قرش الرطانة: الشيوعيون والثقافة … بقلم: د. عبد الله علي إبراهيم

 

الشيوعيون والثقافة:

 Nassir Al Sayeid [anassira@msn.com]

1-قرش الرطانة: الشيوعيون والثقافة

أشركني معرض الخرطوم للكتاب في ندوته عن منزلة الثقافة في برامج الأحزاب السياسية التي انعقدت بالنادي العائلي بالخرطوم. ووفر لي هذا قرصة قراءة الجزء الخاص بالثقافة في برنامج الحزب الشيوعي بشيء من التركيز. وقد وقفت عند إيجابيته وسلبه.

من جهة الإيجاب وجدته شديدة العناية بمصائر اللغات غير العربية. فهو يدعو لرعايتها والتوسل بها للتعليم الأساسي وفق مستلزمات تربوبة تطلق عقدة لسانها للمساهمة في الحوار الوطني من أجل التغيير. وهذه خصلة في ديمقراطية اللغة التزم بها الشيوعيون دائماً في حين اتفق للآخرين أن يضحوا بتلك اللغات لأجل وحدة وطنية موهومة لسانها عربي فحسب. واحتقن أبناء القوميات غير العربية من هذا الإزراء بثقافتهم. ورأينا مؤخراً كيف تبنت الحركة السياسية للثقافات السودانية غير العربية مظلمة أهلها من التعريب عنتاً وبالجملة. فذكروا "قرش الرطانة" الذي هو غرامة تٌجبى من التلميذ الذي يٌلقى عليه القبض يتحدث بغير العربية في حوش المدرسة. وفي الواقع فإن "قرش الرطانة" هو سياسة في فرض اللغة استنها الإنجليز في زمانهم لإستئصال اللسان العربي في بئية المدرسة اليومية لتخلو للغتهم. بل كان هناك امتحان يعقد لموظفي الخدمة في الجنوب من اجتازه كسب ترقية ومن "قداه" خسر درجة. وقد عبر جنوبيون عن ضيقهم بالإجراء بعد ثورة أكتوبر 1964 ونجحوا في الغائه. وقد فصّلت موقف الشيوعيين الثابت في السماحة تجاه اللغات غير العربية في كتابي "الماركسية ومسالة اللغة" فأنظره.

ومن جهة الإيجاب أيضاً قول البرنامج إن شرط البعث الثقافي هو الحرية. وزاد بأنه ليس "للدولة أن تطلب بعث الثقافة الديمقراطية بالقهر والتحكم أياً كانت أداته. وإنما بالتشجيع والتمويل وإنشاء البنيات الأساسية فيخرج من أعماق الشعب المبدع والمتلقي". وحصر البرنامج خروجهما بالفن الشعبي "والبروليتاريا" بغير ضرورة بالطبع. 

وضربت في الندوة بالنادي العائلي مثلاً على مطلب الشيوعيين اقتصار الدولة  على إعانة المبدعين والكف عن توليد الثقافة بالآلياتها من وزارة ثقافة ومجلس لرعاية الفنون والآداب مثلاً. لما قام المجلس القومي لرعاية الفنون والآداب (أو ما أشبه) في نحو عام 1970 ناصبناه في منظمة أبادماك للكتاب والفنانين التقدميين العداء. فقد رأيناه مجرد وحي مصري لم يمر بمصفاة فكرنا وتجربتنا الثقافية. فقد أرادت الدولة من المجلس (ووزارة الثقافة بعده) أن يضخ النهضة الثقافية في البلاد. ولم يحدث هذا بعد برغم جهود أفضل رموزنا الثقافية الذين عملوا في أجهزة الدولة الثقافية مثل الدكتور محمد عبد الحي وأبو ذكرى وغيرهم.

وأذكر أننا كتبنا في أبادماك عرضحالاً لمجلس قيادة الثورة نعترض على قيام ذلك المجلس بوظائفه المعلنة في القيام بالبعث الثقافي أصالة عن نفسه. وقلنا أن الدور الأصح للمجلس ان يكون "بنكاً للثقافة" تودع فيه الدولة ميزانيتها للنفرة الثقافية. ويتلقى المجلس مشروعات ثقافية من أفراد وجماعات في منافسة مرتبة للحصول على تمويل للمشروع. فيعرض المجلس هذه المشروعات على محكمين لتقويم قيمتها الإبداعية بالنظر إلى سلامة العرض ومعقولية ميزانيتها. ومتى قرر المجلس الفائزين على ضوء قول المحكمين انصرف إلى التمويل وجدولة تقارير الأداء والإنجاز. وكفى. فليس من شغل المجلس أن يصدر سلسلة كتب او مجلات مثلاً. فمهمته تقتصر على تمويل مشروعات لسلسلة كتب أو مجلات مما يتقدم به صحافيون ومبدعون. ويكفي ما نراه من إضطراب مجلة "الثقافة السودانية" (التي هي نوارة مصلحة الثقافة) "غيب وتعالا". 

وفي كلمة الغد نعرض لما لم يسرنا في برنامج الحزب الشيوعي للثقافة.

 

 

2- في غم وهم . . . فنادني

 

قلت أمس إنني تحدثت بندوة معرض الخرطوم للكتاب عن ما جاء في برنامج الحزب الشيوعي عن الثقافة. ووجدت أنه تمسك بقوة بموقف قديم للحزب عن بعث اللغات المحلية غير العربية وضروة أن تقتصر الدولة على بذل المال للثقافة لينهض بها المثقفون ومنظماتهم. فليس من شغل الدولة التورط في الثقافة بأكثر من كفالتها كما وصفنا.

وهذا كله حسن. من الجهة الأخرى وجدت البرنامج مصاباً بحداثة ضريرة. فهو عظيم الوسوسة من قماشة شعبنا الثقافية. فهو يعتقد (كما ربانا الغرب أن نعتقد) أن ثقافاتنا متخلفة. وعلى الحداثي الطليعي المفتون بتقدم الغرب أن يستبدل "بدائيتنا" أنوارا. فأنظر إلى هذه الفقرة من البرنامج: "نتوسل لبعث الوعي الضروري لتحرر الإنسان السوداني من الخوف والفزع من قوانين الطبيعة، ومن غمة الجهل الذي تركه فريسة للاستغلال الاجتماعي مهما كان نوعه وللتعصب الأعمى". ولا أدري كيف يستنهض الطليعي مهما أوتي من الحيلة والعزم شعباً حاله الثقافي يغني عن سؤاله. فلم يترك البرنامج الشيوعي صفة نقص مزعوم فينا إلا شدد علىها بمثل "غمة" و"الأعمى". فالبرنامج "يتوعد" الشباب بثقافة ديمقراطية تخرجهم من "التفسخ والانحلال" فلا يستكينوا "للركود والتقليد والتبعية". وهذا اشمئزاز عجيب من ثقافة الناس الموصوفة بأنها "وعي مزيف" أيضاً. هذا باب في التئييس لا "التنهيض".

والبرنامج شديد الوسوسة من الأمية. وهذه سنة من لدن لينين الذي قال إن الأمي يقع خارج مضمار السياسة بالكلية. فهي في نظر البرنامج "عائق صلد" تحول دون انعتاق الشعب من "ظلام الاستغلال". وهي عار لا ندري أمام من؟ ووجب السؤال هنا كيف وجد الشيوعيون شعبنا "الأمي" خلال الأربعينات والخمسينات حين استنهضه في حركة شعبية نادرة المثال؟ ألم يجدوا في الأميين طاقة وعي منقطعة النظير؟ ثم ماذا لو سألهم سائل كيف تبنون نهضتكم الثقافية على كراهة الأمية في قطاع ثقافي سوداني عربي مسلم مثاله نبي أمي؟ 

واستغرب مع هذا الطعن الشيوعي النافذ في ثقافة السودانيين كيف وجدوا سبباً لبعض تقديراتهم الطيبة عنها. فالبرنامج يقول إن النهضة الثقافية ستطور تقنيات الشعب المتوارثة  وكذلك تبدأ من "ما لشعبنا من سليقة ديمقراطية". أنظر جمال هذا الوصف الأخير وعقله. وهذه قريبة من وصف أستاذنا عبد الخالق محجوب لفعلنا في ثورة أكتوبر 1964 بأنه من "عبقرية الشعب". ووجدت العبارة ساغت للإمام الصادق مؤخراً واستخدمها بنباهة. ولكن من أين خرجت علينا هذه السليقة الديمقراطية وحال ثقافتنا في غم وهم . . . فنادني يا طليعة!.

مصدر هذا الاضطراب بين الغم والسليقة أن للشيوعيين  فكرة قديمة مؤداها أنهم في الثقافة الديمقراطية يطورون الإيجابي ويرمون بالسلبي في سلة المهملات. ولم اجد هذه الحجة في البرنامج في وضوحها القديم. ولكنه كامنة. فمثلاً يقول البرنامج أنه سيحارب ما في تراثنا متعدد المصادر من "تخلف وانغلاق وقهر خاص في شأن المرأة والطفولة" في حين  يعزز جوانبه الإيجابية. ويسكت البرنامج عن هذه الجوانب الإيجابية ولاينطلق لسانه إلا حين يبكت ثقافة السودانيين ويتوعدها بثقافة ديمقراطية يبرأ بها الغائر "في جسد شعبنا من دمامل ". فهو يذكر نهوضنا ضد المستعمر وينسب إلى ثقافتنا تطلعاً عظيماً للمستقبل من الصعب تصوره في سياق المصطلح الحداثي المسيء الذي نظر به البرنامج إلى ثقافات السودانيين. 

يبحث الشيوعيون عن سبب محنتهم الراهنة في الثرى والثريا. ولكنهم يبعدون النجعة. فبمثل هذه الحداثة المستفحلة التي يشمئزون بها من ثقافة غمار الناس  لن يوفقوا إلى استرداد الوشائج الحيوية الغائرة التي قال الكاتب النيجيري شنوا آشيبي إن صفوة الأفارقة قد جذمتها. 

عن د.عبد الله علي ابراهيم

د.عبد الله علي ابراهيم

شاهد أيضاً

في عيد المرأة

الشيخ العجيمي: الفقير والنساء في مجتمع القرى التي بلا رجال عبد الله علي إبراهيم تجاذبتُ …

اترك تعليقاً