د. حامد عمر
قدّم الباحث الياباني نوبوأكي نوتوهارا في كتابه :العرب من وجهة نظر يابانية (141 صفحة(، منشورات الجبل، 2003)( , واحدةً من أكثر المقاربات إثارةً للنقاش حول المجتمع العربي. لا تنبع أهمية هذا الكتاب من كون مؤلفه يأتي من خارج الثقافة العربية فحسب، بل من اعتماده على تجربة طويلة عاشها في عدد من البلدان العربية، مكّنته من ملاحظة التفاصيل الصغيرة التي قد تغيب أحياناً عن أبناء البيئة أنفسهم . فعلى مدى أربعين عاماً قضاها متنقلاً بين المدن والريف والبادية في مصر وبلاد الشام والمغرب، اطّلع خلالها على العديد من المؤلفات العربية، والتقى عدداً من الكتّاب والمثقفين العرب. يقول نوتوهارا : أريد أن أقدّم للقارئ العربي رأياً في بعض مسائله كما أراها من الخارج، كأي أجنبي عاش في البلدان العربية، وقرأ الأدب العربي، واهتمّ بالحياة اليومية في المدينة والريف والبادية (ص.141). لا يُعدّ الكتاب دراسةً نظرية بالمعنى الأكاديمي الصارم، بل هو أقرب إلى دفتر ملاحظات مفتوح، يزخر بالدهشة المستمرة، والأسئلة العميقة، والمقارنة بين عالمين: اليابان والعالم العربي. ويصرّح نوتوهارا منذ البداية بأنه ليس متخصصاً في السياسة أو علم الاجتماع، لكنه عاش طويلاً في المنطقة، وتعلّم العربية وأجادها، ودرّسها لسنوات، واحتكّ بطلاب وأصدقاء ومؤسسات عربية. ومن خلال هذا الاحتكاك اليومي، راكم خبرة إنسانية دفعته إلى طرح تساؤلات جوهرية: لماذا يعاني العرب من تكرار الأزمات؟ ولماذا لا ينعكس غنى ثقافتهم وتاريخهم في حاضرٍ أكثر ازدهاراً وعدالة؟. يشكّل هذا السؤال الكبير الخيط الناظم الذي يشدّ جميع أجزاء الكتاب. وفيما يلي أهم الملاحظات التي سجّلها الكاتب خلال زياراته لعدد من البلدان العربية:
غياب العدالة الاجتماعية ومفهوم المواطنة
يضع الكاتب في مطلع كتابه يده على إحدى أكثر القضايا الجوهرية في الواقع العربي، إذ يقول: ” أول ما اكتشفته في المجتمع العربي هو غياب العدالة الاجتماعية… وتحت غياب العدالة الاجتماعية تتعرّض حقوق الإنسان للخطر، ويصبح الفرد هشّاً ومؤقّتاً وساكنًا بلا فعالية، لأنه يُعامَل دائماً دون تقدير لقيمته كإنسان (ص. 6) ” ومن هذا المدخل، ينتقل نوتوهارا إلى ما يصفه بـأمّ المشكلات: اي غياب مفهوم المواطنة. فالمجتمع العربي – كما يراه – لا يقوم على فكرة الفرد الحرّ المسؤول، بل على منظومة الرعيّة الخاضعة للحاكم. ويُعرِّف الفرد نفسه من خلال النسب أو الكنية أو القبيلة، أو عبر الثروة والمنصب والشهادة، لا من خلال كونه مواطناً متساوياً في الحقوق والواجبات. ويتقاطع هذا التشخيص مع ما أكّده ابن خلدون في مقدمته حين قال إن السلطة لا تستقر إذا عاملت الناس على أساس الفوارق القائمة على الأصل أو النسب أو نمط العيش. ومع غياب مفهوم المواطنة، تتفرّع مظاهر يومية عديدة، من أبرزها: الخوف من السلطة، ضعف المبادرة الفردية، غياب الشعور بالحق، انتشار المحسوبية، وعدم احترام الممتلكات العامة، وغياب الوعي بالمسؤولية تجاهها. إذ يتعامل كثيرون مع هذه الممتلكات باعتبارها ملكاً للحكومة لا ملكاً للمجتمع، فيسهل تخريبها دون شعور بالذنب. ويعبّر نوتوهارا عن ذلك بقوله: “إن المواطن العربي يقرن بين الأملاك العامة والسلطة نفسيّاً، وفي لاوعيه على الأقل، ينتقم سلبياً من السلطة القمعية فيدمّر وطنه بتدمير الممتلكات العامة (ص. 32) ” . وفي مقابل هذا الواقع، يقارن الكاتب بالحالة اليابانية، حيث يُنظر إلى المواطن بوصفه شريكاً أصيلاً في الدولة، لا تابعاً لها، ويختم تساؤله الجوهري: كيف يمكن لمجتمعٍ يفتقر إلى المواطنة أن ينهض؟
السلطة وكيفية الحكم
ما في ما يتصل بالسلطة وطريقة الحكم في الوطن العربي، فيشير نوتوهارا إلى أن السلطة والحاكم يكادان يكونان شيئاً واحداً لا يمكن فصلهما. فالحاكم – كما يرى – ما زال يتمتّع بامتيازات تعود إلى عصور ما قبل الدولة الحديثة، إذ يقول: إن الحاكم العربي ما زال يتمتّع بالامتيازات التي كان يتمتّع بها الحكّام في العصور ما قبل الحديثة (ص. 37).
ويعبّر نوتوهارا عن دهشته من درجة التقديس التي يُعامل بها الحاكم في البلدان العربية، حتى ليبدو كأنه كائن فوق النقد. ويتساءل باستغراب: كيف يتحوّل دور الكاتب أو الشاعر من قول الحقيقة إلى تمجيد السلطة ومدح الحاكم أو أحد أفراد أسرته؟ ويؤكد أن هذا السلوك غير موجود في اليابان، حيث لا يُتوقَّع من المثقف أن يكون بوقاً للسلطة، ولا يُكافأ على التملّق لها (ص. 51). ويضيف أن المعيار الحقيقي لكرامة المواطن ووطنيته، في كثير من السياقات العربية، ليس احترام القانون أو الإسهام في الصالح العام، بل مقدار ولائه للحاكم، واستعداده للتسبيح بحمده في كل الأوقات والظروف والمناسبات. ومن هنا يستغرب نوتوهارا كيف يمكن لحاكم أن يخاطب شعبه بعبارة: “يا أبنائي وبناتي”، موضحاً أن مثل هذه العبارة تُعدّ في اليابان إهانة بالغة إذا صدرت عن أي مسؤول، مهما علا منصبه. ويرى أن الحكّام العرب يستثمرون عاطفياً لهجة الأبوة – ذات القداسة الخاصة في الثقافة العربية – لتكريس السيطرة على المجتمع (ص. 38). كما يرى الكاتب أن المجتمع العربي مشغول بفكرة ” النمط الواحد”، على صورة الحاكم الواحد، ولذلك يميل الناس إلى توحيد أفكارهم ومظاهرهم، بل وحتى أذواقهم، اتقاءً للاختلاف وما قد يجرّه من تبعات. ومن هذا المنطلق يتساءل بدهشة: لماذا يكثر العرب من استعمال كلمة “الديمقراطية” في الخطاب السياسي، بينما لا تسمح ظروف الواقع العربي بممارستها فعلياً؟ إذ إن ما يجري على الأرض هو نقيضها تماماً، وحين تغيب الديمقراطية ينتشر القمع، وهو واقع ملموس في معظم البلدان العربية (ص. 8). ويضيف نوتوهارا ملاحظة أخرى لا تقل حدّة، إذ يقول: ” العرب من أكثر الشعوب التي مورست عليهم العنصرية، ومع ذلك أنهم يمارسونها ضد بعضهم البعض”. كما يشير إلى مفارقة مؤلمة تتمثّل في أن المجتمع العربي كثيراً ما يضحّي بأفراده الموهوبين، فيقول: ” عرفتُ عن قرب كيف يضحّي المجتمع بالأفراد الموهوبين. إن سجناء الرأي والسياسة في البلاد العربية ضحّوا من أجل الشعب، ولكن الشعب نفسه يضحّي بهؤلاء الشجعان الذين ضحّوا من أجله (ص. 10–11)”.
الاستبداد والخوف والقمع
يرى نوتوهارا أن الاستبداد في الوطن العربي ليس مجرد نظام حكم، بل منظومة ثقافية واجتماعية تتجدّد باستمرار داخل الأسرة، والمدرسة، والمؤسسة، وتمتدّ حتى العلاقات اليومية بين الأفراد. فالقمع – كما يلاحظ – يتحوّل في العالم العربي إلى قاعدة اجتماعية شبه غير محسوسة، نتيجة اعتياد الناس عليه وتكيّفهم معه. ولهذا يصف العرب بأنهم “مجتمع يراقب نفسه”، حيث يصبح كل فرد رقيباً على الآخر في السلوك والرأي والاختيارات، مما يخلق بيئة خانقة تعيق الإبداع وتقتل الاختلاف. وفي ظل هذه الظروف، “تذوب استقلالية الفرد لتحلّ محلّها جماعة متشابهة، مطيعة للنظام السائد (ص. 9)” .ويشير نوتوهارا (ص. 37) إلى مفارقة لافتة مفادها أن المواطن العربي يخاف من الدولة، لكنه يفرغ هذا الخوف في محيطه الأسري، فيصرخ على أبنائه لأنه لا يستطيع حتى أن يهمس في وجه حكّامه أو رؤسائه. وهكذا يعيش الفرد العربي بين صورتين متناقضتين من الزيف تتنازعان عقله وقلبه. ويشرح الكاتب هذه الازدواجية بقوله: ” الرجل العربي في البيت يُلحّ على تعظيم قيمته ورفعها إلى مستوى السيطرة والزعامة، وفي الحياة العامة يتصرّف وفق ميزاته وقدراته ونوع عمله. وهذان الشكلان المتناقضان ينتج عنهما غالباً أنواع شتّى من الرياء والخداع والنفاق (ص. 56) ” .هذا الخوف المزدوج – من الحاكم في الفضاء العام، ومن الأب أو السلطة الأبوية في الفضاء الخاص – يولّد الصمت، والصمت يفضي إلى مجتمع بلا أسئلة، ومن ثم بلا معرفة. ويؤكد نوتوهارا أن هذا المناخ يعطّل الإبداع، ويعيد إنتاج “مجتمع يراقب نفسه” باستمرار، حيث يُقمع النقد ويُحاصر الاختلاف. ويرى أن المجتمعات التي لا تمارس النقد ولا تتيح التعدد محكوم عليها بالركود، مهما امتلكت من موارد. ويعبّر الكاتب عن دهشته من أن الناس في البلدان العربية يخافون من رجال الأمن، الذين يتمتّعون بامتيازات اجتماعية واقتصادية واسعة، بل ويُظهرون لهم احتراماً ظاهرياً يقوم في جوهره على النفاق والخوف. ويؤكد أن السبب الأساسي لهذا السلوك هو القمع الدائم والخشية من بطش السلطة، إذ يصبح رجال الشرطة والأمن، بل والسلطة عموماً، ومعهم دوائرهم القريبة، فوق القانون. وعلى النقيض من ذلك، يشير نوتوهارا إلى أن أحد أسس المجتمع الياباني هو أن لا أحد، مهما كان موقعه، يقف فوق القانون.
غياب العدالة
يرى المؤلف ) نوتوهارا ) أن غياب العدالة هو أخطر ما يواجه المجتمعات العربية، لأن العدالة في نظره لا تقتصر على وجود محاكم وقوانين مكتوبة، بل هي قبل ذلك ثقافة يومية وإحساس عام بالحق والإنصاف. ويشير إلى أن كثيراً من العرب يتعاملون مع الواسطة والمحسوبية بوصفهما أمراً طبيعياً ومقبولاً اجتماعياً، في حين تُعدّ هذه الممارسات في اليابان خرقاً أخلاقياً جسيماً يقوّض الثقة العامة ويهدد تماسك المجتمع. ومن وجهة نظر نوتوهارا، لا يمكن لمجتمع يعاني من هشاشة العدالة أن يحقق استقراراً سياسياً أو تنمية حقيقية، لأن الظلم يولّد الخوف، والخوف يفتح المجال أمام الاستغلال. ويعبّر عن ذلك بقوله: “بغياب العدالة في المجتمعات العربية يوجد الخوف الذي يستفيد منه بعض الناس لتحقيق منافع شخصية، بينما لا يوجد في اليابان من يهدّد الناس أو يخيفهم لتحقيق مكاسب خاصة (ص. 30). ” ويتقاطع هذا الطرح مع ما أورده ابن خلدون في مقدمته، في ما معناه أن الرعية لا تستقيم بالإيمان أو الكفر، بل بالعدل القائم وحسن تدبير الأمور؛ فالعدل إذا وُجد عَمُر، والظلم إذا ساد دمّر. وهو ما يعزّز خلاصة نوتوهارا بأن العدالة ليست قيمة أخلاقية فحسب، بل شرط وجودي لقيام المجتمع واستمراره.
نظام التعليم
ينتقد نوتوهارا نظام التعليم في الوطن العربي، واصفاً إياه بأنه تعليم تلقيني يعيد إنتاج الطاعة والانصياع أكثر مما يعزّز التفكير النقدي والاستقلال العقلي. ويرى أن المجتمع العربي، ومعه النظام التعليمي، غير مهيّأين لتربية المواهب ورعايتها وتنميتها، إذ يُربَّى الطفل منذ الصغر على النظر إلى الأب والمعلم بوصفهما سلطتين مُخيفتين لا يجوز مساءلتهما أو مناقشتهما. ويشير كذلك إلى أن المعلّم في كثير من البلدان العربية لا يحظى بالتقدير الاجتماعي اللائق، ولا بالحماية القانونية الكافية من الدولة، الأمر الذي يضعف مكانته التربوية ويقوّض دوره التنويري. وفي المقابل، يقارن نوتوهارا ذلك بالحالة اليابانية، حيث تُبنى شخصية الطالب على البحث، وتحمل المسؤولية الفردية، واحترام العمل الجماعي، بينما يحظى المعلّم بحماية قوية من القانون وتقدير واسع من المجتمع، ما لم يرتكب جريمة يعاقب عليها القانون (ص. 44). ومن هذا المنطلق، يرى الكاتب أن إصلاح التعليم يمثّل شرطاً أساسياً لأي نهضة عربية حقيقية، لأنه المدخل الأهم لتغيير منظومة القيم والسلوكيات السائدة. كما يلفت إلى أن معظم المتعلمين في الوطن العربي يعانون من ازدواجية قيمية واضحة؛ واحدة داخل البيت وأخرى في الحياة. ويرى نوتوهارا أن هذه الازدواجية – المتولّدة من التعليم والتنشئة معاً – تُسهم في إعادة إنتاج النفاق الاجتماعي وتكريس الخضوع بدل المبادرة (ص. 56).
تناقض بين الدين والأخلاق
هذا ما رصده نوتوهارا حين لاحظ مفارقة لافتة في السلوك الاجتماعي العربي؛ إذ يرفع الإنسان العربي راية التديّن في كل محفل، لكنه يدوس القيم الأخلاقية عند أول اختبار. يصلّي في المسجد، ويُدين الظلم في خطبة الجمعة، ثم لا يلبث أن يمارسه متى سنحت له الفرصة. ومن هنا يتساءل الكاتب بدهشة صادقة: كيف لشعوب تُقدّس الدين ليل نهار أن تنزلق إلى الفساد بهذه السهولة؟ .ويعبّر نوتوهارا عن هذا التناقض بعبارة صادمة حين يقول: “العرب متديّنون جداً… وفاسدون جداً!”. فالدين – كما يلاحظ – هو أهم ما يُعلَّم ويُكرَّس في التربية والتعليم، ومع ذلك لم ينجح في الحد من الفساد ولا في رفع قيمة الاحترام في الحياة العامة. ويري نوتوهارا ان كثيرا من العرب يكتفون بترديد معارف الماضي بدل السعي إلى إنتاج معرفة جديدة ( ص.11)”. وفي المقابل يؤكد أن المجتمع الياباني يضيف حقائق جديدة كل يوم، بينما يميل العربي – في نظره – إلى استعادة ما أُنجز قبل ألف عام والاكتفاء به بوصفه منجزاً نهائياً.
عن البدو
يري الكاتب في البدو نموذجًا للبساطة والكرم وشرف الكلمة، رغم نقده لبعض ممارساتهم الاجتماعية. يري ان لدي البدوي ميولا لكي يواجه قضايا ” اكبر منه ” ويتحدي ما هو فوق قدرته و مما قد يعرض حياته للخطر . ومن لا يندفع في مواجهة مثل هده المخاطر يحكم عليه البدو بانه جبان. في نفس الوقت يرى أنهم يحملون سماتا أصيلة: مثل : شرف الكلمة،و الكرم، و البساطة، والكرامة. ويعتبرهم نموذجاً لما يمكن أن تكون عليه الثقافة العربية في صورتها الإنسانية الخالصة قبل أن تشوّهها المدن والسلطات. ويشير (ص. 66) إلى نظرة الاستعلاء التي يمارسها بعض المثقفين تجاه البدو،
يختم نوتوهارا ملاحظاته بتصريح صادق: “أحب العرب، لكنني لا أستطيع العيش في مجتمعاتهم”. ليس كرهاً في الناس، بل لأن البيئة السياسية والاجتماعية – كما يراها – خانقة وغير عادلة، ولأن معضلة الاستبداد تُفرغ كل إمكان للنهوض. ورغم ذلك، يترك باب الأمل مفتوحاً، مؤكداً أن التغيير يبدأ من مسؤولية الفرد ووعيه، قبل أن يكون قراراً سياسياً. يقول نوتوهارا في النهاية : “العرب طيبون.. لكنهم يعيشون في أنظمة تقتل فيهم الطيبة”.
نحو إسقاط الواقع العربي على الحالة السودانية
رغم أنّ كتاب نوتوهارا لا يتناول الحالة السودانية بصورة مباشرة، إذ ينصبّ اهتمامه على الواقع العربي في شموليته، فإن ملاحظاته تكتسب، عند إسقاطها على السودان، قدراً أكبر من الوضوح والعمق. ففي السياق السوداني تتضاعف حدّة الإشكالات التي أشار إليها الكاتب، وتتقاطع بجلاء مع الجذور العميقة للصراع السوداني. لقد أسهم غياب العدالة، وتوارث أنماط الاستبداد، وهشاشة مفهوم المواطنة عبر عقود طويلة، في تشكيل بنية راسخة من المظالم التاريخية، غذّت النزاعات المسلحة في جنوب السودان (حتى انتهت بانفصاله)، ودارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وشرق البلاد، وصولاً إلى الحرب الراهنة التي تعصف بالسودان.
وفي السياق العام للوطن العربي، تبرز مجموعة من البنى المختلّة التي تشكّل أرضية مشتركة لأزمات الدولة والمجتمع. غير أنّ هذه البنى تتخذ في السودان تجليات أكثر حدّة ووضوحاً، بما يفضي إلى نتائج ومآلات عميقة الأثر على الاستقرار السياسي والاجتماعي. فعلى مستوى الوعي بالمسؤولية العامة والمصلحة الوطنية، تعاني العديد من المجتمعات العربية من ضعف الإدراك الجماعي لفكرة الدولة بوصفها كياناً عاماً يتجاوز الأفراد والجماعات. وفي السودان يتجلّى هذا الخلل بصورة أكثر تعقيداً، من خلال تغوّل القبيلة والجهة والفرد، وهيمنة “الأنا” على مفهوم الدولة الحديثة، الأمر الذي أضعف حضور الدولة نفسها وقوّض بنيتها المؤسسية. وقد أسفر ذلك عن انتشار واسع للفساد واستباحة المال العام، ما أدّى بدوره إلى تفكك الثقة بين المجتمع والدولة، وإلى حالة مزمنة من الاضطراب في المشهد السياسي. كما يُعدّ غياب العدالة الاجتماعية واتساع الفوارق الاقتصادية والاجتماعية بين الطبقات والمناطق سمة بارزة في عدد كبير من الدول العربية. وفي الحالة السودانية يظهر هذا الخلل بوضوح من خلال التفاوت الحاد في مستوى الخدمات الاجتماعية بين المركز والهامش، وهو تفاوت ولّد شعوراً عميقاً بالغبن الاجتماعي. وقد ترتّب على ذلك تنامي الإحساس بالتهميش وعدم المساواة، الأمر الذي غذّى النزاعات المسلحة وأطلق دورات متواصلة من الصراع والمطالبات بحقوق ظلّت غائبة أو مؤجَّلة. ويتقاطع ذلك مع ضعف الشعور بالمواطنة، حيث تسود في كثير من السياقات العربية مواطنة شكلية لا تصمد أمام الانتماءات الأولية. وفي السودان غالباً ما جرى استبدال مفهوم المواطنة بالهوية القبلية أو العرقية أو الجهوية، فتراجعت قيمة الانتماء الوطني الجامع. ونتيجة لذلك، غاب تكافؤ الفرص في الوصول إلى الخدمات وفي المشاركة في الحكم، ما أفضى إلى انقسام سياسي عميق وتصدّع في الهوية الوطنية.
