بقلم: حسن أبوزينب عمر
يقول محرك البحث قوقل ان راشان أوشي اعلامية ناشطة تحقيقاتها فريدة مثيرة محركة للتفاعل لأنها لم تكن تستمد قوتها في سماء التنظير بل بالتحليل الاستقصائي العلمي المسنود بألارقام . تغطياتها لم تكن تسقط على آذان صماء لكونها كانت تقتحم مناطق العتمة كشفا لأوكار الفساد التي تنخر في جسد السودان المتهالك الذي أدمته الحرب اللعينة من حثالة تخصصت في الاستثمار في الأزمات الانسانية بينما تخصصت هي في الابحار في عوالم مترعة بالغموض أبطالها مسؤولون يستغلون السلطة بصورة بشعة للسرقة والاحتيال مما كان يثير زوابعا من الجدل زادها اشتعالا الصمت المطبق من الأجهزة العدلية ازاء الاتهامات الخطيرة في ذمة هؤلاء المسؤولين سلبا أم ايجابا حتى جائتنا الأنباء الصادمة بالحكم الجائر الغرامة 10مليون جنيه والسجن عاما بتهمة (اشانة السمعة) دون تقديم الأدلة الكافية ..
(2)
تعودنا كثيرا أن نسمع في السودان جعجعة عن قيم الشفافية والحوكمة والعدل وسيادة القانون ولا نرى طحينا ولكن حتى اذا وضعت هذه الأجهزة الأصبع على الجراح المتقيحة يتم شلها بتدخلات رفيعة من الأجهزة الحاكمة والا فأسألكم بالله الذي خلقكم فأحسن صوركم من الذي باع حقوق مطار هيثرو ..من المسؤول عن اختفاء 17 باخرة سوانية ..من دمر النقل الميكانيكي من أضاع ادارة المخازن والمهمات ؟ الذي ارتكبته مليشيا الدعم السريع يعرفه كل ذو بصر وبصيرة ولكنني أسأل عن الخراب والدمارالذي حدث وراء كواليس الحكومات الوطنية .
(3)
النتيجة ان الكاتبة دفعت غاليا ثمن عفوية تحقيقاتها وهي تخوض في دغل الفساد والمفسدين ربما سقطت في الفخ المنصوب ولكنني أقول بالفم المليان ان هؤلاء (المجارمة) يعرفون جيدا كيف يخرجون كالشعرة من العجين حتى لو تمت ادانتهم بالجرم المشهود اما بالانكار أو بتدخلات من جهات عليا على طريقة (عفا الله عما سلف) .. ظواهر قطوعات الكهرباء وندرة المياه والسيولة الأمنية وتعذيب الناس بالاتاوات والضرائب (على قفا من يشيل) ولكن هل سمعتم في تاريخ السودان مسؤولا يعتذر ولماذا يعتذر وهو لا يعترف أصلا بخطأ ارتكبه ؟ هذه ليست ثقافتنا !
(4)
قبل سنوات أجريت تحقيقا مع وكيل اول وزارة الاقتصاد عن أسباب ارتفاع أسعار الفواكهة المستوردة من الخارج فهالني ما رأيت اذ اخرج المسؤول وللتأكيد ملفا عن استيراد هذه الفاكهة ثمنها في بيروت ورسوم تصديرها وشحنها وتخزينها داخل ثلاجات في الخرطوم مع بيان رسوم الجمارك واستحقاقات تاجر الجملة والقطاعي وأذكر انه ذكرلي ان صاحب الثلاجة يتقاضى 5 قروش للكيلو الواحد شهريا نظير التخزين ثم طلب منى أن أجمع هذا على هذا وأقسم هذا على هذا وصولا لسعر تكلفتها للمستهلك ..ذكر لي الرجل انه حرص على تقديم هذه الأرقام للاقتناع حتى لا تتهم وزارته زورا وبهتانا بوجود فساد في هذه الصفقات فشكرته كثيرا وتمنيت أن يكون هناك عشرة من أمثاله يتحدثون بلغة الأرقام حتى تستقيم قيم النزاهة .
(5)
في صباح اليوم التالي وفي بداية الدوام طلب مني رئيس التحرير ان أتجه لصاحب الثلاجة على جناح السرعة لتمليكي معلومات أخرى ووجدت هناك رجلا يغلي غضبا واستنكارا لحديث وكيل أول وزارة التجارة ..قال لي انهم يتقاضون قرشا واحدا مقابل التخزين وليس 5 قروش كما زعم المسؤول الكبير ..وأضاف غاضبا انه من المؤسف ان ادارة الثلاجة وجهت دعوة لهذا الوكيل لحضور حفل افتتاح الثلاجة ..أحسست وقتها بأنني كنت ضحية لعملية نصب لم تكن في الحسبان فقد باع لي وكيل اول وزارة التجارة الذي قدمت له أسمى آيات الشكر والتقدير ترماي (العتبة) واهرامات (الجيزة) ولكن كل هذا هان لماحدث لي لاحقا من احباط سببه مدير تحرير الصحيفة التي كنت أعمل فيها وهي جريدة الصحافة فقد طلب مني عدم نشر تعليق صاحب الثلاجة حتى من مبدأ الرأي والرأى الآخر خشية من ردود فعل حكومة نميري وطاشت احتجاجاتي أدراج الرياح ..وحينما اسودت الدنيا في وجهي لم أجد خيارا سوى تقديم استقالتي عن العمل لرئيس التحرير وقتها محمد الحسن أحمد بحثا عن مصدر رزق آخرفي محطتي الثانية وكانت وزارة الثقافة والاعلام وتلك قصة أخرى .
(6)
لكن ماقرأته قبل سنوات في صحيفة (ديلي ميل ) الانجليزية يستدعي التوقف والتأمل لأخذ العبر والدروس حينما يأتي الحديث عن الشفافية والحوكمة وحرية الكلمة وسيادة القانون وهي قيم لا نعرفها في أعرافنا ومناهجنا .. قال التحقيق ان مسؤولا كبيرا ينتمي لاسرة ملكية أحيل الى أحد المحاكم الانجليزية بتهمة قتل رفيقه ..انكر المتهم الجريمة وذهب الى أن صديقه جاء من الخارج في حالة سكر متأخر وكان مضرجا بدمائه نتيجة اعتداء حدث له في أحد حانات حي سوهو ..لم يكذبوه ولم ينتزعوا منه اعترافات بنزع أظافر يده بل حاصروه بالأدلة الدامغة بأنه القاتل الوحيد ..وحينما أيقن ان حبل القصاص يقترب من رقيته لجأ الى الكرت الأخير وهو أنه يتمتع بحكم منصبه بحصانة دبلوماسية وبدأ وصلة توسل وبكاء امام القاضي بعد أن تمكنت منه (الجرسة) ..فسمع من القاضي مالم يكن يتوقعه فقد أبدى تعاطفه مع حالته ولكن قال له عبارة تستحق الانحناء احتراما وتجلة :
I hope I help you but there is no body
above the law in this country
ليتني اقدم لك مساعدة ولكن لا أحد فوق القانون في هذا البلد .
مخرج للخروج
لم يكن أكثر الناس تشاؤما يتوقع أن ينتهي مصير صحفية راكزة مثل راشان أوشي الى غياهب السجون مرافقة لبائعات المريسة ومحترفات الرذيلة ولكنها ستعود من هناك قطع شك ايقونة حفرت بألأظافر اسمها في صخر الأساطير.
oabuzinap@gmail.com
