قضايا السودان… الحل الشامل مع إطلالة العام الجديد .. بقلم: نوح حسن أبكر

قضايا السودان متشعبة ومتشابكة بصورة متنافرة وهى تتعلق بتغيير النفس لا تغيير الحكومة فقد يظن الكثير أن الحرب هى الحل الوحيد لقضايا السودان وقد وقع في هذا الفخ عدد كبير ممن يسمون أنفسهم بقادة الأحزاب السياسية السودانية أو المستنيرين حتى ظن البعض أن تقدم السودان كله مرهون بتوليهم السلطة وبدونهم لا يوجد سودان وكأن السودان ورثة تاريخية وهذا هو عين الاستعمار والازدراء الفكري وكل ما يخطر ببال. وعلى هذا الأساس يعاني الكادحون ويلات الحروب كما يعاني أصحاب الفكر والتعليم العالي على مستوى الماجستير والدكتوراة من التهميش الفكري ولا تتجاوز أفكارهم النيرة الحلقوم بينما الصوت الذي يدوي ويزلزل الأرض هو صوت البندقية والمدفع حتى ولو كان حامله أُمي لا يجيد القراءة أوالكتابة طالما أنه يطرح قضية وهكذا اختل ميزان  الحق حيث اصبح الحق باطلاً والباطل حقاً مع عدم وجود تبرير لذلك.  ونحن في السودان قد عانينا من ويلات الحروب وهى حروب بين الأهل بل بين ملة الاسلام. فهل فكرنا يوماً لماذا نقاتل وهل حزب ما وصي على كل السودان وماذا نجني من هذه الحروب؟. الجواب هو أننا نقتل شقيقنا أو شقيقتنا أو أبانا أو أُمنا باسم تحقيق  أهداف العدالة فاذا كان السودان محتلاً فان الحرب واجبة علينا جميعاً أما أن نقتل بعضنا البعض فهذا ليس له تفسير بل أصبحنا أُضحوكة العالم حيث بعنا أنفسنا لأجندة خارجية وهذه القوى الخارجية لها أطماع وأهداف ويمكن لها تقديم السلاح والمال للفتنة ولكن بشروط مستقبلية استغلالية والتجارب كثيرة في الدول الافريقية التي تستعين بقوى خارجية خلال الانتخابات فقد رأينا كيف أنه بمجرد الفوز في الانتخابات تبدأ هذه القوى الخارجية في نهب خيرات البلاد واذا حاول ذلك الحزب الحياد عن الخط المرسوم فسيستبدل بغيره أو تجبره القلاقل على ترك السلطة أو تنشب حرب أهلية. لا أعتقد أن هناك نية سليمة لمن يقدم السلاح لأبناء الوطن الواحد كي يقتتلوا فلماذا لا نفطن لهذه المكيدة ونجلس كأخوان ونسعى  عبر الحوار لحل قضايانا ؟ لماذا لا نتيح الفرصة لأساتذة الجامعات الذين هم أكثر حياداً أو علماء الدين لإبداء آرائهم والسعي للوساطة بين اطراف الصراع للتوصل  الى كلمة سواء؟. من المؤسف أن العالم يسير  نحو الازدهار الاقتصادي والاجتماعي واقرب مثال لذلك الجارة إثيوبيا التي فطنت لجميع قضايا الاثنية والفيدرالية لايجداد حلول عادلة تضمن استقرار البلاد حتى أنها تمكنت من تقليص حجم البطالة من 36% الى 26%. نحن في السودان قادرون على تحقيق الازدهار الاقتصادي والاجتماعي في أقل من عامين فقط  ولكن هذا يتطلب التضحية والايمان في المقام الأول بمبدأ الحوار والثقة علماً بأننا نفتقر الى الثقة فيما يبننا وهكذا ضاع جنوب السودان بسبب عدم الثقة….. علينا أن ننزع من عقولنا فكرة الجلابة مقابل غيرهم والعربي مقابل الأفريقي أو المسيحي مقابل المسلم…. هذه القضية بحاجة الى اجتماع جامع لحسمها وأول خطوة في هذا الاتجاه وكما فعلت اثيوبيا مشاورة الاثنيات في مناطقها عن نوع التنمية التي تحتاج اليها بحيث يكون اختيارها هو اختيار الحكومة وان يكون اختيار معتمد المحلية من قبل مواطني كل منطقة مثلما هو الحال بالنسبة للوالي أي بدون تعيين سياسي حتى يتحمل مسؤوليات نجاحه أو فشله لأن المشاريع هى باختيار أهل المنطقة وبهذه الطريقة لن تواجه الحكومة المركزية اللوم كما لا تحس المحلية بفرض الحكومة مسؤولين اداريين عليها وبهذه الطريفة ينتفي الصراع الاثني ويشعر كل مواطن أنه هو الحاكم لنفسه.وفيما يتعلق بالميزانية العامة فانه يتوجب ايضاً وضع خطة متكافئة لتخفيف العبء الضريبي والجبايات على المناطق المتأثرة بالحروب لتمكينها من تحسين أوضاعها المعيشية مع ايجاد فرص التسويق لمنتجاتها في الخارج. أما على المدى البعيد فان السودان بحاجة عاجلة للعودة الى نظام الداخليات من المرحلة الابتدائية حتى الجامعة فالملاحظ أن الداخليات قد أذابت الفوارق الاجتماعية بين أبناء الفقراء والأثرياء فالكل سواسية في الداخلية واذا ما نظرنا الى خيرة المثقفين والناجحين في القطاعين العام والخاص نرى انهم من الذين تلقوا تعليمهم بنظام الداخليات وقد ساهمت الداخليات في رتق النسيج الاجتماعي  ويمكن لها المساهمة بصورة أكبر الآن مثلما ساهمت خورطقت وحنتوب ووادي سيدنا في تاريخ السودان السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فعلى المدى الطويل يمكن تحقيق التعارف بين الطلاب بدلاً من تعارفهم فقط على مستوى الجامعة. وقد يتعلل البعض بأن عدد الطلاب كبير ولا يمكن استيعابهم في داخليات ولكن لنبدأ بمدارس نموذجية في كل ولاية بحيث تجمع المدارس الثانوية فيها الطلاب من مختلف أنحاء السودان.السودان يسير نحو عامه الستين منذ الاستقلال بخطى متثاقلة ونحن لا زلنا نصارع الرياح وهوى النفس ولم نخترع حتى إبرة فلماذا لا ننظر نظرة ثاقبة  الى الماضي لنرى هل حققت الحروب شيئاً…. نعم إنها حققت شيئاً وهو الأرامل والأيتام والهجرة شبه الجماعية من الريف الى المدن حتى بات كل من يتخرج من الجامعة يسعى للحصول الى وظيفة ثم بيت في المدن الكبرى لعلمه بأن الخدمات متوفرة في المدن فقط وهذا صحيح لأنه لا يمكن له الذهاب الى مناطق الحروب للعمل او الاستثمار… أما ما يحققه السلام فهو لم الشمل في المقام الأول والتفرغ للتنمية وسينعكس ذلك على حياة المواطنين في أقل من عامين زراعيين. الميزانية المخصصة للحروب كافية لتحقيق الرفاهة الاجتماعية وسداد ديون السودان الخارجية التي تقدر بستة وأربعين مليار دولار كما أن وضع المعارضة المسلحة اسلحتها والجنوح للسلم يعني عدم وجود ارامل وايتام مستقبلاً بسبب الحروب كما سيعود كل مواطن الى منطقته ليزرع أو يرعى ماشيته  فالاستقرار النفسي في تلك المناطق يعني تشجيع المستثمرين المحليين والأجانب على الاستثمار والتصدير الى الخارج فعلى سبيل المثال يمكن تصدير لحوم المواشي من دارفور الى ليبيا والخليج جواً كما يمكن الاستفادة من فواكه جنوب كردفان وتصديرها الى الخارج مباشرة وكذلك الحال بالنسبة للنيل الأزرق….. ليس عيباً اجتماعياً أو خوفاً أن يجنح حاملوا السلاح الى السلم وحقن دماء أهلهم وذويهم كما لا تتعرض هيبة الدولة الى الانتقاص اذا اتبعت نظام الحكم الاثيوبي وملكت أهل كل منطقة حقوقهم فيما يتعلق باختيار من يحكمهكم انطلاقاً من الفريق والقرية واشباه المدن طالما أن الهدف هو تحقيق الاستقرار السياسي والاقتصادي والاجتماعي…. وقد يرى البعض أن  السلاح هو الكفيل بتحقيق العدالة ولا تفهم الحكومة الا لغة السلاح أو لا تفهم المعارضة الا قوة السلاح ولكن هذه الذرائع  حلول مؤقتة وينبغي لنا كسودانيين أن نسعى لوضع حد لهذه المأساة فالذي يموت من جراء الحروب  هو سوداني… لا بد لنا ونحن في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وفي مستهل عام 2015م أن نحاسب أنفسنا كمسلمين ونسأل أنفسنا ما هى الفائدة من الحرب في هذا العصر الحديث وهو عصر العلم والمعرفة. علينا أن نثق في بعضنا البعض ونعطي السلام فرصة  ولا نسمح لأجندة خارجية أن ترسم لنا مستقبلنا فالأجنبي أجنبي ولو أغدق عليك أموال الدنيا كلها….. علينا أن نفتح صفحة جديدة  بنظرة ثاقبة لمستقبل أجيالنا لا لمستقبلنا على الصعيد الشخصي وأن نخشى الله في حق الآخرين ولا نود أن يتعلق كل ابن كل مقتول برقابنا يوم القيامة ويقول هذا هو الذي قتل أبي فأين المفر يومئذٍ؟. لا زلت أرى أن دور العلماء كبير في حل قضايا السودان ولا بد للحكومة أن تفسح لهم المجال لكي يتقدموا بآرائهم مع تطبيقها لأن الحكومة التي تريد التقدم السياسي والاقتصادي والاجتماعي عليها الاهتمام بآراء العلماء وتطبيقها  وما هذه الاختراعات ( من موبايلات وشبكات التواصل الاجتماعي وتقانة المعلومات وطائرات وحتى الأسلحة التي  نقاتل بها والنظارات وغيرها ) وتطور الديمقراطيات في العالم الا من صنيع العلماء لا البندقية أو الاحتراب. أرجو أن تشكل الحكومة مجلس استشاري دائم من العلماء على غرار البرلمان وأن تعتمد وتطبق الآراء التي يجمعون عليها وعلى العلماء أيضاً أن يطالبوا الحكومة بالاعتراف بدورهم . إن كا أب يثق في العلماء من معلمين وغيرهم لتعليم وتربية فلذات الأكباد لصبحوا أطباء ومهندسين ومعلمين وقادة جيش وشرطة وحكام وعلماء وغيرهم فاذا كنا نثق فيهم في تربية أبنائنا فلماذا لا نثق في آرائهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية لحل قضايانا؟
muazin2@yahoo.com
/////

عن طارق الجزولي

طارق الجزولي

شاهد أيضاً

الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه

عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …

اترك تعليقاً