أما على مستوى أنماط الحكم، فإن الاستبداد والاعتماد على نظم مركزية تحدّ من المشاركة الواسعة يظلان سمة مشتركة في العالم العربي. وفي السودان ترسّخت نماذج الحكم المركزي ذات الطابع الشمولي منذ الاستقلال عام 1956، وتكرّست عبر أنظمة متعاقبة. وقد أدّى احتكار القرار وضعف المشاركة السياسية إلى ثورات متتالية واضطرابات مستمرة، تحوّل كثير منها إلى صراعات مسلّحة حول السلطة. وترافقت هذه الأنماط مع ثقافة الخوف والقمع، حيث استُخدم القمع أداةً لضبط المجتمع والتحكم فيه. ويشهد السودان تاريخاً طويلاً من التضييق الأمني، لا سيما خلال عهدي نميري (1969–1984) والإنقاذ (1989–2019). وقد نتج عن ذلك تراجع حاد في حرية الرأي والتعبير، وسيادة القمع السياسي وتقييد الحريات العامة، مما أضعف المجتمع والمؤسسات السياسية، ومهّد لانفجار الاحتقان الشعبي واندلاع الثورات طلباً للتغيير.
وفي المجال التعليمي، تعاني نظم التعليم في عدد من الدول العربية من هيمنة التلقين وإهمال التفكير النقدي. وفي السودان تتجسّد هذه الأزمة في تردّي البيئة الدراسية، وقصور المناهج عن مواكبة الحداثة ومتطلبات العولمة. وقد أسفر ذلك عن بيئة تعليمية غير محفّزة، وضعف في مهارات التفكير النقدي والابتكار لدى الطلاب، وبطء في تبنّي أساليب الإدارة التعليمية الحديثة.
وتبرز إحدى أكثر الإشكالات عمقاً في النظرة الدونية للبدو والرعاة، وهي نظرة شائعة في الخطاب العربي الحديث الذي يربط التقدّم بالتحضّر العمراني. وفي السودان يكتسب هذا الأمر طابعاً بنيوياً، حيث يُنظر إلى البدو والرعاة باعتبارهم رمزاً للتخلّف والفوضى، ما أدّى إلى إقصائهم ثقافياً واجتماعياً، وإبقائهم خارج دائرة الدولة الوطنية ومشاريع الحداثة. وقد ساهم هذا الإقصاء في تعميق الشعور بالغبن، وتفشي الاحتجاجات والصراعات، وتعزيز حالة عدم الاستقرار. ويُضاف إلى ذلك النقص الحاد والتفاوت الكبير في الخدمات الاجتماعية، لا سيما في مجالات الصحة والتعليم والمياه في مناطق الهامش. وقد دفع هذا الواقع أعداداً كبيرة من السكان إلى النزوح الداخلي من الريف إلى المدن، ما أدّى إلى تمدّد العشوائيات، وتفشّي العمالة الهامشية، وزيادة الضغط على البنى الحضرية، واحتدام الصراعات حول الموارد المحدودة.
وأخيراً، يبرز التناقض الصارخ بين كثافة مظاهر التدين في الخطاب العام والشعارات المرفوعة، وبين ضعف الالتزام بالأخلاق والقيم في الممارسات اليومية، وهو تناقض حاضر في كثير من المجتمعات العربية. وفي السودان يتجلّى ذلك في الحضور الطاغي للخطاب الديني في الخطب والحوارات العامة والشعارات السياسية، مقابل ضعف بيّن في الالتزام الأخلاقي والسلوك العملي. وقد أفضى هذا التناقض إلى انتشار المحسوبية والفساد، وممارسة الظلم والإقصاء تحت لافتة الدين، بما عمّق أزمة القيم وأضعف الثقة الاجتماعية.
بهذا المعنى، فإن الحالة السودانية لا تنفصل عن السياق العربي العام، لكنها تمثّل نموذجاً مكثّفاً لتراكم اختلالات بنيوية انعكست في أزمات سياسية واجتماعية ممتدّة. وهو ما يجعل معالجتها رهناً بإعادة بناء الدولة على أسس المواطنة، والعدالة، والمشاركة، والاعتراف بالتنوّع , و على إعادة توزيع السلطة والثروة عبر نظام فيدرالي فعّال يضمن مشاركة الأقاليم ومجتمعات الهامش في صنع القرار، إلى جانب تطبيق العدالة الانتقالية وسياسات التمييز الإيجابي لجبر الضرر واستعادة الثقة.
د. حامد عمر.
القاهرة.20 /2/2026
hamidomer122@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم