قصة رحلة معلم مخضرم (نشرت على سودانايل) .. بقلم: د. طبيب عبدالمنعم عبدالمحمود العربي/المملكة المتحدة
9 يوليو, 2020
د. عبدالمنعم عبدالمحمود العربي, منبر الرأي
57 زيارة
الاستاذ فضل المولى قرشي
أطيب تحية
زادك المولى فضلاً وبركة ورحمة من عنده ، والقومة لك ولكل معلمينا الذين على أكتافكم سلم المجد مع الكثيرين قد تسلقنا ومن بواطن الكلم والمعرفة عن طريقهم تعلمنا وقطفنا من حدائقها أجمل الورود .رحم الله أمير الشعراء أحمد شوقي فبحق لقد صدق حين قال كاد المعلم أن يكون رسولا، فهذا من بليغ القول الذى ينطبق خاصة على أولئك القدماء الذين كانوا معلمين من الدرجة الأولى ومربين وقدوة تحتذي.
سعدت بمقالك وذكرك لأحد من الذين صادفوك فى رحلة الحياة وانت توظف فى أحد مدارس الأبيض ، فكانت لي من ضمن سرد ذلك المقال مفاجاة أثارت كوامن شجون عفى عليها الدهر فأيقظتها من سباتها، عندما قلت أنك:
“وجدت مديرا جديدا اسمه عبد الساتر محمد عبد الساتر صارم القسمات من ابناء النهود . اهم شئ عنده التحضير وتقف امامه كالديدبان ويناقشك في الصغيرة والكبيرة وجنو وجن الاخطاء النحوية والاملائية” انتهى الإقتباس
إنه إسم أبداً ظل محفورًا فى ذاكرتنا لا ننساه. عندما دخلنا المدرسة المتوسطة والسعادة تغمرنا، السبب هو أننا سنتعلم لغة ولاد جون ونرطن كالذين سبقونا من إخواننا الكبار. كان أول يوم جديد علينا وأول الدروس الإنجليزية واستلام كتبها الجديدة التى كانت تصل من إنجلترا، وكان أول المدرسين الذي شرفنا بقامته البهية ، شاباً طويل القامة مقارنة بأحجامنا الصغيرة وكان جميلاً باسماً وجميلاً فى ملابسه الرمادية. حيانا وتحدث معنا بالإنجليزية معرفاً نفسه يقول عبدالساتر وهو يؤشر على نفسه ففهمنا أول الدرس ( Iam Abdelsatre ) وكتبها بالعربي على السبورة أنا عبدالساتر. فهو أول من علمنا ABCD ، وهلم جراً من لغة الإشارة والكلام وصرف لنا كل الكتيبات وكان جداً فوق الممتاذ بطريقته المميزة فى التدريس التي كان يتفنن فى الأداء فيها وحتي إستعمال البودي لانغويدج. للأسف لم يكمل معنا السنة الدراسية كلها فودعته مدرسة بربر الأهلية الحكومية الوسطى بالدموع وتذكرته وأنا فى المرحلة الثانوية وكنت حينها أقرأ بشغف كتاب
To Sir With Love by Braithwaite
مع اختلاف نوعية التلاميذ. بالعكس كان جاري فى الفصل هاديء الطبع حسن عثمان حاج أحمد ( المعلم الآن للغة الإنجليزية، مد الله فى عمره) يجيد غناء ياناسينا للمرحوم وردي. فعلم الأستاذ عبدالساتر بذلك وكان هو أبا الفصل لكنه لم يسأل تلميذه ولم يتعرض اه بحرج ، حتى جاء نهار يوم وداعه ، وكانت الساعة الثانية عشر ظهرًا ، وبعد انتهاء طابور وداعه فى فناء المدرسة جاء ودخل فصلنا وجلس على درج حسن عثمان وطلب منه أن يغني ” يا ناسينا” وكان والله متأثرًا جداً. مدرستنا كانت تجاور المحطة والسكة الحديد وكنا نشاهد مرور القطارات عبر النوافذ. وعند سماع صفارة قطاره يغادر المحطة جنوباً إلى عطبرة ثم الخرطوم ، طالعنا القطار عبر الشبابيك وشاهدناه يلوح من شباك القطار، وكل الفصل كان فى حالة حزن لا يصور!
هكذا كان معلمونا آباءنا وأعلاماً لا تنسى تظل ترفرف فى السموات بالمجد والنقاء ونكران الذات والتجرد للمهنة وصدق النية. اللهم أجزيهم عنا أحسن الجزاء الاحياء منهم والأموات.
شكراً على سردك قصة كفاحك ومسيرة حياة كانت كلها خيارات ودروس وتجارب علها تكون درساً ونبراسا ودعوة لشباب اليوم ليجتهدوا فالوطن يحتاج إلي سواعدهم ولا يريد شباب الدعة والخنوع
تحياتي
عبدالمنعم
drabdelmoneim@yahoo.com