل وسيلة لكشف التوترات النفسيةوالفكرية بين الشخصيات. كما يعتمد البناء السردي على تصاعد هادئ، تتراكم فيهالأحداث والرموز حتى تبلغ ذروتها، في انسجام مع التحول التاريخي الذي تشير إليهالرواية.

حقيقة إن رواية “48” هي رحلة في “أزقة التاريخ”، تستنطق المسكوت عنه في حقبةالاستعمار، وتكشف كيف كان السودان مسرحاً لصراع إرادات دولية ومحلية، صاغت فيالنهاية وجه السودان الحديث. إنها عمل يجمع بين التشويق ، والعمق التاريخي،والتحليل النفسي للشخصيات، وهي ليست رواية عن الاستعمار فقط، بل عن الإنسانفي لحظة التحول: حين تتصدع السلطات، وتُعاد صياغة القيم، ويخرج المهمش منالظل ليكتب اسمه في متن التاريخ. وهي في ذلك، عمل سردي ناضج، يزاوج بين المتعةوالمعرفة، ويؤكد أن الرواية التاريخية يمكن أن تكون، حين تُكتب بوعي وجمال، أداةًلفهم الحاضر بقدر ما هي استعادة للماضي.

وقد استطاع الروائي الدكتور محمد المصطفى موسى أن يقدم نصًا جديرًا بالقراءة،وعمل أدبي كبير لا يكتفي بسرد التاريخ، بل يستنطق صمته ويكشف عن التاريخالإنساني الخفي الذي لا تسجله الوثائق الرسمية.

ختاما شكري وتقديري للروائي السوداني الدكتور محمد المصطفى سائلا الله تعالى أنيوفقه ويسدد خطاه .

د.صلاح التوم إبراهيم

باحث بمركز بحوث ودراسات دول حوض البحر الأحمر

عن صلاح التوم إبراهيم

صلاح التوم إبراهيم