قضايا السلام العادلة والعدالة الاجتماعية في جنوب السودان (1)

بقلم: لوال كوال لوال
lualdengchol72@gmail.com

منذ ولادة دولة جنوب السودان في يوليو 2011، حمل الشعب أحلامًا كبيرة بالحرية والاستقرار والتنمية. لكن سرعان ما اصطدمت هذه الأحلام بواقع قاسٍ أعاد إلى الأذهان ماضي الحروب والانقسامات. لم تكن الأزمة وليدة اللحظة، بل امتدادًا لتاريخ طويل من غياب العدالة الاجتماعية وإهمال بناء مؤسسات قادرة على احتواء التنوع وإدارة الموارد بصورة عادلة. لقد ورث جنوب السودان دولة ناشئة مثقلة بالإرث التاريخي من الحروب، ومثخنة بجراح الانقسامات الإثنية والسياسية. ومع غياب رؤية جامعة لإدارة الدولة، تحولت السياسة إلى ساحة لتصفية الحسابات، وأصبح الوصول إلى السلطة غاية في حد ذاته، لا وسيلة لخدمة المجتمع. تفاقمت الأزمة حين تم تسييس الانتماءات القبلية وتحويلها إلى أداة تعبئة للحرب، بدل أن تكون مصدر قوة وتنوع، وهو ما أدى إلى انقسامات متكررة دفعت فيها المجتمعات المحلية الثمن الأكبر. العدالة الاجتماعية ليست شعارًا يُرفع، بل هي الأساس الذي يضمن التوازن والاستقرار. لكن الواقع كشف عن اختلالات كبيرة: • تركّز الثروة في أيدي فئات محدودة. • تفاوت واضح في التنمية بين العاصمة والأقاليم. • ضعف الخدمات الأساسية من صحة وتعليم وبنية تحتية. • تهميش قطاعات واسعة من الشباب والنساء عن المشاركة الفاعلة. هذه الاختلالات لم تخلق شعورًا بالظلم فحسب، بل غذّت حالة السخط وأعطت مبررًا للصراعات. المواطن الذي يشعر بالتهميش والإقصاء لا يرى نفسه جزءًا من الدولة، بل قد يتحول إلى معارض لها أو مقاتل ضدها. لذلك، فإن فهم جذور الصراع في جنوب السودان يتطلب النظر إلى غياب العدالة الاجتماعية، وليس فقط الخلافات بين النخب السياسية. عند الحديث عن السلام، يظن الكثيرون أن توقيع اتفاقيات بين الأطراف المتحاربة يكفي. لكن التجربة أثبتت أن السلام على الورق لا يعني السلام في الواقع، وأن ما لم يُعالج جوهر الأزمة سيبقى الاتفاق هشًا وقابلًا للانهيار. السلام العادل ليس مجرد وقف لإطلاق النار أو تقاسم المناصب، بل هو عملية مجتمعية شاملة تُعالج جذور الأزمة، ويضمن: • حماية حقوق جميع المواطنين دون تمييز. • إعادة توزيع السلطة والثروة بشكل متوازن. • الاعتراف بالتنوع الإثني والثقافي واللغوي كمصدر قوة لا تهديد. • بناء مؤسسات دولة تحكم بالقانون لا بالعقلية العسكرية. أغلب الاتفاقيات السابقة اكتفت بترتيبات بين قادة الفصائل، بينما بقيت المجتمعات المحلية على هامش العملية. لم تتناول الاتفاقيات قضايا العدالة الانتقالية، المصالحة الوطنية، التنمية المتوازنة، وحقوق الفئات المهمشة، وهو ما أعاد إنتاج أسباب الحرب. ولتحقيق ذلك لابد من وجود شروط لتحقيق السلام العادل: 1. المصالحة الوطنية: الاعتراف بالضحايا، جبر الضرر، وتوثيق الانتهاكات لطي صفحة الحرب. 2. العدالة الانتقالية: محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، وإتاحة المجال للمجتمعات للتعافي عبر آليات تقليدية وحديثة. 3. إشراك المجتمع: مشاركة المجتمعات المحلية، النساء، الشباب، ورجال الدين في صياغة الحلول. 4. إعادة بناء الدولة: إصلاح مؤسسات الجيش، الشرطة، القضاء، والخدمة المدنية لضمان السلام الحقيقي. إن السلام العادل ليس هدية من السياسيين، بل حق للشعب وواجب على الدولة. وإذا لم يُبنَ على أسس المصالحة والعدالة والمساواة، سيظل سلامًا مؤقتًا تُخفي تحته بذور حروب جديدة.

عن لوال كوال لوال

لوال كوال لوال

شاهد أيضاً

الدولة التي لم تكتمل: جنوب السودان من الثورة إلى الفوضى (1-5)

lualdengchol72@gmail.comبقلم: لوال كوال لوال لم تكن أزمة جنوب السودان نتاج لحظة سياسية معزولة، ولا ثمرة …