قصة آدم .. للروائي ( عاطف عبد الله) .. بقلم: عبد الله الشقليني

قصة آدم 
فوق الأرض .. تحت الأرض ،
أفق مفتوح على  الدنيا والأحداث ، وتفاصيل التفاصيل . وحياة لها  في دروبها التي اختطت ، مساحات تذوب في بِركة المجتمع وثوابت أخلاقه والقيَّم  .تكشف عري الأجساد ، وحبائل الاشتهاء ، و تتساءل عن جدوى الحياة بين الأسْقُف المفتوحة والفواصل الحاجبة  التي تنهض بين الناس . وكشفَ الانفلات من ربقة قوانين المجتمعات التي كان الانقياد إليها عادة متوارثة ، والخروج عنها غريب كل الغرابة  . هذه هي  الدنيا كما تصورها الراوي  في ( قصة آدم ) وأخذ يعيشها  ، وهو ينظر الدنيا بمنظار مراوغ ، فلسفة حياة وممارسة. يرى كل شيء ، ويعيش كل الذي يراه . وجد  الراوي نفسه  منذ الاطلالة الأولى على الدنيا ، أنه يختلف عن البشر الذين إليهم ينتمي ، لا يبكي كما اعتاد الأطفال الذين يدخل الأكسجين رئاتهم أول مرة ، بل صمت و انتظر . وضحك آخر الأمر بفعل فاعل ، لذا كانت طفولته مقدمة لما سيأتي في مُقبِل أيامه .
(1)
تنزلق الرؤى متسلسلة . تهوي كل الطرقات  إلى المصائر المأساوية . ويجد بطل الرواية حياته وسط تعاريج الدروب التي سلك. لغة سلسة  تحكي عنا لأهواء والاضطراب والسكون والاشتعال . خداع بألف وسيلة حتى يصل المتعة الجسدية التي يرغبها، وروحه لا تشبع  . حياة تذهب في الغواية إلى العمق .تعبث بالحياة الاجتماعية والثقافية في فوضى لا تلملم أطرافها إلا لتتجدد مرة أخرى  . فلسفة حياة ، لا تقدر  أنتَ على وصفها أو ترتيبها  ، فالبوهيمية جزء من محصلة الأوصاف المتآلفة و المتناحرة للراوي . لا الهجرات إلى العالم الأول قد عدّلت من مسارات حياته ، ولا الحياة الرغدة استطاعت تعديل خطواته المتصاعدة إلى  هرم  الجنس . يعبر للوصول إلى مُبتغاه كل الصعاب ، ينسج نوله في أحشاء الليل ، ينام ولا ينكسر . لم يستطع السجن الذي دخله في العالم الأول ولا السجن المُذلّ الذي دخله في موطنه أن يغيرا فوضى حياته .
*
الكرم الذي لا سقف له  والفوضى ثوابت في محطات حياته  . وفق الذين يعرفهم ، يهب المال  لمن يستحق العواطف ، لأن اختلافه الاجتماعي لا يجعله متوائماً مع عواطف الذين ينتمون إليه  . المال لتخفيف ضرر انتهاك المعتقدات وتعويض عن عواطف مفقودة أو مشاعر متناقضة  . الخداع في مقابل الثقة .الجنس في وجه كل العواصف الحياتية، سبيل ليخرج من مأزق  ويدخل آخر  . ابتذال في وجه العقائد وفتور انتماء للأسس الثابتة أنّا كان مصدرها  . 
(2)
الراوي في مِتن القص، متفرجاً على مسارح الحياة الدينية التي رآها في مسلك الناس و هو الكائن في نظرهم و الملطخ بالرذيلة إن عرفوا حقيقته الكاملة  . كل قوائم الممنوعات لم تصمد أمامه ، كل الثوابت الاجتماعية حبال خداع يلفها حول أعناق ضحاياه . كل التجارب تحاول أن تبقيه على صراط الناس ونواميس مجتمعاتهم على اختلافها، ولكن الحياة الفوضوية  هي الجرثومة التي لا يقتلها الزمن . لا الصقيع  أسكنها البيات الشتوي ولا الحرّ أحرقها  ، فهي في ديمومتها لا تؤثر فيها الجغرافيا ولا التاريخ  . تصنع الجرثومة الكامنة في منبع روحه  من الأسئلة منهاجاً لفضح مؤسسات الضبط والربط . يتسلل من قيودها عندما يجد الحيلة وأحياناً بلا سبب مُقنع . يذهب الراوي في الحياة بمثل وقيم جديدة . لا يحفل بالمال وإن تكدّس عنده ، ولكنه يرى الإنسان لا كما تراه المجتمعات . يحاول صناعة الخير واسترخاص أسباب الغنى، ويسعى كل جهده ليبعثره. بقدر ما يمتلك ، بقدر ما يهب الآخرين ما يملُك . ليست له حسابات للإنفاق ليتراجع  ، كأنه مؤتمن على المال يفرقه للذين يستحقون  دون مراجعة عقله ،ودون أن يحسب للزمان الذي يرحل والمستقبل الآتي  . للقرش الأبيض عنده  أينما يكون يجد له يوماً أسوداً  بالإنفاق حيثما استطاع إلى ذلك من سبيل . يجد نفسه يكاد أن  يكون معدماً يبدأ من الصفر من اثر كل عاصفة جامحة . سهل عليه الاغتسال من الماضي ، وتكوين حياة جديدة .
حياة الراوي  تجسيدٌ للفرد الذي يؤثر جوهرياً في  مصائر الآخرين دون أن ينتظر العواقب ، ويغيب هو عن المشهد . بهذا التكوين المُركّب ، جاءت شخصية بطل الرواية ، فوق كل الأوصاف التي لم نكن نعتقد في وجودها . له ضمير يطرب للمأساة ، ويصانع الرغبات حتى تفتح له الطريق إلى جنته التي إليها يأوي .
(3)
الأسئلة التي يطرحها الراوي واستبطانه المنهاج الوجودي الفردي ، في الحياة  التي يحاور فيها نفسه  أو الآخرين ، تمثل معارك اجتماعية وفلسفية وسلوكية ، تحاول أن تطرح جدوى النُظم في ضبط  الأفراد  في تساؤل كبير . ربما يكون الراوي فرداً مُتمرداً خرج من بطن التراتُب “الآدمي” كمصطلح  متكرر في قريته التي فيها نشأ ،فهو لا يقيم وزناً للذين يختلفون عنه . رأيه يقوله بلسانه ، وأعماله هدماً لقيم الآخرين ، والسُخرية منها .
أسئلة كثيرة تقيمها الرواية وبطلها ، وتطرح حالة انعتاق من ربقة القيَّم والمُثل التي بناها ويبنيها المجتمع ،في محاولة مستميتة لترويض العقل الباطن و كبح الشّهوات ، لتكن كما أرادت لها  المجتمعات . فبطل الرواية حالة متضخمة للنزوات التي تحاول الخروج عبر ثقوب الأسوار والممنوعات .
*
لقد صنع الكاتب الروائي ( عاطف عبد الله ) في( قصة آدم ) لكل فرد من شخوصه ملفاً لحياته . قص مثير يطرح البناء الاجتماعي وجدوى وجوده . تأتي الأحداث  كأنها تحمل تناقضات الدنيا ، ولكن هذه الحياة التي يحيا بطلها، تجعلُك تتعاطف معه في بعض الأحايين ، إذ إن  المُثل والقيِّم قيود في حاجة للنظر إليها من علٍ أو لإعادة النظر فيها من جديد .  
هل يُحْكمُ على الإنسان أن يكون ترساً في ماكينة أو عربة قطار سكك حديدية ؟ 
هل للفرد خياراته الاجتماعية والثقافية التي  تميزه عن غيره ، أم يعيش إخصاءً لرغائبه المنفلتة ؟
العقل الباطن بكل انفعالاته وانطلاق رغباته في وجه العقل الواعي ، هو الصراع الذي أجده يكشف عن نفسه في قمم الصراع في ذهن  الراوي وبينه وأصدقائه الأقربين  . الهدم في وجه السلطات المكتسبة مسلكاً متنامياً في كل انعطاف .
(4)
سرّبت لنا الرواية  من خلف الأمكنة والدروب عرضاً لحال الوطن ، سلطته الحاكمة وسجونها ، وفسادها المستشري . فهي بيئة أخرى احتاج الراوي أن يعيشها ليتعرف على الحياة في وسط عاصمة موطنه ،وبين مراكز  المتنفذين في السلطة . وعندما اقترب الراوي بتلقائيته  من تلك البؤر، لسعته النيران  . ساقته لمحبسه  عُجمة اختلاف الأعراق التي صارت تميمة كل بلاء .
*
قد تجتمع عناصر بعينها في فن القص ، من لغة ومعها حمولاتها الثمينة  وغناها الثقافي  وعناصرها المتشابكة من جهة ، وشخوص وبيئات متنوعة في الزمان والمكان .مفاجآت ، وسلاسل متصلة من الأحداث ، لتكون عناصر جذب للقارئ . ولكن الرواية لا تترك لك خياراً ، إلا أن تقرأها كلها دفعة واحدة دون توقف .
عملٌ جديرٌ بالقراءة دون شك . لقد وجدت الرواية  لنفسها  مقعداً  بين  مصاف الروايات العربية المتميزة ، إن لم نقل أكثر تميزاً . فالحكم لمن يقرأ  أولاً وأخيراً .والخروج  من تلافيف أستار التواضُع ، يجعلنا نعتقد  أن الروائي ( عاطف عبد الله ) قد شيد قصراً روائياً  منذ زمان ، معروض هو للتنزه في بساتينه المورقة  وقت يشاء العابرين والعابرات .
*
الرواية في حجم مغرٍ ،من منشورات دار الياسمين للنشر والتوزيع  – الشارقة- الإمارات العربية المتحدة الطبعة الأولى 2015. 
عبد الله الشقليني
7 يناير 2015
abdallashiglini@hotmail.com

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً