lualdengchol72@gmail.com
بقلم: لوال كوال لوال
في كل دورة من دورات كأس أمم أفريقيا، لا تكون كرة القدم وحدها هي ما يُختبر، بل تُختبر معها منظومة كاملة من القيم والسلوكيات والخطابات التي تحيط باللعبة. البطولة التي يُفترض أن تكون احتفالًا بالقارة، بتاريخها، وتنوعها، وقدرتها على المنافسة، تتحول في لحظات الخسارة إلى مرآة قاسية تكشف ما هو أعمق من ضعف التمرير أو سوء التنظيم الدفاعي. تكشف خللًا أخلاقيًا متجذرًا، يظهر بوضوح حين لا تسير النتائج وفق رغبات بعض الجماهير، وحين ينهار خطاب “الأخوة” و“العروبة” أمام أول صافرة لا تعجبهم. المشهد يتكرر كل عامين تقريبًا: منتخب عربي يخرج من المنافسة، غضب عارم يجتاح منصات التواصل الاجتماعي، وحكم المباراة يصبح الهدف الأول. لا يُناقَش أداؤه فنيًا، ولا تُحلَّل قراراته وفق قواعد اللعبة، بل يُجرَّد من إنسانيته، ويُختزل في لون بشرته أو أصله الأفريقي، وتُلقى عليه أوصاف مهينة من قبيل “العبد”. هذه اللغة ليست مجرد انفعال عابر، بل تعبير صريح عن عنصرية كامنة، تنتظر فقط لحظة الهزيمة لتخرج إلى العلن بلا خجل. الأخطر في الأمر أن هذا الخطاب لا يأتي من فراغ. إنه نتيجة تراكم طويل من ثقافة كروية مريضة، ترى في الفوز استحقاقًا طبيعيًا، وفي الخسارة مؤامرة لا بد أن يكون للحكم فيها دور. ثقافة لا تعترف بالأخطاء الذاتية، ولا تقبل بفكرة أن الخصم قد يكون أفضل، أو أن المنتخب لم يكن في يومه. في هذا المناخ، يصبح الحكم كبش فداء مثاليًا، ويصبح الانزلاق إلى الإهانة العنصرية خطوة سهلة، بل مبررة عند البعض. المفارقة المؤلمة أن هذه الإساءات تصدر من جماهير تنتمي إلى قارة عانت تاريخيًا من أبشع أشكال الاستعباد والاستعمار والتمييز العنصري. قارة لا تزال جراحها مفتوحة، وذاكرتها مثقلة بصور الإذلال والنهب والتهميش. ومع ذلك، نجد بعض أبنائها يعيدون إنتاج نفس الخطاب الاستعلائي ضد بعضهم البعض، وكأن التاريخ لم يمر من هنا، أو كأن المعاناة لم تترك أي أثر أخلاقي. في السياق نفسه، لا يمكن تجاهل الدور الذي تلعبه بعض المنابر الإعلامية الرياضية، وعلى رأسها قنوات كبرى مثل beIN Sports، في تأجيج هذا الخطاب أو على الأقل في تهيئة الأرضية له. فالتعليق الرياضي ليس مجرد وصف لما يحدث في الملعب، بل هو عملية توجيه للوعي، وبناء للانطباعات، وصناعة للرأي العام. حين ينزلق المعلق من التحليل المتوازن إلى الانحياز الصريح، وحين تتحول نبرة صوته إلى أداة شحن عاطفي، فإن ذلك لا يمر دون أثر. بعض المعلقين الكبار، الذين يفترض فيهم الخبرة والنضج والمسؤولية، يقعون في فخ المظلومية المفتعلة. يضخمون الأخطاء التحكيمية حين تكون ضد منتخب عربي، ويتجاهلونها أو يبررونها حين تكون لصالحه. يكررون عبارات التشكيك، ويلمحون إلى سوء النية، ويصنعون سردية كاملة عنوانها أن “الحكم كان سبب الإقصاء”. هذا النوع من التعليق لا يقول للجمهور صراحة “اشتموا الحكم”، لكنه يمنحهم المبرر النفسي والأخلاقي لفعل ذلك. وحين ينتقل هذا الخطاب من الشاشة إلى المدرج، ومن المدرج إلى وسائل التواصل الاجتماعي، تتضاعف خطورته. فالجمهور لا يتلقى فقط صورة المباراة، بل يتلقى تفسيرها الجاهز، وغضبه يصبح “مفهومًا”، بل “مشروعًا”. وهنا تتحول العنصرية من سلوك مدان إلى رد فعل مبرر، وتصبح الإهانة وسيلة للتنفيس، لا جريمة أخلاقية. الأمر لا يتعلق بمنتخب بعينه، ولا بجمهور دولة واحدة، بل بنمط سلوكي يتكرر في أكثر من سياق عربي وأفريقي. النتيجة واحدة: سقوط أخلاقي عند الخسارة، وتعرية خطاب يدّعي التحضر والانتماء القومي، لكنه ينهار أمام اختبار بسيط. فالهويات الحقيقية لا تُقاس في لحظات النشوة، بل في لحظات الإحباط. ومن لا يحترم الآخر حين يخسر، لا يملك حق الادعاء بالتفوق حين يفوز. إن وصف حكم أفريقي بـ“العبد” ليس إساءة فردية، بل فعل عنف رمزي يعيد إنتاج تراتبية عنصرية، ترى أن بعض البشر أقل قيمة من غيرهم. وهو خطاب لو وُجِّه إلى حكم أوروبي أو لاتيني، لقوبل بإدانة واسعة، وربما بعقوبات صارمة. لكن حين يكون الضحية أفريقيًا أسود، يصبح الصمت سيد الموقف، أو يُختزل الأمر في “حماس زائد” أو “غضب كروي”. كأس أمم أفريقيا ليست مجرد بطولة رياضية، بل حدث ثقافي وسياسي بامتياز. إنها مساحة تلتقي فيها الشعوب، وتُعاد فيها صياغة الصور المتبادلة. وحين نفشل في إدارة هذه المساحة أخلاقيًا، فإننا لا نسيء فقط إلى اللعبة، بل إلى أنفسنا، وإلى صورة القارة بأكملها. المسؤولية هنا جماعية. مسؤولية الجماهير التي يجب أن تعي أن الخسارة ليست نهاية العالم، وأن الاحترام لا يتجزأ. ومسؤولية الإعلاميين والمعلقين الذين عليهم أن يدركوا أن كلماتهم ليست بلا ثمن، وأن المهنية ليست خيارًا تجميليًا، بل واجبًا أخلاقيًا. ومسؤولية المؤسسات الرياضية التي ينبغي أن تتعامل بصرامة مع خطاب الكراهية والعنصرية، لا أن تكتفي بالشجب الموسمي. كرة القدم تنتهي بتسعين دقيقة، وربما بتمديد أو ركلات ترجيح، لكن ما يبقى بعدها هو الخطاب الذي ننتجه، واللغة التي نستخدمها، والقيم التي نمررها للأجيال القادمة. فإذا كانت كل خسارة ستُقابل بإهانة، وكل حكم أفريقي سيتحول إلى هدف للعنصرية، فإن المشكلة ليست في التحكيم، بل فينا. وفي النهاية، قد تخسر المنتخبات وتفوز، وقد تخرج من دور نصف النهائي أو ترفع الكأس، لكن السؤال الأهم سيظل معلقًا: هل نخرج من البطولة أكثر نضجًا، أم أكثر فقرًا أخلاقيًا؟ حتى الآن، الإجابة – للأسف – لا تبعث على الاطمئنان. لـوال كوال لـوال
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم