قرشي محمد حسن: طيران منخفض للفراش الحائر! .. بقلم: د. مرتضى الغالي

 

هذا الصوفي المهدوي الرقيق الودود الشاعر الأديب الباحث المحقق الصحفي الإعلامي البرامجي كان من نسيج خاص! يمشي على الأرض هوناً ولا يقول إلا سلاماً.. وكان يؤثر التغاضي عن الشحناء والبغض، ويسبغ المحبة على (الدغالة)، ويحب دائماً أن يتمثّل ببيت شعر يقول: ليس الغبي بسيّدٍ في قومه.. لكن سيّد قومه المتغابي!

هو صاحب المجلدات الأربعة في الشعر الصوفي والنبوي والمهدوي وقد كتبها وأعدها بعد سياحة وتنقيب وسفر وعناء ومضى يكمل مهمته بغير سند ولا عون، عفيف النفس (خفيف الجيب)! وهو الذي ترأس مجلة (هنا أمدرمان) في إحدى فتراتها الزاهية وقد أصبحت مجلة الإذاعة والتلفزيون، وعمل في الصحف الإستقلالية وطنياً متجرداً، وقدّم لسنوات طوال البرنامج الرائد (أدب المدائح) حتى أصبح أمثولة بين مختلف الفئات الشعبية؛ فإذا أراد أحدهم أن يعبّر عن ضيقه من شئ أتعبه “مثل المؤتمر الوطني” قال في سخرية: (أدب المدائح)!! وهو الذي كتب الأغنيات الرومنتيكية التي شقت طريقاً مختلفاً؛ ومما عنه (بسند صحيح) أنه هو الذي جمع بين عثمان حسين وحسين بازرعة.. فتأمل أجر هذه (الصدقة الجارية)!

لم يرِدْ أن يجاري اللازمة الشعرية المباشرة التي تشبّه الخدود بالزهور، فنحا إلى الإبداع التصويري وهو إبن بيئة محافظة.. فماذا قال؟ طاف الفراش الحائر.. مشتاق إلى زهراتك! وربما لطبيعته التي ترفض الأحكام الذاتية وتتواضع للمنطق و(الرأي الآخر) تجده يقول في هذه الأغنية بعد أن شرّق وغرّب: أنا حكمي لو كان جاير.. حكِّم سواي في جمالك!

ولكن هل كانت (الفراش الحائر) مجرد أغنية عابرة؟ أم انها أحدثت تلك النقلة البديعة في ابتدار المقدمة الموسيقية التي تمثّل رؤية وسماع رفيف أجنحة الفراش الممراح الذي يتزاحم ويترادف بألوانه البديعة وهو يطوف في حيرة وحياء حول الوجنات الزاهية! هذه هي المسحة الصوفية الجمالية التي كانت طابع جميع أغنياته المعدودة بغنائيتها العالية التي يناجي في معظمها (خمر المعاني) لا خمر الحان، ويخاطب ندامى هذه الراح الرمزية! تجد هذا في أغنية (خمرة العشاق): عندما تغفو الأزاهر في الربى؛ أما الأغنية التي كانت أيضاً بمثابة )التحويلة المهمة( في سكك حديد الأغنية السودانية فهي (اللقاء الأول): يا حبيبي أقبل الليل علينا..وحباب الكأس يخبو في يدينا..وهي أغنية جريئة تكشف عن (القوة المعنوية) لهذا الرجل رغم الرقة الظاهرية والسمت الهادئ! ثم الأغنية الجميلة (نجوى)التي غناها الأمين علي سليمان: أنا إن أقبل الليلُ وأغفتْ فيه عيناكي.. وأغنيته (نجوى) لحسن عطية (لا تسمعي قول العوازل إنني بك مُستهام)!
إذن هو يجمع بين الشاعرية وله أكثر من ديوان، وبين الأغاني التي سارت بها الركبان، وبين النشاط الصحفي الوطني والثقافي، والإذاعي والمرئي البرامجي، والبحث والتنقيب والتأليف وإعداد التصانيف، والمعرفة الواسعة بالمديح وألوانه: من إنشاد وقصيد وطار وصيحة؛ وقد استمر يقدّم (أدب المدائح) من 1958 إلى 1985، ويجلو فيه عن ثراء المديح: بيئته وأساليبه وسيرة مؤلفيه ومنشديه وإيقاعاته الغنيّة من حربي ومربع ومخبوت ودقلاشي.. وهلمجرا..!
هذا رجل سوداني لطيف.. كنّا نراه يسير في أزقة أم درمان مثل النسمة الحلوة في نهار الصيف!

murtadamore@yahoo.com

عن د. مرتضى الغالي

د. مرتضى الغالي

شاهد أيضاً

مؤتمر ميونخ: العالم يرتعد والبلابسة يتشاكسون حول عطاء جسر الحلفايا وإيجارات منازل الوزراء..!

مؤتمر ميونخ العالمي للأمن هو مؤتمر تداولي دوري يعقد كل عام ويحظي باهتمام كبير، وتوضع …

اترك تعليقاً