قطار السودان

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي
قطار الشوق متين (متى) ترحل تودينا
نشوف بلداً حنان أهلها.. ترسى هناك ترسينا
نسايم عطبرة الحلوة.. تهدينا وترسينا
نقابل فيها ناس طيبين.. فراقهم كان ببكينا
يا قطار الشوق متين توصل.. حبيبنا هناك راجينا
لقد تم تركيز العناية وكل الاهتمام كبداية وكأولوية على تحسين وتطوير وسائل النقل والمواصلات. وظهر ذلك في السكك الحديدية التي مدت خطها من وادي حلفا الي الخرطوم بحري مع نهايات عام 1899م، وأيضاً اكمال واتمام خط السكة الحديد الذي يربط سواكن ببربر في 1906م.
وكان ذلك بمثابة حدث تاريخي وتطور مهم وغاية في الأهمية، لأنه عمل على اتصال وربط مدن السودان الداخلية مع بعضها البعض، وبينها وبين العالم الخارجي الفسيح. وقد كان هناك ترديد للأقوال القائلة بأن ما حققه ذلك العمل لهذا البلد البكر يماثل، وأظنه، يفوق ما حققته قناة السويس للشرق ولعالمه.
وفي عام 1909م تم مد الخط الي مدينة واد مدني الشابة من أجل خدمة الجزيرة وربوعها ومنطقتها الغنية والكثيفة بالسكان نسبياً ومقارنةً بالأخريات.
ومع حضور عام 1911م، وصل خط السكة حديد الي مدينة الأبيض بكردفان. وكان أن ساعد ذلك على تطوير تجارة الصمغ العربي وازدهارها. وفي 1906م، أقيم خط كريمة-أبو حمد بهدف ورغبةً في تطوير ري الحياض في مدينة دنقلا.
وبهذا تم ربط المديريات المختلفة بشبكة من المواصلات وتم ربطها بمنفذ البحر الأحمر قبل البدء في أي مشروع اقتصادي كبير وضخم. وفي 1913م، عندما ثارت مسألة انتاج محصول القطن بمنطقة الجزيرة، ذكرت جمعية منتجي القطن البريطانية، بكل فخر وافتخار، بأن، ليس هناك مستعمرة أخرى في أفريقيا الاستوائية يمكن أن تفخر بوجود مثل هذه التسهيلات الاستثنائية كما هو الحال في السودان.
وكان لا بد للمرحلة الثانية من تطور السكك الحديدية ان تنتظر حتى نهاية الحرب العالمية الأولى. وقد كان، فقد اكتمل في 1921م خط سواكن-طوكر الحديدي، وفي 1926م اكتمل خط كسلا-حلفا. وكان اكتمال خط كسلا-القضارف في 1928م، وخط القضارف-سنار في 1929م.
وقد كانت مساهمة السكك الحديدية في العملية التطورية الاقتصادية والاجتماعية واضحة وجلية وملحوظة، وقادت الي نمو واتساع الأعمال التجارية والظهور التدريجي لطبقة أو لفئة التجار. ويعتبر هؤلاء طبقة من الرواد المهاجرين من المناطق أو من المنطقة الشمالية اختاروا أن يستقروا للعمل بالتجارة وعمليات صرف النقود.
وكان أن ساعدت هذه الخطوط الحديدية، كذلك، في تكوين فئة أو طبقة عاملة لها خبرات فنية جيدة، وشجعت وخلقت دافع لتطوير التعليم الفني في البلاد. وكان التطور العظيم الذي ارتبط بالتوسع في مد خطوط السكك الحديدية هو إقامة ميناء بورتسودان في 1909م، حيث ساعد في انتقال التجارة من مصر الي السودان، وانشاء مكاتب وفروع للشركات الأجنبية الكبرى للإشراف على البضائع بالميناء الجديد.
وعملت الجاليات الأجنبية التي تتألف من التجار ومن الوكلاء، وخاصةً التجار الهنود، بفتح مكاتب ومتاجر في مدينة بورتسودان، كما كان هناك عدداً ليس بالقليل من صغار التجار الوطنيين من أهالي المديريات الشمالية، وتحركوا الي هناك كمهاجرين لمزاولة التجارة.
لماذا السكك الحديدية؟
يُعد النقل بالسكك الحديدية إحدى الدعائم الأساسية للاقتصاد القومي، فهو الوسيلة الوحيدة بين وسائل النقل المختلفة القادرة على حمل العبء الأكبر لالتزامات النقل سواء بالنسبة للبضائع أو للركاب بين المناطق كافة وبأقل التكاليف.
وتُعد السكك الحديدية أكثر وسائط النقل البري ملاءمة للحجوم الكبيرة وللمسافات الطويلة، ومن أهم عوامل دعم التكامل الاقتصادي والتجاري بين الدول، حيث تعمل على تهيئة البيئة المناسبة لمشروعات التنمية، وتقليل تكاليف نقل السلع والخدمات والخامات.
وبفضل هذه الأهمية للنقل السككي، اعترفت الحكومات به من خلال الإشراف المباشر عليه، أو بالتحكم بعمليات تطوير هذا القطاع الهام، وذلك لما يقدمه من خدمات اجتماعية واقتصادية مهمة، ومن أهم الدول الرائدة في مجال صناعة ومد خطوط السكك الحديدية ذات السرعات العالية والحمولات الثقيلة باستخدام التقنيات التكنولوجية (الصين، اليابان، فرنسا، والعديد من دول أوروبا الغربية بالإضافة إلى العديد من دول الاتحاد السوفيتي (السابق) وأميركا …. الخ.
وتؤكد الدراسات والأبحاث الحديثة أن النقل بالسكك الحديدية من أهم وسائط النقل في العالم، فقد أسهم في الارتقاء بالمجتمعات، من خلال المردود الاقتصادي الكبير الذي يقدمه على مستوى الدخل القومي والدخل السياحي في البلد الواحد.
وعلى سبيل المثال فقد نجحت الكثير من الدول المتقدمة في هذا المجال بتطوير صناعة النقل بالسكك الحديدية، وجعلتها قادرة على المنافسة أمام قطاعات النقل الاخرى، فاليابان التي وفرّت القطارات ذات السرعات الكبيرة، والتي تتمتع بالأسعار التنافسية، ونجحت بها وفيها وعليه تم نقل التجربة إلى كل من ألمانيا، والسويد، وفرنسا، وإيطاليا، وبريطانيا، واسبانيا. لتبدأ دول أوروبا بتطوير نقل البضائع والسلع عن طريق السكك الحديدية فيما بينها، مما انعكس ايجابياً على تنمية وتطوير هذا القطاع الهام من قطاعات النقل، وأسهم في تحقيق نهضة تجارية خارجية وتحسين مستوى الدخل القومي لديها، وتصريف فائض الإنتاج، ودعم خطط التنمية، وحل مشكلات البطالة …. الخ.
ففي الاتحاد الأوروبي تُعد المجموعة الاقتصادية التي يطلق عليها (السوق الأوربية المشتركة) تكتلاً اقتصادياً دولياً مهماً، حيث أتاح هذا التكتل حرية نقل وتنقل رؤوس الأموال والعمالة والتكامل في اقتصاديات الدول الداخلة فيه، مما حقق زيادة في الانتاج وفي دعم الاستثمار، وبالتالي انعكس بشكل ايجابي على معيشة المواطن.
وتمتلك دول أوروبا ربع أطوال السكك الحديدية في العالم بمسافة تقدر بحوالي (1,300,000) كم من مجمل الخطوط الحديدية في العالم وذلك دون تجزئة الحدود فيما بينها، وتتميز السكك الحديدية في أوروبا بأنها صغيرة من حيث الامتداد المساحي.
كما ساعدت السوق الأوربية المشتركة (الاتحاد الأوروبي) على إزالة الكثير من القيود التي كانت مفروضة قبل الحرب العالمية الثانية، تلك التي كانت تعوق سرعة السكك الحديدية بين دول غرب أوروبا، فقد أزيلت القيود الجمركية ونظمت حركة النقل للبضائع والأفراد فيما بينها.
وازدهرت المواصلات السككية في أوروبا وتطورت خلال السنوات العشر الأخيرة أو قل العقدين الأخيرين وأكثر بقليل، وأصبحت متميزة في النقل السياحي وذلك بفضل العوامل الأتية:

  1. انخفاض استهلاك الطاقة في نقل البضائع.
  2. سهولة مكننة وأتمتة (Automation) عمليات النقل.
  3. الأخذ بالحسبان المحافظة على البيئة السليمة.
    وذلك من خلال تطور التقنيات وتحوّل الخطوط الحديدية إلى الاعتماد على الكهرباء في الجزء الأكبر منها والتي تمتلك الكثافة العالية للنقل، كما عملت الدول الأوربية على وصل وربط السكك الحديدية بالمطارات السياحية في أغلب المدن الأوربية مثل (فرانكفورت، زيورخ، جنيف، الخ).
    ومن المعلوم أن النقل بالسكك الحديدية أرخص أنواع النقل، بما يمتاز به من مزايا، كحمل كميات كبيرة من السلع والبضائع والمنتجات بأسعار قليلة مما يخفض تكلفة انتاج السلعة التصديرية لأقل مستوى ممكن، وتحرص الدول المتقدمة في مجال النقل السككي على إجراء الصيانة الدورية للخطوط الحديدية والعربات التي تستخدم في النقل كي تحافظ على المردود الاقتصادي الجيد في نقل البضائع والسلع والمسافرين في الأماكن التي تعمل ضمنها.

مزايا السكك الحديدية
حدثنا سعود بن هاشم جليدان (2017)، متفوهاً بالآتي… تقود شبكات النقل التطورات الاقتصادية، وتشكل مع الوقت محاور التنمية العمرانية في المدن وفي الأرياف. كما تيسر شبكات النقل حركة الأفراد ورؤوس الأموال، وتبادل السلع والخدمات بين المناطق المختلفة رافعة إنتاجية العمالة ورأس المال.
وكلما اتسعت شبكات النقل في الدولة وتعددت وسائلها ساعدت عوامل الإنتاج والمنتجات في خفض التكاليف وزيادة المنافسة. وقد كانت القطارات هي وسائل النقل الرئيسة في القرن التاسع عشر. وشهدت منطقتنا إنشاء عديد من السكك الحديدية التي كان من أشهرها الخط الحديدي الحجازي، كما ارتبطت منطقة الشام ووادي النيل بالسكك الحديدية قبل ضياع فلسطين.
يتميز السفر بالقطار بعدة مزايا لا تتوفر ولا تتوافر في باقي وسائل السفر من طيارة أو من سيارة أو من عربة. ومن أبرز تلك المزايا إمكانية التفرغ والتمتع بمشاهدة المناظر الطبيعية والمناطق الريفية والصحراوية والتضاريس والقرى والمدن والمعالم التاريخية على طول الطريق.
وترتفع أهمية تلك الميزة في الأقاليم السياحية والدول التي وهبها الله مناظر طبيعية خلابة، أو مناطق ريفية خضراء، ومعالم حضارية جذابة. كما يتميز السفر بالقطار على السفر بالطائرة والسيارة بانخفاض تكاليف السفر. صحيح أن القطار أبطأ من الطائرة ولكنه أرخص كثيراً منها، وقد يجاريها في الوقت إذا كانت المسافات قصيرة والقطارات سريعة.
وهو أوفر اقتصادياً من السفر بالسيارة إذا قل ركابها، أو في تلك البلدان التي يرتفع فيها سعر الوقود. وقد يكون أسرع من السفر بالسيارة إذا كانت القطارات سريعة ونقاط توقفها محدودة. والسفر بالقطار أقل إجهاداً لأن بإمكانك الحركة والتجوال وحتى النوم داخله دون تحمل مسؤوليات القيادة. كما يمكن للأشخاص الجادين العمل على متن القطارات، حيث تتوافر في بعض أجزائها طاولات للعمل وأفياش كهرباء وشبكات الإنترنت.
ونظراً لانخفاض معامل احتكاك القطارات وكونها من وسائل السفر الجماعية، فهي أقل تلويثاً للبيئة، حيث تستهلك كميات وقود أقل بالنسبة لكل راكب من السيارات أو الطائرات. ولهذا ينتج من استخدامها انبعاثات كربون وغازات دفيئة أقل ضرراً.
كما أن استخدام القطارات المسيرة بالكهرباء يحسن البيئة المحلية في المدن، ويساعد استخدام القطارات على تخفيف زحام الطرق ويوفر الوقت لسكان المدن التي تعاني الاختناقات المرورية، والرياض مثالاً حياً للاختناقات المرورية.
وتتفوق القطارات على الطائرات من ناحية المرونة وتعدد المحطات، حيث يمكن الصعود والنزول من القطارات في أماكن متقاربة. كما قد تتوافر في القطارات أماكن للجلوس أوسع وأكثر راحة للمسافرين. وقد تتوافر كبائن خاصة في بعض القطارات التي تسافر مسافات طويلة، حيث يمكن أن ينام المسافر أثناء الرحلات وكأنه في بيته أو في غرفة نومه.
ويعد السفر بالقطارات آمنا نسبياً، كما أنه لا يخضع للإجراءات الأمنية المشددة كما في المطارات والطائرات الأكثر عرضة للمخاطر الأمنية. كما يمكن الصعود إلى القطارات والنزول منها بسرعة، ولهذا ليس هناك حاجة إلى الحضور قبل وقت طويل من السفر، كما لا يضّيع المسافر وقتاً طويلاً في مغادرتها.
أما القطارات الكهربائية فهي اقتصادية أكثر، وهي أهدأ، وأكثر راحة، وأحدث، وأقل تسبباً للتلوث، وهي أوفر من الناحية الاقتصادية. ويمكن للقطارات نقل أعداد كبيرة من البشر وكميات ضخمة مهولة من السلع. ولكنها أقل مرونة من السيارات في استخدام الطرق، كما أن تكاليف إنشاء شبكاتها أعلى إذا كان عدد المسافرين منخفضاً أو قليلاً.
وتزيد القطارات من الحيوية ومن التقارب الاجتماعي ومن المنافسة في البلدان التي تكثر فيها. كما تلعب السكك الحديدة أدواراً اقتصادية وسياسية وأخرى استراتيجية، حيث يمكن استخدامها في أغراض التعبئة العسكرية وفي نقل المعدات والأفراد.
وترتفع أهميتها مع اتساع البلدان ومع تباعد أطرافها. وعموماً تساعد القطارات في تسريع النهضة الصناعية لإتاحتها نقل المواد الأولية والمدخلات بسرعة وبتكاليف منخفضة، كما تساعد على تسريع نقل المواد والأغذية والإعانات والبشر في حالات الكوارث وفي الظروف الطارئة. وتيسر القطارات من تنقل العمالة وهو ما يُمكن العمالة من العمل على وفي مسافات طويلة ويخفض من تكاليف الوصول إلى الوظائف.
ولكن…
رسم الطيب صالح ما رآه وما عايشه وما أحسه، بحروف قليلة، وبمعاني كبيرة، وبكاها مداداً…. ((كانت السكك الحديدية مزدهرة في ظل الإدارة البريطانية، لأنهم كانوا يؤمنون بأنها وسيلة النقل المثلى في قُطر مترامي الأطراف مثل السودان، وأنها أقل تكلفة من النقل الجوي والنقل البري بواسطة شبكة من الطرق. وقد أقرت الحكومات الوطنية في عهود الاستقلال الأولى، هذه السياسة فتوسعت في السكك الحديدية، ومدت خطوطاً إضافية الي عمق الجنوب وأقصى الغرب. وذكر السيد هاشم محمد أحمد، أن إدارة السكك الحديدية أعدت خططاً لمزيد من التوسع، ولكن كل ذلك قد توقف.
قضبان الحديد، كانت تمتد في أطراف السودان، كما تمتد الشرايين في الجسم. وكان المواطنون في قرى الجزيرة، ونجوع الشمال والشرق والغرب، يسمعون صليل العجلات وصفير القاطرات، في جوف الليل وفي ساعات الفجر الأولى، وهي غادية رائحة، فيحسون لا شك، أنهم ينتمون الي وطن حي متحرك.
وهمدت الحركة، ودفنت الرمال القضبان، وتحولت المحطات الي أطلال. حتى محطة الخرطوم في آخر شارع القصر الجمهوري، وقد كانت معلماً من معالم المدينة، قد هدت. هكذا ينتشر الإحساس بالانهيار في النفوس، وحين يتأصل هذا الشعور، يصبح النهوض معضلة)).
يا قطار الشوق.. ده ليل الغربة فيهو ودار
متين تسرع.. متين بنكمل المشوار
يا قطار الشوق متين ترحل تودينا
عشان ما نلقي فيها الناس.. ونطفي البينا من النار
نشوف عيونو نعسانه.. ولونو الزاهي كلو نضار
يا قطار الشوق حبيبنا هناك.. يحسب في مسافاتك
ولو تعرف غلاوة الريد.. كنت نسيت محطاتك
وكان بدرت في الميعاد.. وكان قللت ساعاتك
وكان حنيت على مرة.. وكان حركت عجلاتك
يا قطار الشوق متين ترحل تودينا
نشوف بلداً حنان أهلها.. ترسى هناك ترسينا…
bakoor501@yahoo.com

عن د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

د. أبوبكر الصديق على أحمد مهدي

شاهد أيضاً

التعليم (18)

المعرفة 2/4د. أبوبكر الصديق علي أحمد مهديعلم المعرفة“كلما ازدادت جزيرة المعرفة اتساعاً، ازدادت شواطئ التعجب …