كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
نشرتُ على صفحتي بالفيسبوك منشوراً بيّنتُ فيه أن كتاب “كفاحي” لأدولف هتلر هو أسوأ كتاب قرأته في حياتي، كتاب مثير للغثيان، يطفح بكمٍّ هائلٍ من العنصرية، ومليء بالمغالطات المخجلة، وتساءلتُ – بحق – كيف صعد هذا الجاهل إلى سدة السلطة في بلدٍ ينتمي إلى أمة عظيمة كألمانيا.
ولأن العالم اليوم يعيش مخاضاً سياسياً واجتماعياً لا يخلو من تشابه مقلق مع ذلك الذي مهّد الطريق للحرب الكونية الثانية، رأيتُ أن أفصّل فيما ذهبتُ إليه، استجابةً لإحاح العديد من طلابي الذين يدرسون معي مادة العلاقات الدولية في اطار دراسات الكوارث والأمن الإنساني مما دعاني لشرح موقفي وتقريب حججي لعموم القراء، لا بدافع التشهير بهتلر أو التحامل المجاني على كتابه، وإنما بدافع التحليل والتحذير والمقاربة.
إن أول ما يلفت النظر في كتاب “كفاحي” يتجاوز تطرف أفكاره إلى ضحالة بنيته المعرفية. فالكتاب يفتقر إلى التحليل التاريخي الرصين والرؤية الفلسفية المتماسكة، إذ يقوم على سلسلة من التفسيرات الاختزالية التي تردّ تعقيدات التاريخ والسياسة والاقتصاد إلى سبب واحد.. وهو ما تصوره من “عدو داخلي”، ممثلاً في اليهود ومن يتحالف معهم. هذه ليست شجاعة فكرية، وإنما هي مغالطة منطقية بدائية. فالتاريخ لا يُفسَّر بعامل واحد، والهزائم الكبرى يستعصي فهمها على منطق المؤامرة وحده. ويمكن ان يلاحظ القارئ الحصيف أن منطق العدو الداخلي يبرز الان في أمريكا ترمب بشكل واضح.
ثم تأتي المغالطة الأخطر فيما يمكن وصفه ب “وهم العرق الخالص” حيث يتحدث هتلر بثقة عن “العرق الآري” بوصفه حقيقة علمية، في حين أن العلم – حتى في زمانه – لم يقرّ بذلك، فضلاً عن علم الوراثة الحديث الذي نسف هذه الفكرة من أساسها. هنا نتجاوز فكرة الرأي السياسي القابل للنقاش لنقف أمام خرافة أُلبِسَت لباس العلم، واستُخدمت لتبرير الإقصاء ثم الإبادة.
ولا يكتفي هتلر بالحديث عن نقاء العرق من الناحية البيولوجية المزعومة، وإنما يبني على هذا الوهم منظومة اقتصادية واجتماعية كاملة. يقول في كتابه: “لا يمكن للآري أن يضع الأسس الأولى ما لم يستخدم الشعوب الوضيعة في بناء الأساس الحضاري”، ويترك للقارئ أن يتأمل من هي تلك “الشعوب الوضيعة” التي يُراد لها أن تكون مجرد أدوات في يد “العرق المتفوق”.
ويمضي في مغالطته التاريخية الفاضحة قائلاً “إن تأسيس الحضارات كان يتطلب استخدام الأعراق المنحطة التي قامت مقام الموارد المادية، وقد اعتمدت الحضارات البشرية الأولى استخدام الأقوام الوضيعة قبل أن تعتمد على استخدام الحيوانات”. هذه الفقرة، وبغض النظر عن الشحنة العنصرية المقززة فيها، تنطوي على جهل مفضوح بمسار تطور الحضارة البشرية. فاستئناس الحيوان واستغلاله في الزراعة والنقل والإنتاج سبق – تاريخياً – ظهور أنظمة الاستعباد البشري الممنهجة. لقد استأنس الإنسان الكلب والماعز والبقر والحصان قبل وقت طويل من تطويره لأنظمة معقدة لاستعباد أخيه الإنسان. هذه ليست مسألة رأي، وإنما حقيقة أنثروبولوجية موثقة. لكن هتلر، في عجلته لتبرير العنصرية، يقلب التاريخ رأساً على عقب.
العنصرية في “كفاحي” لم تكن مجرد انحياز ثقافي أو تعصب قوميّ عابر، وإنما هي نظام فكري متكامل يقوم على نزع الإنسانية عن الآخر. اللغة المستخدمة في الكتاب – حين تصف جماعات بشرية بالطفيليات أو الجراثيم – تتجاوز الوصف لتصبح تمهيداً نفسياً للعنف. فحين يُنزَع عن الإنسان كونه إنساناً، يغدو قتله فعلاً “مبرراً” أو حتى “ضرورياً”.
ومن المغالطات الفاضحة الأخرى في الكتاب محاولة هتلر الربط القسري بين الماركسية واليهودية. يقول: “إن كتاب ماركس كُتب ليكون دستوراً للحركة اليهودية العاملة على إخضاع العالم بأسره لسيطرة ‘الشعب المختار” بينما تهدف الماركسية إلى إخضاع العالم كله لسيطرة اليهود”. هنا يخلط هتلر الماركسية بشكل متعمد مع اليهودية، متجاهلاً حقيقة أن كارل ماركس نفسه وضع الأديان كافة ضمن ما أسماه “البنى الفوقية” Super structure التي تعمل على تخدير الطبقة العاملة وصرفها عن صراعها الحقيقي. ووللانصاف فإن ماركس قال بعالمية الطبقة العاملةةوصدع بصرخته المشهورة لكل شعوب العالم (يا عمال العالم وشعوبه المتضطهدة إتحدوا).. إن هذا الخلط المتعمد يكشف إما عن جهل فادح بالفلسفة السياسية، أو عن سوء نية مبيتة لخلق عدو وهمي يجمع كل ما يخيف الألمان ويقف في وجه فكره النازي الشيوعية واليهود في كيان واحد.
ولم يكتفِ هتلر بمعاداة اليهود والسلاف، بل امتدت عنصريته لتشمل كل من لا ينتمي إلى “العرق الآري” المزعوم. فعن الأفارقة الزنوج، يقول بوضوح مخيف: “العنصرية تنكر حق البقاء لكل عنصر ضعيف وضيع يحاول الاختلاط بالعناصر المتفوقة، لأن عالماً تجتاحه سلالة الزنوج لا بد له من الاضمحلال بعد أن تتشوه فيه مفاهيم الحق والجمال”. هنا يتجلى قبح رؤية هتلر للتاريخ والإنسان وحتى للحق والجمال. بل يكاد المرء يجزم بخلو نفس هتلر من أي نزعة جمال أو معرفة بالحق، ما دام معيارها يقوم على تلك النظرة العرقية القبيحة التي أفصح عنها.
والمفارقة الكبرى تظهر في حديثه عن اليابان، تلك الأمة التي سيتحالف معها لاحقاً في الحرب العالمية الثانية.. إذ يقول هتلر: “فإذا تقلص تأثير أمريكا وأوروبا في اليابان، فلا تلبث أن تتغلب على معالم الحضارة خصائص الشعب الياباني، فتعود إلى نومها العميق الذي أيقظتها منه الحضارة الآرية منذ سبعين عاماً”. وهنا، وبعد مضي أكثر من تسعة عقود على تلك الترهات، ها هي اليابان تنهض بحضارة مبهرة دون عون من أوروبا ولا من أمريكا، وتفرض نفسها كواقع حضاري وتكنولوجي له خصائصه الذاتية، وتتغذى على إرثها الثقافي العريق بمعزل عن “المؤثر الآري” الذي يتفاخر به هتلر. إن اليابان اليوم تتفوق على كثير من الدول الأوروبية في مجالات التكنولوجيا والابتكار والتنظيم الاجتماعي، حتى صار يصدق عليها الوصف المبدع (كوكب اليابان) وهو ما يجعل من نبوءة هتلر مثالاً صارخاً على فشل النظرة العنصرية في فهم التاريخ والحضارة.
وبنظرة مجملة لما أورده هتلر في كتابه تجعل المرء يصل وبسرعة مذهلة إلى أن حصيلة الرجل المعرفية كانت صفراً.. في التاريخ، والإيدولوجيا، والأديان، والأنثروبولوجيا، والثقافة والذوق والأدب أما في السياسة فهي صفرا كبيرا يحتوي كل تلك الأصفار. فالهزيمة التي مُني بها هتلر لم تكن هزيمة عسكرية، وإنما كانت هزيمة لنظرية اقتصادية عقيمة لا تؤمن بالإنتاج بل بالنهب، وهزيمة لمنظومة أخلاقية مشوهة لا تعترف بالحق الإنساني المشترك. وتتأسى بمنطق العلاقات بين الأمم في حالة الرفض لمقتضيات الحرب والسلم ومبدأ القوة…
ويبقى السؤال الجوهري: كيف صعد صاحب هذا الفكر المحل والعجول إلى حكم ألمانيا؟
قد يكمن السر بعيداً عن عبقرية هتلر المزعومة، وتحديداً في هشاشة اللحظة التاريخية. حيث كانت ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الأولى أمة مجروحة.. اقتصاد منهار، كرامة قومية مسحوقة، ونخب سياسية عاجزة عن تقديم أفق مقنع. في مثل تلك اللحظات، لا يشترط صعود العاقل، وإنما يصعد من يُجيد تسويق الغضب، والاستثمار في الوجدان المهيض بمنح الجماهير تفسيراً بسيطاً لأزمة معقدة، وعدواً واضحاً يغنيهم عن طرح أسئلة مؤلمة.
إن خطورة “كفاحي” إذن تتجاوز قيمته الفكرية – فهو فقير في هذا الباب – لتكمن في كونه مثالاً صارخاً على كيف يمكن للأفكار السطحية، حين تتغذى على الخوف والمهانة، أن تتحول إلى قوة مدمرة. وهذا ما يجعل العودة إلى نقد هذا الكتاب اليوم أمراً ملحاً، لا من باب نبش الماضي، وإنما من باب قراءة الحاضر.
فالعالم الذي يضج بالتعقيد، ويبحث عن حلول سريعة، ويُعيد إنتاج خطاب الكراهية والشعبوية، هو عالم يُعيد – دون أن يشعر – تهيئة الشروط ذاتها التي سمحت يوماً لصعود هتلر. فالتاريخ، كما هو معلوم، لا يكرر نفسه، لكنه كثيراً ما يعاقب الذين لا يتعلمون منه.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم