وعيٌ يصنع السلام: قراءة نقدية في الفصل الخامس “المفاهيم المؤسسة لعمليات صنع السلام والحفاظ عليه” من كتاب نورالدين ساتي
بقلم د. صلاح احمد الحبو
في زمنٍ تتكاثر فيه مبادرات السلام وتتعثر في آنٍ واحد، يفرض السؤال السوداني نفسه بإلحاح: لماذا يتعذّر تحويل فرص التسوية إلى سلامٍ مستدام؟ وهل يكمن الخلل في الأدوات، أم في طبيعة التفكير الذي يديرها؟ في هذا السياق، تكتسب قراءة الفصل الخامس من كتاب صفحات مطويّة من كتاب الدبلوماسيّة – الجزء الأول: متمردون (تجربتي في فض النزاعات وحفظ السلام)، المعنون بـ“المفاهيم المؤسسة لعمليات صنع السلام والحفاظ عليه”، أهميةً خاصة، لأنه لا يكتفي بوصف مسارات النزاع، بل يعيد مساءلة الأسس التي يُبنى عليها مفهوم السلام ذاته.
يستهلّ ساتي هذا الفصل بمقولة للرئيس الأمريكي الأسبق Jimmy Carter:
“لا يمكننا أن نكون داعية السلام الأول في العالم وأكبر مُو َ رِّد لعتاد الحرب في الوقت ذاته.”
هذه العبارة، في بعدها الرمزي، لا تُقرأ كإدانةٍ أخلاقية فحسب، بل كمدخلٍ نقدي لتفكيك التناقض بين الخطاب والممارسة؛ وهو تناقض يتجاوز السياق الدولي ليطال الحالة السودانية نفسها، حيث ظلّ السلام شعاراً مرفوعاً في مقابل واقعٍ يعيد إنتاج النزاع بأشكالٍ مختلفة.
ضمن هذا الإطار، يقدّم نورالدين ساتي تشخيصاً مكثفاً لبنية الأزمة السودانية، في نصٍّ يكاد يلخّص تاريخها المعاصر:
(داخل الحالة السودانية، وإذا نظرنا في الحالة السودانية منذ الاستقلال إلى الآن فإن الخلاصة تكون أن التداخلات ما بين
الداخلي والإقليمي والدولي لعبت دورا كبيرا في حالة شبه مستديمة من السخونة والتعقيد، والعجز عن التوصل إلى حلول مستدامة للأزمة السودانية التي تمثلت في حرب الجنوب ثم في حرب دارفور وحرب الشرق وحرب جنوب كردفان وحرب النيل الأزرق. والسودان هو البلد الوحيد، ربما إلى جانب (جمهورية الكنغوالديموقراطية)، الذي كانت فيه في وقت من الأوقات ثلاث بعثات لحفظ لسلام. وهذا، بالضرورة، وضع غير طبيعي وغير مقبول مهما كانت الظروف والأسباب والدوافع. ونخلص من ذلك أنه ثمة مشكلة جوهرية يتوجب تفهمها والعمل علي حلها.
والسودان كما هو معروف، ربما يكون البلد الوحيد في إفريقيا ٠الذي ظل منذ استقلاله وإلى يومنا هذا في حالة نزاعات داخلية مستمرة. وغالبية تلك الصراعات إن لم تكن كلها ترتبط بشكل أو بآخر بقضايا الإحساس بالظلم أو التهميش أو الاستعلاء، كما أنها ترتبط بشكل أو بآخر كذلك بوضعية السودان الجيوسياسية والتداخلات علي أطرافه بين مجموعات بشرية تربطها بدول الجوار وشائج ومصالح يتم تجاهلها أو عدم فهمها الفهم الصحيح. كما ترتبط بشكل أو بآخر بعدم الفهم الصحيح لعملية التمازج والتصاهر التي تمت علي مدي قرون طويلة بين شعوب ولغات وثقافات من شرق القارة وغربها وشمالها وجنوبها أدت إلى تشكيل شخصية سودانية كمشروع في طريقه إلى التكوين.)
تكشف هذه الفقرة عن بنيةٍ ثلاثية للأزمة: تشابك المستويات، واستدامة الصراع، وتجذّره في إحساسات الظلم وسوء إدارة التنوّع. وهي بنية تفسّر لماذا ظلّت الحلول الجزئية عاجزة عن إنتاج استقرارٍ حقيقي، ولماذا تحوّل التدخل الدولي من أداة دعم إلى مؤشر على هشاشة الداخل.
وفي امتدادٍ تحليلي مكثّف، يقدّم ساتي في صفحة (55) خلاصةً نظرية تُعيد تأطير الأزمة وإمكانات حلها، حيث يقول:
(إذن، لا يمكن التوصل إلى أي حل للأزمة السودانية المستفحلة دون الفهم الصحيح للتداخلات
المحلية والإقليمية والدولية في تشكيل تلك الأزمة، وبالمقابل الدور الممكن لتلك التداخلات
في حلها، إن نحن أحسنا استثمارها. وهذه القضية ترتبط، بطبيعة الحال، بالسياسة الخارجية
ومقدرة السودان علي إقامة علاقات سوية مع تلك الدول التي يمكن أن تساعد علي تجاوز تلك
الأزمة، بما فيها الدول الدائمة العضوية في مجلس الأمن.
ما سبق، يتضح ارتباط قضايا السلم والأمن بقضية الهوية، من ناحية، وقضية العلاقات
الخارجية، من ناحية أخري. وسوف نتعرض إلى كل ذلك في الفصول اللاحقة.)
تؤسس هذه الرؤية لانتقالٍ مفاهيمي حاسم: من تفسير الأزمة بعواملها، إلى إعادة توظيف هذه العوامل ذاتها ضمن أفق الحل، عبر ربطٍ عضوي بين سؤال الهوية ومنطق العلاقات الخارجية.
غير أنّ هذا التحليل، على عمقه، يظلّ—في تقدير كاتب هذا المقال—موقوفاً عند عتبة التشخيص البنيوي دون أن يستكمل قطيعةً إبستمولوجية مع منطق “إدارة الأزمة” لصالح منطق “إعادة تأسيسها معرفياً”. فالإشكال في الحالة السودانية لا يكمن فقط في سوء قراءة التداخلات، بل في البنية الذهنية التي تُعيد إنتاجها بوصفها قدراً لا موضوعاً للفعل. وهنا تتبدّى الحاجة إلى نقلة نوعية: من وعيٍ يفسّر الواقع إلى وعيٍ يعيد تركيبه.
إن تجارب السلام العالمية تقدّم، في هذا السياق، مؤشراً دالاً على هذه النقلة. ففي اتفاقية الجمعة العظيمة، يرد نصٌّ موجز لكنه كثيف الدلالة: “إنّ مستقبل أيرلندا الشمالية يُحدَّد حصراً بإرادة شعبها”. هذه العبارة، على بساطتها، تُعبّر عن تحوّلٍ من مقاربة أمنية إلى مقاربة تعاقدية، ومن فرض الاستقرار إلى إنتاجه عبر الاعتراف المتبادل.
على ضوء ذلك، يمكن القول إنّ مأزق السلام في السودان ليس غياب الاتفاقات، بل غياب الفلسفة التي تجعل الاتفاق ممكناً ومستداماً. فالاتفاق، في جوهره، ليس وثيقة سياسية، بل بنية وعي تعترف بالآخر بوصفه شريكاً في تعريف الوطن، لا خصماً في اقتسامه. ومن هنا، فإن استدعاء التداخلات الدولية—كما يقترح نورالدين ساتي—لا يكتسب معناه إلا إذا اقترن بإعادة تعريف الداخل نفسه.
وعليه، فإن كاتب هذا المقال يرى أن المدخل الحقيقي لصناعة السلام في السودان لا يبدأ من طاولة التفاوض، بل من إعادة صياغة المخيال السياسي الذي يُنتج تلك الطاولة: مخيالٍ يعيد تعريف الهوية بوصفها تركيباً تاريخياً مفتوحاً، ويعيد قراءة الجغرافيا لا كحدود صراع، بل كفضاء تفاعل. في هذا الأفق، يغدو السلام ممارسةً معرفية قبل أن يكون إجراءً سياسياً، ومشروعاً لإعادة إنتاج الذات الوطنية قبل أن يكون تسويةً بين أطراف النزاع. إنّ الانتقال من هدنةٍ قابلة للانهيار إلى سلامٍ قابل للاستمرار يمرّ—ضرورةً—عبر هذا التحول العميق: من إدارة التناقضات إلى إعادة بنائها ضمن أفقٍ جامع. وهناك، فقط، حيث يتغيّر الوعي، يمكن للتاريخ أن يغيّر مساره.
⸻
إشارة مرجعية:
اتفاق الجمعة العظيمة أو اتفاق بلفاست هو اتفاق تم التوقيع عليه سنة 1998 بين بريطانيا وجمهورية إيرلندا وأحزاب إيرلندا الشمالية. يدعو الاتفاق البروتستانت إلى تقاسم السلطة السياسية في إيرلندا الشمالية مع الأقلية الكاثوليكية وتعطي جمهورية إيرلندا رأيًا في شؤون إيرلندا الشمالية. يهدف اتفاق الجمعة العظيمة إلى وضع حد للنزاع في صورة نهائية، وتحقيق التعايش السلمي بين طوائف إيرلندا الشمالية، وبينها وبين جمهورية إيرلندا
Habosalah@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم