قيام حكومة تأسيس ونهاية الدولة الدينية في السودان !!

قيام حكومة تاسيس وعاصمتها نيالا ونهاية الدولة الدينية في السودان !!

++ قيام حكومة تاسيس وعاصمتها (المؤقتة ) مدينة نيالا المؤشرات والدلالات ؟!

++ ما معني (نهاية الدولة الدينية) ؟!

++ كيف نملا فراغ دولة الجلابة (بمشروع آخر لا يعيد انتاج دولة الجلابة وممارساتها ؟

++ فليحذر التأسيسيون من صنع طاغية جديد علي شاكلة عبود ونميري والبشير !!

(١) الدلالات والمؤشرات الايجابية لقيام حكومة تاسيس وعاصمتها مدينة نيالا ؟! :

شهدت مدينة نيالا في الايام القليلة الماضية مراسم اداء القسم لكل من القائد /محمد حمدان دقلو /حميدتي رئسا لمجلس السيادة لجمهورية السودان ونائبه عبدالعزيز الحلو ومحمد الحسن التعايشي رئسا للوزراء .. هذا الحدث مفصلي في تاريخ الدولة السودانية لانه يتوج نضالات المهمشين منذ حركة انانيا ون وحركة تحرير السودان بقيادة دكتور جون قرنق الذي كان حاضرا بقوة مراسم اداء القسم وبجانبه الشهيد داود يحي بولاد والشهيد دكتور خليل ابراهيم قائد عملية الذراع الطويل ورفاقه – الجمالي جلال الدين وأسري قوز دنغو ! ان هذا التتويج لقيادات (تأسيس ) يرمز بشكل مباشر الي (النهاية الوشيكة للدولة الدينية في السودان ).. وتجدر الاشارة الي ان سقوط الدولة الدينية لا يؤثر سلبا علي دين الشعب السوداني الطيب المحب لسيدنا محمد .. ويمارس محبته للنبي الامين عبر طرقه الصوفية ..فالشعب السوداني لا علاقة له بدين المؤتمر الوطني التجاري الذي يبيح له الكذب لمصلحة الدولة الانقاذية .. ويبيح له الرتع في المال العام بلا حدود ولا سقوف .

لقد سعت الاحزاب الشمالية الثلاثة (حزب الامة / الحزب الاتحادي / الاخوان المسلمين) الي اجازة الدستور الاسلامي منذ عهد اكتوبر من اجل تكريس الدولة الدينية وقمع حرية الفكر وتجلي ذلك في حل الحزب الشيوعي .. وظلت الجبهة الإسلامية الي يومنا هذا اكبر مهدد لحرية الفكر ولوحدة السودان . لذلك فان هزيمة جيش البرهان الذي ضرب الشعب السوداني في العاصمة المثلثة بالسلاح المميت (بالأسلحة الكيميائية المحرمة دوليا) من اجل البقاء في السلطة يعد اكبر انتصار للشعب السوداني .. ونقلة نوعية في السودان نحو الحداثة ودولة حقوق الانسان . وسوف يحتفل الاحرار في كل ارجاء السودان بزوال كابوس الكيزان (وموت الاله بالمعني الفلسفي عند نيتشة ) .. ونهاية دولة الجلابة – دولة ١٩٥٦ – العنصرية الاستبدادية .. واعني بها دولة الطائفية الدينية السياسية والإسلام السياسي الاخواني .. وبداية انطلاق عهد جديد لتأسيس الدولة السودانية العلمانية الفيدرالية المتحدة القادرة علي تحقيق السلام وتحقيق الوحدة الطوعية الجاذبة في ربوع السودان (من نملي الي حلفا ) وتحقيق مشروع التحول الديمقراطي والرفاه الاجتماعي لكل السودانين .

(٢) ماذا نعني بنهاية الدولة الدينية في السودان (وبموت الإله الفلسفي عند نيتشة )؟!

دولة الجلابة في السودان ماتت بالفناء الطبيعي للدول حينما تشيخ (جائز الموت للعجائز ) .. ظهرت علامات الشيخوخة لدولة الجلابة في حزب الامة (الحزب الذي ظل يملك اكبر حصة برلمانية تمكنه من الحكم عن طريق الائتلاف مع اي حزب آخر ) .. فقد شاخ حزب الامة حين فشل في تجديد برامجه وتنويع وتجديد قياداته حين تربع علي قيادته الصادق المهدي منذ ان كان عمره ثلاثين عاما حتي تجاوز الثمانين (رئيس مدي الحياة ) .. وينطبق الأمر علي الحزب الاتحادي والمؤتمر الوطني . ومن جانب آخر فقد مات اله دولة الجلابة مقتولا من حركات الهامش المسلحة التي ظلت تطالب (بالفيدرالية واقامة سودان جديد يسع كل السودانيين وليس حكرا لجلابة شمال السودان من القبائل الثلاثة (الجعليين / الشايقية / الدناقلة ) .

فكرة (موت الالاه ) التي طرحها الفيلسوف الألماني نيتشة نقلا عن زراديتش ترمز الي الحالة الأوروبية التي كانت تهيمن عليها الكنيسة التي عجزت عن تقبل الحداثة ومنجزاتها العلمية حين قتلت الكنيسة العلماء (غاليليو ) وأقرانه من المبتكرين فقامت الثورة الفرنسية العظيمة ضد الكنيسة والملكية المستبدة (١٧٧٩) .. فتحررت أوروبا من سلطة الكنيسة .. وانتهت الدولة الدينية في أوروبا وحلت محلها دول العلم (علمانية ) .. ولم تسلم من ذلك دولة تركيا الإسلامية حيث دخلتها العلمانية علي يد السيد مصطفي كمال اتاتورك .

(٣) كيف نملأ فراغ (المرحومة) دولة الجلابة ونتجنب في ذات الوقت اعادة انتاج مشروع دولة الجلابة والانتقال من مرحلة الشعارات الي المنجزات ؟

(أ) التاريخ يعلمنا ان الحكومة المستبدة الفاسدة تنتج معارضة علي شاكلتها (معارضة مستبدة وفاسدة – حمانا الله ووقانا -) .. الحقيقة التي لا نشك فيها ان دولة ٥٦ – دولة الجلابة والمشروع الاسلامو / عروبي هذا المشروع قد فقد مشروعيته لاسباب خارجية تتمثل في هزيمة الشيوعية الدولية وقبول العرب بالمشروع الإبراهيمي .. وأسباب داخلية هي الاهم وهي تجريب تطبيق (مشروع الإسلام هو الحل ) في السودان منذ ١٩٨٩ والذي اثبت فشله في السودان بسبب تفشي الفساد المالي بين الإسلاميين والذي شهد به الشيخ حسن الترابي عراب المشروع الحضاري . ومن خلال فشل المشروع الإسلامي في الحفاظ علي وحدة السودان وتسيبه في تقسيم الدولة السودانية الي جنوب وشمال لرفض الإسلاميين القبول بالعلمانية التي طالب بها الجنوبيون .. وقد شهد الشعب السوداني كله بفساد الإسلاميين حين هتف ضدهم اثناء ثورة ديسمبر المجيدة : (مرقنا مرقنا ضد الحرامية ) وبذلك فقد الإسلاميون مشروعهم الاخلاقي !! .. وثبت للعالم العربي كله فشل مشروع (الإسلام هو الحل ) من خلال فشل ثورات الربيع العربي الإسلامي الذي اتي بالإسلام السياسي للسلطة في مصر وتونس .

(ب) الذي اجزم به في هذا المقال هو ان ثورة ديسمبر ٢٠١٨ المجيدة هي توأم الثورة الفرنسية العظيمة .. ولن تتحقق اهداف ثورة ديسمبر التي قامت (بالتراكم .. وبالانقضاض ) إلا بقيام دولة ( علمانية /فيدرالية / ليبرالية / ديمقراطية / وحدوية ) سودانية تحقق الوحدة الطوعية الجاذبة لوطن الجدود (من نملي الي حلفا ) .. دولة قادرة علي ادارة التنوع السوداني .. وقادرة علي محاربة القبائلية الأفريقية وفقا للنموذج الرواندي . الخلاصة هي ان تحالف (تاسيس ) سينجو من (الوقوع في فخ اعادة انتاج دولة شبيهة بدولة الجلابة ) إذا وضعت نصب عينيها اسباب فشل دولة ٥٦ المشار اليها في هذه الفقرة وتجنبتها تماما .

(ج) كيف ننتقل من مرحلة (الهتاف والشعارات) الي المنجزات ؟

إذا أخذنا في الحسبان تجربة الربيع العربي وبالأخص تجربة ثورة يناير المصرية (وهي ثورة عظيمة استطاعت ان تقلع نظام حسني مبارك المسنود من قبل امريكا عبر اتفاقية كامب ديفيد للسلام بين مصر واسرائيل .. ولكنها لم تتجاوز مرحلة الشعارات .. لان الاخوان المسلمين يفتقرون الي البرنامج والمشروع الوطني .. وفشلوا في تقديم خدمات الصحة والتعليم الجيدين .. لذلك ثار الشعب المصري ضدهم لان الشعارات وحدها لا تكفي لتحقيق التغيير ومشروع التحول الديمقراطي ! التحدي الذي يواجه مشروع تاسيس بعد اداء القسم هو التصدي لمشاكل المواطنين العاديين الذين يعانون الان من الغلاء الطاحن وتوفير الإغاثة في عموم دارفور وعموم كردفان (ازالة الجوع وتوفير الامن والسلم الأهلي ) والتركيز علي خدمات الصحة والتعليم مما يشجع علي عودة النازحين واللاجئين والتفكيك الطوعي لمعسكرات النازحين القائمة منذ ٢٠٠٣ تاريخ اندلاع الثورة المسلحة في دارفور .

(٤) فليحذر التاسيسيون من خلق طاغية جديد علي شاكلة عبود والنميري وعمر البشير .. كيف ؟!

تجربة البشرية منذ عهد فرعون وهامان تقول بان (الزبانية هم الذين يصنعون الطاغية ) .. والحكمة المصرية تقول : ( مين فرعنك يا فرعون غير هامان ؟! ) .. وحينما نجحت انتفاضة مارس / ابريل ١٩٨٦ وسقط نظام المخلوع نميري وظهر المشير سوار الدهب كرئيس للمجلس العسكري الانتقالي كتب احد الكتاب السودانيين مقالا تحذيريا رائعا بعنوان (نحن صنعنا الطاغية ) .. وحين بحثت في غوغل تحت هذا العنوان وجدت مقالات كثيرة بهذا العنوان لكتاب غير سودانيين .. ولكني سأرجع الي فحوي المقال السوداني واعتذر لكاتبه وللقراء علي اني لم أتذكر اسمه .. في هذا المقال المنوه عنه يحذر الكاتب من تاليه المجلس العسكري الانتقالي ورئيسه المشير سوار الدهب وذكر الكاتب قصة طريفة نقلا عن الرائد ابوالقاسم هاشم (بما معناه ) انهم حينما فجروا ثورة مايو .. كانوا في منتهي التواضع وكانوا يعملون الف حساب لحملة الدكتوراة وأساتذة الجامعات وغيرهم من التكنوكرات .. ولكن بمرور الوقت بدأ هؤلاء الدكاترة في تمجيد العسكريين ومنافقتهم حتي صنعوا الطاغية . وانا في هذا المقام أدعو الكافة وخاصة الصحفيين والكتاب والمدونين وأصحاب القنوات علي تيك توك وفيسبوك واليوتيوب .. الخ الي تمجيد مشروع تاسيس وليس تأليه قيادات تاسيس .. كما أدعو رموز تاسيس / (القائد حميدي والحلو والتعايشي ) الي تحجيم المادحين ولا اقول المنافقين .. وتوجيههم الي التركيز علي هموم المواطنين ومشاكلهم والابتعاد عن تكسير الثلج علي الطريقة الانقاذية .. فالشعب السوداني يريد الطحين وليس جعجعة وهتافات وتهليل علي الطريقة الكيزانية .. ادري ان الدعم السريع كان منذ تاسيسه يمثل قوة المشاة لجيش الكيزان وكان يتبع للقائد العام عمر البشير وان عقيدته القتالة (كانت) كيزانية تتناغم مع الدولة الدينية .. ولكن الآن ارجو من مناصري الدعم السريع في مواقع التواصل الاجتماعي في تيك توك واخواتها ان تتناغم هتافاتهم مع أطروحة الدولة العلمانية .. وشكرا للقائد عبدالعزيز الحلو فقد ذكرنا بهتافات الراحل دكتور جون قرنق التي تتناغم مع طرح مشروع السودان الجديد .

ابوبكر القاضي

نيوبورت / ويلز UK

٣ / سبتمبر ٢٠٢٥
aboubakrelgadi@hotmail.com

عن أبوبكر القاضي

أبوبكر القاضي

شاهد أيضاً

دستور السودان لعام 2025 الموقع في نيروبي يحرر العلمانية من الموروث الشعبوي الغوغائي للتنظيم الدولي الدولي للاخوان المسلمين ؟!

(١) تم وضع الدستور الانتقالي لجمهورية السودان لعام 2025 استنادا الي ( عقد اجتماعي جديد …