د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
شيء ما كنا نضن به،
جعلنا ضعفاء،
ثم أدركنا أن ذلك الشيء هو أنفسنا،
كنا نضن بها على أرض الأحياء.
… ويواصل روبرت فرست، قائلاً، باستسلام ولكن بدون اذعان وبدون رضوخ وبدون خضوع، ولكن باستجابة لدواعي البذل والعطاء. أو هكذا قال عنه الطيب صالح وهو يفكر في السودان.
حينئذ وجدنا الخلاص في الاستسلام،
فأعطينا على علاتنا،
أنفسنا من أنفسنا، بلا تحفظ”.
وقد درج المرحوم عبيد عبد النور-والكلام للطيب صالح-، الذي كان استاذنا يدرسنا تاريخ الدولة الأموية وتلك العباسية في مدرستنا (وادي سيدنا) الثانوية، أن يردد دون ملل ولا كلل عبارة “المُلك عقور”، وفي بعض الأحيان يقول “المُلك عقيم”. وكان يعجبه لدرجة العشق قول الشاعر شوقي:
لبست بُرد النبي النيرات
من بني العباس نوراً فوق نور
وهو الذي أنشد ذلك النشيد الذي حدا به الناس في ثورة 1924م، ثورة الجيش ضد الانجليز:
يا أم جدايل قُودي الرسن
وأهتفي فليحي الوطن
منذ زمن ليس بالطويل ممكن أن يقاس بقليل من السنين أو بالسنوات، يقول أمارتيا سن، انه كان عائداً الي إنجلترا من رحلة، ليست بالطويلة، ويقول سن بأنه كان عندئذ رئيس كلية ترينيتي في كامبريدج، وفي المطار المشهور، هيثرو، فتش ضابط الهجرة المسئول أو قل فحص جواز سفري الهندي بدقة وبعناية فائقة، ثم وجه الي سؤالاً فلسفياً فيه بعض التعقيد. وهو يتطلع الي عنوان بيتي المكتوب أو المطبوع في استمارة الهجرة (منزل رئيس الجامعة، كلية ترينيتي، كامبريدج)، وكان سؤاله، هل رئيس الجامعة، الذي اتمتع من الواضح بكرم ضيافته، صديقاً عزيزاً ومقرباً لي. وهنا أخذت لي وقفة لبرهة من الوقت، حيث كان واضحاً أنه ليس من الإمكان أن أدعي بأنني مقرب لذاتي.
وبعد لمحة تأمل أو قليل تأمل، توصلت الي خلاصة، خلاصتها أن اجابتي لا بد أن تكون “بنعم”. لأنني غالباً أو دائماً أو أحياناً ما أتعامل مع ذاتي بمودة مشهودة ومعروفة وواضحة. وإضافة الي ما قلت، فكنت عندما ينزلق لساني بأقوال غير لائقة، سرعان ما أكتشف أنه مع أصدقاء مثلي. فأنا ليس في حاجة الي أعداء. ونسبةً لأن ذلك قد أخذ مني بعض الوقت من أجل التفكير فيه. فأراد هذا المسئول أن يعرف سبب ترددي! وهل وجودي في هذا البلد غير شرعي؟
طبعاً تلك المسالة العملية قد تم حلها في النهاية، ولكن هذه المحادثة جعلتني أعيد التفكير، وأقول بأنه إذا كانت ثمة حاجة الي الانسان، فان هذه أو ما يسمى بالهوية يمكن أن تكون مسألة معقدة. فليس هناك بالطبع ثمة صعوبة عظيمة في اقناع ذواتنا بأن شيئاً ما يطابق نفسه، مثلاً هل أنا هو أنا؟، وهل هو نفسه هو؟
الفيلسوف فيتغنشتاين العظيم، ذكر في زمن ما، أنه “ليس ثمة مثال أفضل لعرض لا فائدة منه” من القول بأن شيئاً ما يطابق نفسه، ولكنه، واصل ليحتج بأن هذا العرض، بالرغم من أنه لا فائدة منه على الاطلاق، هو بالرغم من كل شيء وأي شيء “يتعلق بنوع معين من أنشطة التخيل”.
ويتعقد التعقيد على ما عليه عندما نوجه انتباهنا من فكرة الي أخري أي من فكرة أن يكون الفرد متطابقاً مع نفسه، الي أخرى وهي فكرة التطابق في هوية واحدة مع ناس آخرين من مجموعة أو جماعة محددة (وهو الشكل الذي يتشكل في الأغلب الأعم في فكرة الهوية الاجتماعية)
والحقيقة أو الحق أن أكثر المسائل الاجتماعية والسياسية المعاصرة تتمحور حول ادعاءات متضاربة متنافرة لهويات يائسة بائسة تتعلق بجماعات متباينة. حيث أن مفهوم هذا المصطلح (الهوية) له تأثير، بطرق عديدة مختلفة، في أفكارنا وفي أفعالنا وفي سلوكياتنا.
وقد زاملت أحداث الاعتداءات وأحداث العنف في الفترات الأخيرة حقبة من الفوضى العارمة والاضطرابات أو الاضطراب المروع. وغالباً ما يتم النظر الي سياسات المواجهة على صعيد العالم بأنها نتيجة طبيعية للانشطارات الدينية أو للانقسامات الثقافية في كوكبنا. والحقيقة تقول بأن الكون يُرى بشكل متزايد، وان يكن ضمنياً لا أكثر، كفدرالية في الحضارات أو كفدرالية في الأديان، مما يقود الي غض النظر عن كل طريقة ثانية أو أخرى يرى بها الناس ذواتهم. ويدعم هذا المنحى من التفكير افتراض عجيب وهو أن الناس في هذا الكون يمكن أن يتم تصنيفهم تماشياً مع نظام فصل انفرادي وشامل.
وفي الحقيقة أن هذا التقسيم الديني أو الحضاري لقاطني هذا الكوكب يقود الي مقاربة، انعزالية، للهوية الإنسانية. والتي تنظر للكائنات البشرية أو الإنسانية كأعضاء الي مجموعة واحدة أو منضمين الي جماعة واحدة بالضبط، والتي تصنف هنا بالدين أو بالحضارة، بالاختلاف مع أشكال التقسيم السابقة التي كانت تستند الي القوميات والي الطبقات.
وهذه المقاربة الانعزالية من المحتمل أن تكون وسيلة مثالية لإساءة فهم كل او أي فرد تقريباً في كوننا. اننا، كنا، نرى ذواتنا في حياتنا العادية أعضاء لمجموعة متنوعة من الجماعات. ونحن ننتمي الي كل تلك الجماعات، فالفرد ذاته يستطيع أن يكون، دون أي تنافس، مواطناً أمريكياً، ذو أصول كاريبية، وينحدر من اسلاف زنوج أفارقة, وممكن يكون مسيحياً، وأيضاً يكون ليبرالياً، ورجلاً أو امرأة، ونباتياً معتذر تناول اللحوم، وعداءً للمسافات الطويلة، وكاتباً مؤرخاً، ومدرساً معلماً، وروائياً ذو خيال متقد، ومن أنصار قضايا المرأة، ومحباً للتمثيل وعاشقاً للمسرح، ومناضلاً شجاعاً من أجل القضايا البيئية، ومشجعاً للعبة التنس، وعازفاً موسيقياً، ومشجعاً جميلاً لفريق المريخ السوداني لكرة القدم، وشديد الايمان بالرأي المؤمن بوجود مخلوقات ذكية هناك في الفضاء الخارجي.
كل ما ذكر من النشاطات الجمعية، التي اليها جميعاً ينتمي هذا الانسان، وفي ذات الوقت، تطبع عليه شخصية متفردة خاصة، وليس فيها ما يحتمل أن يوصف أو يُعتبر هو الهوية الوحيدة للفرد، أو فئة العضوية الانفرادية. واعتباراً لتعدد هواياتنا بصورة لا مهرب منها، فيجب علينا ان نقرر الضرورة النسبية والأهمية النسبية لصلاتنا ولانتماءاتنا المتباينة في أي سياق بعينه.
ولكل ما تم ذكره آنفاً، فانه من الضروري ومن ضروريات الحياة الإنسانية، أن نكون شجعاناً ونتحمل مسؤوليات التفكير والاختيار. وعلينا أن نعي بأن انسانيتنا المشتركة، التي لا خلاف عليها، تتعرض لتحديات خطيرة ووحشية، وذلك عندما يتم توحيد التقسيمات المتعددة والمتنوعة في كوكبنا في شكل نظام تصنيف واحد مهيمن مزعوم، يستند على الدين أو على الجالية أو على الثقافة أو على الحضارة، (مع التعامل مع كل هذه التصنيفات في إطار أو في سياق هذا التناول، بأنها أو باعتبارها ذات سطوة متفردة في الحرب وفي السلام).
وعليه فان تجاهل أو اغفال حقيقة تعدد وتنوع انتماءاتنا وأشيائنا وحاجاتنا الي التفكير والاختيار، يجعل عالمنا الذي نحيا فيه ونرتع فيه غامضاً وغير واضح، ويدفعنا نحو المنظور المرعب الذي صوره لنا ماثيو أرنولد في “شاطئ دوفر”…
وها نحن هنا وظلام مدلهم ينبسط حولنا
وقد ساقتنا إنذارات مشوشة بالصراع والفرار
الي حيث جيوش جاهلة تتصارع في ظلام الليل
اننا، فعلاً وفعلياً، مؤهلون وقادرون، ولنا الامكانية، لكي نفعل ما هو أفضل، وما هو أحسن من ذلك بكثير وكثير جداً.
قيل، “معظم الناس هم أناس آخرون”. انها عبارة غامضة ولكنها حقيقة أطلقها أوسكار وايلد. وقد يظهر هذا القول كواحدة من فوازيره العميقة والمتطرفة الخيال. لولا أنه دافع في هذه الواقعة عن رأيه بطرح حجج أو حجة قوية مقنعة، حيث قال.. (أفكارهم هي أراء أشخاص آخرين، حياتهم محاكاة، وعواطفهم اقتباسات). نحن في الحقيقة نتأثر لدرجة محيرة بالأشخاص الذين نظن أننا وهم نشترك في هوية واحدة. أن المرارات الطائفية يمكن لها أن تنتشر كانتشار النار في الهشيم. كما لاحظنا ذلك ورأيناه رأي العين في كوسوفو وفي البوسنة وفي رواندا وتيمور وفي إسرائيل وفلسطين وفي السودان، وأماكن عديدة ومناطق كثيرة أخرى في أرجاء هذا الكون. ومع التشجيع التحريضي المثالي المؤثر، من الامكانية أن ينقلب، وعي راسخ رسوخ الجبال منذ الميلاد بهوية مشتركة مع جماعة من البشر، الي سلاح عنيف باطش يوجه بوحشية مفرطة ضد جماعات أو جماعة أخرى.
والواقع يحدثنا بأن الكثير من النزاعات ومن الأعمال الوحشية في هذا الوجود ترضع من أشطر هوية وهمية متفردة لا اختيار فيها. وهناك فن انشاء ورعاية الكراهية يأخذ أشكالاً لإثارة القوي السحرية لهوية وهمية مزعومة السيادة ومدعية الهيمنة تغطي وتحجب كل الانتماءات الأخرى. وعندما تُطلى هذه الهوية بطلاء ملائم متحفز للقتال، يمكن، كذلك، أن تنتصر على أي تعاطف انساني أو أحاسيس ومشاعر شفقة فطرية طبيعية غالباً تكون مغروسة فينا ولها وجودها في نفوسنا طبيعياً، والنتيجة، بدون شك، تكون عنفاً وحشياً مفرطاً مصنوعاً داخل الوطن، أو ارهاباً مراوغاً ومدبراً على مستوي كوني.
نواصل
bakoor501@yahoo.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم