كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@designitwisegmail-com
شكّل الهجوم الإسرائيلي الأخير على الدوحة لحظة مفصلية في مسار السياسة الخارجية القطرية. فاستهداف قادة من حركة حماس في قلب العاصمة القطرية لم يكن حادثاً عابراً سرعان ما تذروه رياح الأحداث اللاحقة، بل كشف عن هشاشة المعادلات الإقليمية. فقد اكتفى مجلس الأمن ببيان دبلوماسي باهت، يجعل الدوحة تدرك أن الحماية الأمريكية، مهما بلغت قوتها، لا توفر ضمانة حقيقية في مواجهة حليف آخر لواشنطن مثل إسرائيل، لاعتبارات تاريخية، وتوازنات سياسية، ومصالح مالية.
على مدى العقدين الماضيين، بنت قطر سياستها الإقليمية على الانخراط في ملفات تتعلق بالقوى الإسلامية: حركات سياسية مثل الإخوان المسلمين، وفصائل مسلحة مثل حماس وطالبان. هذه السياسة جعلت من قطر طرفاً لا غنى عنه في كثير من النزاعات، لكنها في الوقت ذاته جلبت عليها ريبة شركائها الخليجيين، ووضعتها أحياناً في مواجهة مباشرة مع قوى إقليمية ودولية. وهنا يبرز السؤال المحوري: هل علاقة قطر بهذه الحركات ذات طابع أيديولوجي، أم أنها علاقة براغماتية محضة؟
من المعروف أن الدوحة ليست دولة ذات مشروع إسلامي “رسولي” كما في النموذج الإيراني، ولا تشبه تجربة الإسلاميين في السودان الذين سعوا لإعادة صياغة وقولبت المجتمعحسب رؤيتهم، ولا حتى تجربة طالبان التي فرضت نموذجاً متشدداً ومنغلقاً. بل على العكس، قطر في جوهر نظامها أقرب إلى نموذج ليبرالي متسامح، يقوم على انفتاح اقتصادي ومجتمعي، وتشريعات مدنية، وعلاقات دولية واسعة. فإذا افترضنا أن علاقة قطر بالإسلاميين كانت بدافع الإعجاب بتجربتهم، فهنا يبرز تساؤل جاد: ما هو النموذج النهضوي أو التنموي الذي قدّمه الإسلاميون ويستحق الإلهام؟ لقد انتهت تجربة الإسلاميين – في معظم الدول – إلى انهيار شامل، وفساد وحروب أهلية، وتمزق للدولة والمجتمع، بل وتم ركل بعضهم كما حدث في السودان بثورات شعبية عارمة، كانت في حد ذاتها نموذجا للرفض الشعبي للظلم والطغيان، والتطلع للحرية والديمقراطية. أما إيران، فقدمت مشروعاً توسعياً قائماً على تصدير الثورة، كلف الشعب الإيراني عزلة خانقة، واقتصاداً منهكاً، وصداماً دائمًا مع العالم.
وربما كان الاستثناء الأبرز في المنطقة هو تركيا، حيث لم ينجح حزب العدالة والتنمية في فرض أيديولوجيته على الدولة بالكامل، بل التزم في سنواته الأولى بمحددات النظام العلماني القائم بشكل كبير. وكان نجاحه في تلك المرحلة نتيجة مزيج من الإصلاحات الاقتصادية والسياسية داخل الإطار القائم، مع استمالة قاعدة شعبية محافظة توقعت إصلاحات اجتماعية محدودة. لكن هذا النموذج لم يلبث أن تحوّل لاحقاً إلى سياسة خارجية أكثر تصادمية وأقل براغماتية، مما زاد من تكلفة انخراط تركيا في الملفات الإقليمية، وأكد في نهاية المطاف أن نجاحه لم يكن نموذجاً إسلامياً مؤدلجاً على غرار التجربة الإيرانية أو السودانية، بل توازناً سرعان ما تبدد.
مهما يكن من أمر يظل من المهم الإشارة هنا إلى أن الحركات الإسلامية التي انخرطت قطر في ملفاتها ليست كتلة واحدة متجانسة. فـ”حماس” في الأساس حركة تحرر وطني ذات مرجعية إخوانية إسلامية، بينما يمثل “الإخوان المسلمون” تياراً سياسياً واسعاً له مشروعه المجتمعي، في حين أن “طالبان” حركة قومية بشتونية متشددة ذات طبيعة محلية. ورغم هذا التنوع، فإن ما يجمع بينها في سياق السياسة الخارجية القطرية هو أن العلاقة مع أي منها، مهما اختلفت منطلقاتها، أصبحت في الظروف الراهنة عبئاً استراتيجياً على قطر، أكثر مما هي مصدر قوة أو نفوذ.
فبفرضية إن كانت العلاقة براغماتية، فالبراغماتية نفسها تقتضي التغيير. فإذا كان الارتباط بالإسلاميين محض براغماتية هدفه توسيع النفوذ القطري أو تحقيق مكاسب سياسية مرحلية، فقد حان الوقت لاستخدام هذه البراغماتية ذاتها للتحول عن هذا المسار الإشكالي. فملف طالبان قد أغلق عملياً بعد الانسحاب الأمريكي من أفغانستان، ونظام الإسلاميين في السودان انهار نهائياً وتم ازاحتهم بثورة شعبية، وحماس تمر الآن بمرحلة حرجة أشبه بأزمة وجودية بعد حرب غزة، حيث فقدت الكثير من أوراقها، وأصبح وجود قادتها عبئاً على الدول التي تستضيفها أو تدعمها. ومع انطواء هذه الملفات، لم يعد الارتباط بها مصدراً للقوة، بل صار عبئاً سياسياً وأمنياً يهدد استقرار قطر وعلاقتها بشركائها الخليجيين، خاصة السعودية والإمارات.
وهنا تنفتح أمام قطر آفاق الانتقال من فضاء الوساطة السياسية المرتبط غالباً بالإسلاميين ودروبها المعقدة والمكلفة، إلى فضاء أكثر رحابة وهو الفضاء الإنساني الرحيب. هذا التحول يمكن وصفه بأنه سيكون بلغة الأكاديميا الصارمة Paradigmic Shift، أي تحول نموذجي أو بنيوي عميق، إذ ينقل السياسة القطرية إلى مجال أقل تكلفة وأكثر طمأنة في محيط متشكك إقليميا، ومتوتر دوليا، وهو خيار ينسجم مع القيم القطرية والعالمية. في هذا الفضاء، يمكن لقطر أن تقدم نموذجاً متفرداً لدولة مانحة ومعبرة عن التضامن الإنساني، بعيداً عن إشكالات التحالفات السياسية المثيرة للريبة.
إن فتح الأفق نحو التحول إلى العمل الإنساني لا يعني الانسحاب من السياسة كلياً؛ فالعمل الإنساني في مناطق الصراع – zones of conflict – على سبيل المثال قد يكون مدفوعاً بأسباب سياسية أو بتفويض سياسي أممي. غير أن الفرق الجوهري هو أن هذه السياسة تستمد شرعيتها من قيم كونية مثل حماية الأرواح وتخفيف المعاناة الإنسانية، وهي قيم يصعب مهاجمتها أو التشكيك فيها، بخلاف سياسات الوساطات التي تقوم على محاصصة النفوذ بين أطراف متصارعة. إنه انتقال من سياسة قائمة على المعاملات قصيرة الأمد إلى سياسة أخلاقية متجذرة. ورغم أن هذا التحول سيكون في بداياته مكلفاً سياسياً ومالياً، إلا أنه يمثل استثماراً استراتيجياً واعداً للمستقبل Long term strategic investment، إذ يفتح أمام قطر فضاءات جديدة للتحرك الدبلوماسي والإنساني بعيدًا عن الإرث المثقل للتحالفات السابقة.”
إن هذا الفضاء الإنساني يتميز بطبيعته بالتجدد؛ فالكوارث لن تنتهي، ليس لأنها ظواهر طبيعية فحسب، بل لأن أنماط العمران البشري المعاصر تخلق مخاطر دائمة قد تتحول إلى كوارث متعددة الأشكال، ما يضمن استمرار الحاجة إلى التدخلات الإنسانية. يمكن لقطر أن تصبح مركزاً عالمياً للعمل الإنساني – Humanitarian Hub، تستضيف فيه مؤسسات أممية كبرى مثل مكتب تنسيق الشؤون الإنسانية (OCHA)، أو حتى صندوق الطوارئ المركزي (CERF)، لتكون منصة محورية لتحريك التدخلات الفورية، وقاعدة رائدة للدبلوماسية الإنسانية – Humanitarian Diplomacy – فتخفف من وطأة الكوارث على المجتمعات محلياً ودولياً.
غير أن أي تحول استراتيجي بهذا الحجم لا يخلو من تكاليف ومخاطر. فقد تخسر قطر بعض أدوات النفوذ والمعلومات التي كانت توفرها شبكات علاقاتها مع الحركات الإسلامية. كما قد تنظر بعض الأطراف إلى هذا التحول باعتباره تخلياً عنها، مما يخلق تحديات أمنية أو سياسية جديدة. إضافة إلى ذلك، قد تفقد قطر ورقة ضغط كانت توظفها في التفاوض مع القوى الكبرى وجيرانها. إلا أن هذه التكاليف، رغم قسوتها في المدى القريب، يمكن إدارتها بفعالية عبر أدوات الدبلوماسية القطرية ومواردها المالية الكبيرة، في حين تبقى المكاسب طويلة الأمد – مثل تعزيز الشرعية الدولية وحماية الأمن القومي – أكثر أهمية وتأثيراً.
قد يرى بعض النقاد أن التوجه نحو الفضاء الإنساني ليس سوى محاولة “لتبييض” السياسات السابقة أو تغطية أخطائها. لكن هذا التحول في جوهره استثمار براغماتي ذكي في رأس المال المعنوي والأخلاقي لدولة مجبولةةعلى العطاء. فالمجتمع القطري يتكئ تاريخياً على قيم عريقة في فعل الخير، يمكن أن تشكل قاعدة صلبة لهذا الدور، مما يضمن استمراريته ويمنحه صدقية حقيقية تتجاوز أن يكون مجرد استراتيجية علاقات عامة.
لقد كان الهجوم الإسرائيلي على الدوحة أكثر من حادثة أمنية؛ كان جرس إنذار استراتيجياً نبه قطر إلى أن استمرارها في فضاء الوساطة السياسية أصبح مكلفاً أمنياً ونفسياً، بينما يفتح الفضاء الإنساني أفقاً أرحب وأكثر استدامة، ويوفر لها حصانة دبلوماسية وأخلاقية تجعل استهدافها في المستقبل أقل احتمالاً. وهو كذلك يمنحها فرصة لإعادة تعريف ذاتها ودورها في المنطقة والعالم، كفاعل إنساني لا كطرف وسيط في نزاعات لا تنتهي.
بهذا التحول، يمكن لقطر أن تخلق لنفسها مجداً مرتبطاً بالسماء وإحياء الأنفس، يمدّ البشر بأسباب الحياة، فيقيم في دواخلهم رمزاً، لإنسانية لا تفنى، ومعنى لقيم لا تبيد.
د. محمد عبد الحميد
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم