قصف المستشفيات… من يملك السلاح يملك المسؤولية

علاء خيراوي
ليس هناك ما هو أكثر وضوحًا من هذه الحقيقة؛ حين تُستهدف مستشفى، فإن ما يُقصف ليس جدرانًا، بل ما تبقى من فكرة الدولة ذاتها. المستشفى هو آخر ملاذ للمدنيين، آخر مساحة محايدة في زمن الفوضى، فإذا صار هدفًا، فذلك إعلان صريح بأن الحرب لم تعد تقاتل عدوًا، بل تلتهم المجتمع نفسه. ما جرى في الضعين، أياً كان الفاعل، يضعنا أمام مشهد لا يحتمل التلاعب السياسي ولا المزايدات الدعائية. دماء المرضى لا تقبل التأويل، وصراخ الأمهات لا يدخل في ميزان “الروايات المتضاربة”. هناك جريمة وقعت، وهذه نقطة البداية، لا نهايتها.

ليست كل الجرائم سواء، لكن استهداف مستشفى يظلّ في قاع السلم الأخلاقي، حيث لا يعود هناك مجال لأي تبرير عسكري أو تأويل سياسي. ما جرى في الضعين ليس حادثًا عابرًا في حرب مضطربة، بل مؤشر خطير على طبيعة الحرب نفسها؛ حرب بلا خطوط حمراء، بلا قواعد، وبلا احترام لما تبقّى من إنسانية.
في مثل هذه الوقائع، لا يكفي أن تتقاذف الأطراف الاتهامات، ولا أن تختبئ خلف ضباب “الروايات المتضاربة”. فحين يكون السلاح الجوي، بمسيّراته أو طائراته، حاضرًا في المشهد، فإن دائرة المسؤولية تضيق، ولا تتسع. هذه أدوات لا يملكها إلا طرف محدد أو أطراف محددة، وبالتالي فإن الحديث عن “الفاعل المجهول” يصبح أقرب إلى مناورة سياسية منه إلى توصيف موضوعي.

لكن الأخطر من الفعل ذاته هو البيئة التي سمحت به. بيئة تتداخل فيها الجيوش مع التشكيلات العقائدية، وتذوب فيها الفواصل بين المؤسسة العسكرية والكتائب ذات الطابع الأيديولوجي، فتُدار الحرب بعقلية التعبئة لا بعقلية الدولة. في هذه اللحظة، لا يعود السؤال فقط “من ضغط الزر”، بل “أي منظومة سمحت بأن يصبح الضغط على هذا الزر خيارًا مشروعًا؟”

إن استهداف منشأة طبية، سواء تم بقصد مباشر أو باستخفاف إجرامي، يضع كل من يملك القدرة العسكرية تحت مجهر المساءلة. ليس لأن الإدانة جاهزة، بل لأن المسؤولية لا تُقاس بالتصريحات، بل بالقدرة والسيطرة وسلسلة القرار. ومن يملك القوة، يملك واجب ضبطها، لا إطلاقها بلا حساب.

السودان اليوم لا يواجه فقط حربًا بين أطراف متنازعة، بل يواجه خطر التحول إلى ساحة يُعاد فيها تعريف الممنوع والمسموح وفق ميزان القوة، لا ميزان القانون. وهذا أخطر من أي خسارة عسكرية، لأنه يضرب أساس فكرة الدولة ذاتها. لهذا، فإن ما جرى في الضعين يجب ألا يُدفن تحت ركام البيانات المتناقضة، بل يجب أن يكون نقطة مفصلية؛ تحقيق مستقل، مساءلة حقيقية، ووقف فوري لهذا الانحدار الذي يجعل المستشفيات أهدافًا محتملة. لأن الدولة التي لا تحمي مرضاها… لا تحمي نفسها.

إن أخطر ما في هذه الحرب ليس فقط السلاح، بل تآكل المعايير. حين يصبح استهداف المرافق الصحية احتمالًا عاديًا، أو يُبرَّر ضمنيًا تحت أي ذريعة عسكرية، فنحن لا نكون أمام حرب فقط، بل أمام انهيار أخلاقي كامل. القانون الدولي الإنساني لم يُكتب ترفًا، بل وُضع تحديدًا لمنع هذا الانزلاق، ومع ذلك يُنتهك اليوم بلا رادع. المسؤولية هنا لا تقف عند من أطلق النار أو المسيّرة فحسب، بل تمتد إلى كل بنية سمحت بأن تُدار الحرب بهذه الطريقة؛ قيادةً، خطابًا، وصمتًا. فالحروب لا تُدار فقط بالأسلحة، بل أيضًا بالخطوط الحمراء، وعندما تُمحى هذه الخطوط، يتحول كل شيء إلى هدف.

إن السودان اليوم لا يحتاج إلى بيانات نفيٍ أو اتهام، بقدر ما يحتاج إلى حقيقة واضحة، وتحقيق مستقل، ومساءلة لا تستثني أحدًا. لأن الإفلات من العقاب هو الوقود الحقيقي لاستمرار هذه المأساة. في النهاية، السؤال ليس من قصف المستشفى فقط، بل؛ كيف وصلنا إلى مرحلة يصبح فيها قصف المستشفى احتمالًا واردًا أصلاً؟ وهنا تكمن المأساة الأكبر… ومفتاح الخروج منها.

khirawi@hotmail.com

عن علاء خيراوي

علاء خيراوي

شاهد أيضاً

بين النفي والواقع؛ قراءة في دفاع أحمد القرشي إدريس عن براءة الجيش من نفوذ الحركة الإسلامية

علاء خيراويفي لحظات الانهيار الكبرى لا تُقاس قوة الأمم بعدد البنادق وحدها، بل بقدرتها على …