قف.. هنالكَ شهيدٌ من الشرطة .. بقلم: مقدم شرطه م/ محمد عبد الله الصايغ

عندما تُرِكَت الشرطه للمُكوّن العسكري أتى إعتراضُنا قويّاً وسريعاً جداً بل لقد أتى في حينه وذلكَ فَور علمِنا وقد كانَ ذلك قبلَ تشكيلِ الحكومه. عندها صمّوا آذانَهُم ونحنُ بينَ مُصَدّقٍ ومُكَذّب. قالَ بعضُهُم انّ هذا الأمر محسوم وغير قابلٍ لأيّ جدَلٍ حَولَهُ. لم نترك الأمر وذهبنا وتقصّينا ووصلنا حتّى مسودّات التفاوض التي لم نجد عليها حتّى ما يُشير إلى أنّ الأمر قد طُرِح فأينَ ومتى ومَن اتّفَقَ على هذه النكبه . علِمنا حينَها حجم الورطه الحقيقيه التي قد أُدخِلَ فيها الوطن.
كانت آمالُنا بعرضِ وطولِ هذا الوطن.
أتى حلمنا بحجمه أيضا وظلّ همنا ان نُقَدّم له ونُعطيه في اهمّ مجال وهو أمنهُ وكرامتُه بعد أعوامٍ قاسيه.
إن كلمة ثوره تعني التغيير الجذري.
وحتى يكون التغيير جذرياً فانه يجبُ أن يبدأ من أعلا السُّلَّم برجالٍ اولُ ما يُتوَخّى فيهِم هو الإيمان بمبدأ الثوره.
ولحساسية هذا الجهاز وارتباطه بأمورٍ اساسيه حيويه وحساسه في وطننا وديمقراطيتِهِ المفترضه الوليده بين أمن المواطن وأمن الوطن فلقد كان من المفترض ان تتم معاملته بأقصى درجات الحرص والّا يُترك للأيدي العابثه تلك التي أطاحت بآمالِ الأمّه.
تتكون قوات الشرطه من ضباط وصف وجنود مثّلوا ، عبر الحِقَب ، تأريخاً مُضيئاً لم ينفصل عن هموم شعبِهِم بمعايير عاليه من الوطنيه والقوّةِ مع الحق. اتت الاعوام الثلاثين لتُدَمّر كلّ ما بُني وكان أهمّهُ تغيير عقيدة هذه القوه. وبمرور الزمن ذو الرؤيةِ الأُحاديه المبنيةِ على القهر ظنّ الكثيرون انّ هذا هو الأمر الطبيعي وأنّ العدو الاساسي هو الشعب السوداني وجُيّرت هذه القوه لخدمةِ الاهداف التمكينيه كأحد اذرع المنظومه الأمنيه الباطشه.
تمّ استخدام القيادات لترسيخ سياسات الانقاذ سواء كانت هذه القيادات من أمّ التنظيم او من مَن باعت مبادئها ، إن كان ثمة ، او مِن مَن استحبّت العيش في المناطق الرماديه فصارت الرتب الاخرى ضحيةً لهذا السلوك المهين فبدت الاشياء امام هذا الشعب العظيم كأنّما بها خلل وهي كذلك.
ما أوَدُّ أن أقولهُ هو ان هؤلاء الأفراد من أبناء هذا الشعب. هُم آباء وأبناء وأزواج لم يعيشوا خارج دائرة الفقر ولم يسكنوا الّا في الاطراف ولم نسمع عنهم ألّا في هامش الحياه. لا لومَ عليهم في التقصير ولكن اللوم على قياداتهم فالقيادة هي التي تقفُ أمامَ رعاياها ضاربةً المثل الأعلا ومتشرفه بسلوكهم. نحنُ نفخرُ بأننا تعلمنا من آبائنا صف الضباط والعساكر على مدى سنين خدمتنا فكانوا خير معينٍ لنا وحينها كان الولاء للوطن وليس لغيره.
تحدثتُ عن القيادات المؤمنه بالثوره وأقول انه بدونها لن يتغير شيئ. جهازٌ ظلّ في غيابَةِ جُبّه لثلاثينَ عاماً ركّزت فيها الإنقاذ على القيادات وأكملَ ما تبقّى مَن قدّموا وزارة الداخليه باردةً على صِحافٍ من ذهب للعسكر ووضعها العسكر في احد جيوبِهِ ونَسيها الناس.
الوكيل عريف عثمان حسين شهِدتُ نقلَ جُثمانِهِ على عربةِ إسعاف. كان بلاط الشارع ( مُكَسّر ومُقلّع ) والشارع تغمُرهُ المياه الإسِنَه في قلب الخرطوم مما اعاق عملية نقلِهِ فحملهُ زملاؤه الى داخلِ الاسعاف. علاقتَه ( بإلشارع ) إنتهت بمُجرّد أن أُغلِقَ باب الإسعاف. لن يُقام لهُ دفن رسمي بطابور جِنازه ولن يتنادى الثوار لتشييعِهِ. يقيني أن أمرَهُ الآن لن يخُص سوى أُسرَتَهُ ، أطفالَِهُ ، زملاءَهُ وأهل الحِلّه وقبراً مجهولاً في إحدى المناطق الطرَفيّه لن يكون لدى أسرته تكلفةِ ( شاهدٍ) لتضعهُ عليه. ماتَ الرجل وهو يؤدّي واجِبهُ ورُبّما كانَ قد فدى أحد الثوار وهو يموت ولكنّهُ عندَ الكثيرون مجرّد ( كجَر ).. فمَن نلوم.

melsayigh@gmail.com

عن اللواء شرطه م محمد عبد الله الصايغ

شاهد أيضاً

الوجود الأجنبي .. التفريط .. التلاعب بهويّة الدوله

محمد عبد الله الصايغ عندما كانت الدانات والصواريخ الأولى تُعانق سَماء الخرطوم وأبريل العام ٢٠٢٣ …

اترك تعليقاً