باستخدامك هذا الموقع، فإنك توافق على سياسة الخصوصية وشروط الاستخدام.
موافق
الثلاثاء, 14 يوليو 2026
  • اختياراتنا لك
  • اهتماماتك
  • قائمة القراءة
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
سودانايل
أول صحيفة سودانية تصدر من الخرطوم عبر الانترنت
رئيس التحرير: طارق الجزولي
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • الرياضة
  • أعمدة
  • الثقافية
  • بيانات
  • تقارير
  • المزيد
    • دراسات وبحوث
    • وثائق
    • نصوص اتفاقيات
    • كاريكاتير
    • حوارات
    • الثقافية
    • اجتماعيات
    • عن سودانايل
    • اتصل بنا
Font ResizerAa
سودانايلسودانايل
  • الرئيسية
  • الأخبار
  • منبر الرأي
  • بيانات
  • الرياضة
  • أعمدة
  • اجتماعيات
  • الثقافية
  • الرياضة
  • الملف الثقافي
  • بيانات
  • تقارير
  • حوارات
  • دراسات وبحوث
  • سياسة
  • فيديو
  • كاريكاتير
  • نصوص اتفاقيات
  • وثائق
البحث
  • قائمة القراءة
  • اهتماماتك
  • اختياراتنا لك
  • سجلاتك
  • عن سودانايل
  • اتصل بنا
تابعنا
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
منبر الرأي
الرشيد خليفة
الرشيد خليفة عرض كل المقالات

كاتب الشونة .. سيرة محاسب غلال تحول، رغماً عنه، إلى ذاكرة أمة

اخر تحديث: 14 يوليو, 2026 10:13 مساءً
شارك

د. الرشيد خليفة

مقدمة لا بد منها، وإن كره الملوك
حظي السودان عبر تاريخه بأصناف شتى من المؤرخين: فقيه يدوّن وفيات الأعيان ويدعو على هامش مصحفه بالرحمة لمن مات ذاك العام، ورحالة أوروبي يكتب مذكراته بين نوبة حمى وأخرى ظناً منه أنه يكتشف قارة لم يسكنها أحد قبله، وضابط استخبارات بريطاني يجمع الأخبار بذريعة العلم وهو في الحقيقة يعدّ العدة لحملة عسكرية. لكن يبدو أن أطرف هذه الأصناف على الإطلاق، وأكثرها تواضعاً في الطموح وأعظمها أثراً على غير توقع، هو ذلك الموظف الذي لم يكن يحلم يوماً بأن يُذكر في مصاف المؤرخين، بل كان جل همه أن تتوازن دفاتر الجرد ولا يُحاسَب على كيس ذرة ناقص. فإذا به يُورّث الأجيال، دون قصد، واحدة من أهم الوثائق التي تروي سيرة سلاطين سنار وأقاليمهم لأكثر من ثلاثة قرون. إنه أحمد بن الحاج أبو علي، الشهير بلقب لا يخلو من دعابة تاريخية موجعة: كاتب الشونة، أي، بلغة عصرنا، “موظف المخزون، إو موظف مخازن”.
والمفارقة أن هذا السجل، الذي وُلد من عقلية محاسب لا مؤرخ، ومن رجل كان أقصى طموحه أن يُغلق دفتره في نهاية اليوم دون عجز في الحساب، صار مرجعاً لا غنى عنه لضباط الاستخبارات البريطانية، وحاكم عام كامل الصلاحيات أرسل نسخة منه هدية إلى خديوي مصر شخصياً، ولمؤرخي جغرافيا السودان في القرن العشرين، قبل أن يخضع لسلسلة من التحقيقات الأكاديمية استغرقت وحدها أكثر مما استغرقه بناء بعض السدود. نظيره في العصر الحديث ذلك المحارسب الذي تسبب في اعتقال ومحاكمة آل كابون بكسر قانون الضرائب وليس قانون الجرائم. فلنبدأ الرحلة من البداية: من هو هذا الرجل، وماذا كتب بالضبط ولماذا وجد نفسه يفعل ذلك، ثم كيف تناسلت أوراقه بين القاهرة وباريس وفيينا ولندن، وهل يستحق كل هذا الاحتفاء، وهل مسّت يد التحريف صفحاته قديماً أو حديثاً.

من هو كاتب الشونة؟ ونشأته التي لم يخطط لها أحد
اسمه الكامل، كما استقر عليه المحققون، أحمد بن الحاج أبو علي، وقد لُقّب بكاتب الشونة نسبة إلى وظيفته البحتة لا إلى موهبته الأدبية المزعومة؛ فقد التحق كاتباً في إدارة الشونة، وهي كما يوضح محققو عمله كلمة عربية فصيحة تعني الصومعة التي تُحفظ فيها الغلال، وقد أسّستها الحكومة التركية المصرية بعد إحكامها احتلال السودان عام 1821م [1]، وقد عمل تحديداً كاتباً لشونة الغلال في الخرطوم بين عامي 1824 و1834م، وفرغ من تأليف كتابه عام 1838م [2]، أي أن الرجل قضى عقداً كاملاً من عمره وهو يُحصي أكياس الذرة الداخلة والخارجة، قبل أن يجلس، وقد فرغ أخيراً من نوبته، ليكتب عن الملوك والسلاطين وكأنه يُكمل يوماً آخر من نفس الوظيفة: جرد، وتوثيق، وتسجيل تاريخ الدخول والخروج، إلا أن الداخل والخارج هذه المرة لم يكن ذرة بل سلاطين.
وُلد كاتب الشونة عام 1785م في قوز المسلمية، المدينة التجارية الواقعة جنوب أربجي على الشاطئ الغربي للنيل الأزرق [3]، ويرجّح محققه يوسف فضل حسن أن الرجل نال تعليماً إسلامياً معتبراً، وأن أسرته كانت على صلة وثيقة بالعلماء والفقهاء والمتصوفة، وأن ما ناله من هذا التعليم هو بالضبط ما هيأه لاحقاً لشغل وظيفة حكومية في العهد التركي المصري [3]، أي أن كاتب الشونة لم يكن أمياً وجد نفسه مصادفة يمسك قلماً، بل كان ابن بيئة علمية استُثمرت مهارتها في وظيفة إدارية، وهذا بالمناسبة أول دليل على أن الفقه والمحاسبة لم يكونا يوماً متنافرين كما يُشاع.
وهنا تجدر الإشارة إلى ملاحظة طريفة رصدها المحقق يوسف فضل حسن نفسه: فقد ورد في سرد كاتب الشونة لتسلسل الملوك أنه كتب في عام 1791م أن الملك بادي ولد طبل «هو الموجود إلى الآن» [1]، أي أن صاحبنا كان ابن ست سنوات فحسب حين دوّن هذه العبارة المزعومة، وهو إنجاز يفوق حتى أعظم الأطفال المعجزات في كل الثقافات. الأرجح، بعيداً عن نظرية العبقرية المبكرة في مسك الدفاتر، أن العبارة موروثة من مصدر أقدم نقلها كاتب الشونة كما هي دون تحديث، تماماً كمن ينسخ ملاحظة قديمة على هاتفه فتبقى تواريخها معطوبة إلى الأبد.

ماذا كتب بالضبط، ولماذا، ولمن؟ في مضمون المتن ودوافعه الغامضة
قبل الغوص في تيه النسخ والتنقيحات، يستحق المتن نفسه وقفة: فقد سار كاتب الشونة في تصنيف كتابه على طريقة مؤرخي العرب التقليديين، أي سرداً حولياً يروي الأحوال سنة بعد سنة، مؤرخاً لسلطنة سنار منذ قيامها عام 1504م وحتى ما بعد سقوطها عام 1821م، مع إسهاب لافت في تفاصيل السنوات الأخيرة من عمر السلطنة ابتداءً من عهد السلطان بادي الرابع [2].
والسؤال الذي يتهرب منه أغلب من كتب عن هذه المخطوطة هو: لماذا كتبها أصلاً؟ فلا توجد إشارة واحدة إلى أن أحداً أمره بذلك أو كلّفه به رسمياً؛ لا سلطان استدعاه، ولا ديوان استأجره. الأقرب إلى الحقيقة أن الدافع كان مزيجاً بين نشأته العلمية التي ذكرناها، وبين موقعه الوظيفي المتميز كموظف إداري يمرّ يومياً بأخبار الولاة والحكام وهو يوقّع على وصولات الغلال؛ أي أن كاتب الشونة كان يمتلك، من موقعه المتواضع، امتيازاً نادراً: مقعداً في الصف الأول لمسرحية الحكم، وإن كان مقعده هذا يطل على المخزن لا على القصر.
أما فائدة هذا العمل في زمانه فقد اتضحت بجلاء متأخر، حين أرسل الحكمدار العام للسودان تشارلز غردون باشا شخصياً نسخة من الكتاب إلى خديوي مصر إسماعيل باشا عام 1878 م. والخديوي اسماعيل هذا هو الحفيد المعزول لمحمد علي باشا، بسبب الديون، وليس عمه إسماعيل باشا ابن محمد علي المحروق. وصف غردون المخطوطة في خطابه بأنها سجل بأسماء حكام وملوك السودان السابقين وتواريخ توليتهم وتخليهم عن الحكم، إلى أن آلت البلاد إلى الحكومة الخديوية [2]، أي أن الكتاب تحول عملياً إلى ما يشبه “السجل المدني للحكام”، وهي وثيقة إدارية بامتياز يحتاجها أي نظام حكم جديد ليعرف من حكم قبله ومتى، تماماً كما يحتاج موظف جديد إلى الاطلاع على أرشيف من سبقه قبل أن يوقّع أول قرار له. وبعبارة أخرى: كتاب بدأه محاسب غلال انتهى به المطاف وثيقة تأسيسية تحدد شرعية من يحكم السودان، وهذه ترقية لم يحلم بها كاتب الشونة نفسه وهو يُحصي أكياسه.
ولم يكن قراء كاتب الشونة في زمانه جمهوراً عريضاً يقرأ للمتعة أو الثقافة العامة، بل كانوا على الأرجح حلقة ضيقة من الموظفين والإداريين وخلفائه في العمل، ممن يحتاجون مرجعاً عملياً سريعاً لأسماء الولاة وتواريخهم، قبل أن يتحول لاحقاً، على يد غردون باشا، إلى وثيقة تُقرأ في أعلى مستويات الدولة بمصر نفسها. فالكتاب انتقل، خلال أقل من أربعين عاماً، من دفتر عمل محلي في مخزن غلال بالخرطوم إلى مكتب الخديوي في القاهرة، وهي رحلة اجتماعية للنص نفسه لا تقل إثارة عن أي رحلة قام بها كاتبه.
وتزداد الصورة وضوحاً حين نقارن هذا العمل بمعاصره أو شبه معاصره الأشهر: طبقات ود ضيف الله. فمحمد النور بن ضيف الله وُلد نحو عام 1727م وتوفي عام 1809م، أي قبل سقوط سلطنة سنار نفسها بأحد عشر عاماً، وقد بنى كتابه الشهير في التراجم والتصوف على ما جمعه من أخبار متواترة طوال حياته [4]، بينما كان كاتب الشونة، المولود عام 1785م، لا يزال في العشرينيات من عمره حين مات ود ضيف الله، ولم يلتحق بوظيفته في شونة الخرطوم إلا بعد سقوط السلطنة بثلاث سنوات على الأقل، وفرغ من كتابه بعد وفاة ود ضيف الله بثلاثين عاماً كاملة. فإذا كان ود ضيف الله قد أرّخ لأولياء الله وصالحيه وفقهائه ممن عايشهم أو سمع عنهم باُذنه، فإن كاتب الشونة أرّخ لملوك وولاة لم يلتقِ أغلبهم، وإذا كان الأول يكتب سير القلوب فإن الثاني يكتب سير العروش، وإذا كان الأول أنهى عمله وسلطنة الفونج لا تزال قائمة، فإن الثاني بدأ يكتب أصلاً لأن تلك السلطنة سقطت واستُبدلت بإدارة جديدة تحتاج من يُحصي لها تاريخ من سبقها، تماماً كما احتاجت إلى من يُحصي لها أكياس غلالها.

ماذا خطّ أيضاً في مخطوطته
نعم، رغم أن الطابع العام للمخطوطة هو سرد حولي لتولي الملوك وتخليهم عن الحكم، إلا أنها تضمنت أنواعاً أخرى من المادة التاريخية:
المجاعات والكوارث: سجّل كاتب الشونة، إلى جانب محمد النور ود ضيف الله، مجاعة عام 1684م الشهيرة التي عُرفت شعبياً بـ”سنة أم لحّم” (نسبة إلى اضطرار الناس لأكل لحوم الكلاب من شدة الغلاء وانعدام الغلال)، وإن كانت روايته لها أقل تفصيلاً من رواية ود ضيف الله فلم يزد شيئا كثيرا عما ذكره صاحب كتاب الطبقات.
أنساب الفونج والتاريخ الأقدم: تضمنت إحدى نسخه (نسخة دار الكتب المصرية) إشارة إلى نسب ملوك الفونج وصلتهم المزعومة ببني أمية، وموجزاً عن كيفية دخول الإسلام إلى السودان، وهي مادة تتجاوز مجرد رصد تواريخ التولي والتخلي لسلاطين سنار، عصب المخطوطة.
تعليقات على علماء الدين وخلاف نصي معهم: لم يكتف كاتب الشونة بذكر الحكام، بل علّق على علماء عصره أيضاً؛ فقد وصف محمد النور ود ضيف الله (صاحب الطبقات) بأنه “صاحب المذهب والشريعة، شيخ الإسلام فريد عصره”، بل وناقشه واختلف معه في مسألة علمية محددة (انتشار مدارس تعليم القرآن)، وهو ما يدل على أنه كان يورد آراء نقدية لا مجرد سرد جاف للتواريخ.
الوقائع العسكرية والصراعات الداخلية: بما أن المخطوطة تتبعت تاريخ السلطنة سنة بسنة حتى سقوطها، فمن المنطقي أنها غطت الأحداث الكبرى المرتبطة بتغير الحكم نفسه، مثل صراعات النبلاء وانقلاب الهمج عام 1762م الذي حوّل السلاطين إلى دمى بيد وزرائهم، وهي أحداث لا يمكن فصلها عن مجرد “تاريخ التولي والتخلي” لأنها سبب التغيير لا مجرد تاريخه.

مخطوطة واحدة، وعشر نسخ موزعة على خمس عواصم لم يزرها صاحبها
أنهى كاتب الشونة تأليف مخطوطته الأساسية عام 1838م، غير أن العمل لم يتوقف عند موته، بل توالى عليه أربعة رجال آخرون بالإضافة والتنقيح: أحمد الحاج محمد جنقل، والزبير عبد القادر ولد الزين المعروف بالزبير ود ضوة، وإبراهيم محمد عبد الدافع، والأمين محمد الضرير، وكان آخر تمديد للفترة التاريخية المرصودة قد بلغ عام 1871م [5][6].
بعبارة أخرى، احتاج موظف شونة واحد إلى فريق من أربعة «كتّاب أشباح» متعاقبين عبر أكثر من ثلاثين عاماً ليبقي سجله محدّثاً، وهذا أكثر مما يحتاجه أي بحث أكاديمي معاصر من مؤلفين مشاركين، وأشبه بمجموعة عمل بحثية موزعة على الزمن، قبل أن يخترع أحد فكرة “العمل من بعد” أو حتى فكرة “تحديث السيرة الذاتية”.
وتوزعت نسخ هذه المخطوطة، بعد رحلة طويلة من التنقل يحسدها عليها أي رحالة محترف، على ما لا يقل عن عشر نسخ عثر عليها المحقق يوسف فضل حسن في مكتبات دار الوثائق القومية بالخرطوم، ومكتبة الشريف يوسف الهندي، والقاهرة، واسطنبول، وباريس، والمتحف البريطاني، ومدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بلندن، وجامعة أكسفورد، وفيينا، وبَسّانو، إلى جانب نسخة نوتنقهام التي رجّحها بوصفها الأقدم والأقرب إلى الأصل [2]، أي أن نص هذا الموظف المتواضع طاف قارتين كاملتين قبل أن يستقر أخيراً بين دفتي كتاب واحد، وهي جولة عالمية ما كان كاتب الشونة، وهو يحصي أكياسه في الخرطوم، ليتخيل أن أوراقه ستنافس بها حقائب الدبلوماسيين.
ومن أطرف هذه النسخ نسخة دار الكتب المصرية، وعنوانها «مدينة سنار وملوكها»، وفيها إشارة إلى نسب الفونج وصلتهم المزعومة ببني أمية، ونسخة إسطنبول التي هي في الحقيقة صورة طبق الأصل عن نسخة القاهرة بعنوان «تاريخ بلاد السودان»، ونسخة لندن المحفوظة في المتحف البريطاني تحت الرقم 5432 والتي أهداها للمتحف تحديداً الجنرال تشارلز غردون نفسه عام 1881م [3]، أي أن الرجل الذي أرسل نسخة إلى الخديوي هو نفسه من تبرع بنسخة أخرى لمتحف لندن، فكأن غردون باشا كان أشد حرصاً على أرشفة كاتب الشونة من كاتب الشونة نفسه.
ولم يكن نصيب هذه الأوراق من التحقيق العلمي أقل تنقلاً: فقد أعدّ المؤرخ البريطاني ماكمايكل ترجمة إنجليزية لها في 48 صفحة مع 25 صفحة من التعليقات عام 1922م، ثم نشر مكي شبيكة تحقيقاً أول عام 1947م بعنوان «تاريخ ملوك السودان»، تلاه الشاطر بصيلي عبد الجليل بتحقيق ثانٍ عام 1961م بعنوان «مخطوطة كاتب الشونة في تاريخ ملوك السلطنة السنارية والإدارة المصرية»، ثم جاء التحقيق الأحدث والأضخم للبروفيسور يوسف فضل حسن عام 2018م بعنوان «تأريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان»، صادراً عن دار مدارك بمساهمة من شركة زين للهاتف السيار، في 339 صفحة عدا الملاحق والفهارس التي تجاوزت المائة صفحة، بعد رحلة بحث فردية استغرقت من يوسف فضل وحده نحو 25 عاماً [2][1][3]، وقد اعتمد فيه على نسخة جنقال المحفوظة في نوتنقهام، التي لم تكن قد دُرست علمياً من قبل، بناءً على اقتراح أستاذه بيتر مالكوم هولت أثناء دراسته للدكتوراه في مدرسة الدراسات الشرقية والأفريقية بجامعة لندن [3]، وهو ذات هولت الذي عمل قبل ذلك أميناً لمحفوظات حكومة السودان في الخمسينيات، وأنجز بنفسه ترجمة إنجليزية للمخطوطة عرّبها لاحقاً بدر الدين حامد الهاشمي بعنوان «سودان الأنيال الثلاثة» [7]، أي أن الرجل نصح يوسف فضل بتحقيق مخطوطة إدارية وهو نفسه خبير أرشيف حكومي سابق، فعرف قيمتها من موقعه لا من كرسيه الجامعي فحسب، ثم عاد وترجمها بنفسه حين لم يثق أحداً غيره بالمهمة. ومسار بيتر هولت نفسه — من موظف أرشيف حكومي في الخرطوم إلى أستاذ تاريخ في لندن — يشبه إلى حد بعيد قصة كاتب الشونة نفسه: كلاهما بدأ موظفاً حكومياً ثم انتهى به المطاف مصدراً أساسياً لتاريخ السودان. وهو ما يفسر أيضاً لماذا كان هولت هو من اقترح على تلميذه يوسف فضل حسن تحقيق نسخة نوتنقهام تحديداً؛ فقد كان يعرف قيمة هذه المخطوطة من موقعه كأمين أرشيف سابق قبل أن يعرفها كأستاذ جامعي.

الموضوعية والموثوقية، مؤرخ أم محاسب يخشى غضب رؤسائه؟
يعترف يوسف فضل حسن نفسه، في مقدمة تحقيقه، بصعوبة الحكم القاطع على هذه المخطوطة، مشيراً إلى أن تعدد النسخ وطول المدى الزمني الذي يقارب أربعة قرون، وكثرة من أسهموا في تأليفها وتنقيحها، وقلة المصادر المعاصرة لها، وغياب دراسات للخلفيات التاريخية لبعض ما تناولته، كلها عوامل تجعل التحقق منها عملاً شاقاً[1]، وهذا اعتراف نادر من محقق أفنى ربع قرن من عمره في نص واحد، ومع ذلك يقول بتواضع إنه لا يستطيع الجزم بكل حرف فيه.
وثمة ملاحظة أهم من ذلك بكثير في تقييم موضوعية النص: فالرجال الأربعة الذين أضافوا إلى مدونة كاتب الشونة ونقّحوها قد نالوا جميعاً وظائف في العهد التركي المصري الجديد، ولذلك لم يتعرضوا بالنقد لفظائع ذلك العهد في جباية الضرائب الباهظة وقسوة الأحكام، بما في ذلك استخدام الخازوق للمرة الأولى في تاريخ البلاد [1]، وهو ما يلخص بدقة معضلة كل مؤرخ راتبه في جيب من يكتب عنه: من الصعب أن تدين يد تطعمك، وأصعب أن تصف الخازوق بأمانة وأنت تتقاضى مرتبك من ذات الإدارة التي تستعمله، وأصعب من ذلك كله أن تكتب فقرة نقدية وأنت تعلم أن من سيراجع دفترك في الصباح هو نفسه من يملك حق تنصيب الخازوق ضدك.
وتتجلى محدودية أفق كاتب الشونة أيضاً في ضيق نطاقه الجغرافي، إذ تركّز روايته على النيل الأزرق وعاصمة سنار، بينما لم يذكر مشيخة خشم البحر الواقعة جنوب سنار، لخروجها الإداري، قبل حكم الهمج. ولم يعرف الشايقية قبل الغزو العثماني لبعدهم الإداري، وإنما اتسع نطاق روايته نسبياً مع قدوم الأتراك[8]، أي أن مؤرخنا كان في الحقيقة مؤرخ حيّه الإداري لا مؤرخ السودان كله، وهذا فارق جوهري كثيراً ما يُطمس حين تتحول مذكرات موظف محلي إلى «مصدر لتاريخ السودان» بإطلاق.
لكن لصاحبنا حسنة تُحسب له: فمخطوطته، في نسخة باريس على الأقل، لم تكتفِ بالنقل، بل ناقشت مصادر أخرى وخالفتها، إذ عارضت رأي محمد النور ود ضيف الله في طبقاته، القائل إن مدارس العلم والقرآن لم تشتهر في تلك البلاد، محتجّة بأن ذلك كان قاصراً على جهة النيل الأبيض فحسب [9]، وهذا يكفي لمنحه شهادة حسن سلوك متواضعة كناقد نصوص، حتى وإن بقي محدود الأفق كمؤرخ ميداني.
ورغم كل هذه التحفظات، فقد كان لمخطوطة كاتب الشونة شأن كبير: فقد اعتمد عليها الكولونيل ستيوارت في إعداد المقدمة التاريخية لتقرير رفعه إلى الحكومة البريطانية عن وضع السودان عشية اندلاع الثورة المهدية، كما اعتمد عليها نعوم شقير اعتماداً أساسياً في تأليف كتابه «جغرافية وتاريخ السودان»، واستند إليها المؤرخ الإنجليزي والاس بدج في كتابه عن تاريخ السودان المصري، وشكلت مصدراً مهماً لجاكسون في كتابه عن سنار، واستعان بها ماكمايكل في كتابيه عن قبائل كردفان وعن تاريخ العرب في السودان [2][3]، وشقير نفسه ضابط استخبارات مصري سابق اشتهر بدقته المهنية [10]، مما يعني أن أثر كاتب الشونة انسحب من دفتر شونة محلية إلى ما يقارب نصف مكتبة استشراقية كاملة عن السودان، دون أن يدري صاحبها الأصلي أبداً بهذا المصير.

التحريف، قديماً بيد الناسخ، وحديثاً بيد المحقق
أما مسألة التحريف فهي حاضرة في هذه المخطوطة من طبقتين مختلفتين تماماً. الطبقة الأولى قديمة، حدثت من داخل عملية النسخ والتنقيح نفسها: فقد كان الحاج محمد جنقل، وهو أول من واصل العمل بعد كاتب الشونة، يحرّف بعض فقرات النص الأصلي لصاحبه، وهو أمر يظهر بوضوح من خلال اختلاف الخط الذي كتبت به فقرات النسخة الأصلية عن الفقرات التي أضافها هو [8]، كما توجد نسختان متداولتان من الأصل: مسودة أولية ونسخة منقحة حُذف منها نحو خمسة عشر مقطعاً كاملاً [8].
بعبارة أخرى، كان جنقل يمارس نوعاً بدائياً من «تتبع لاحق للتعديلات» قبل أن يخترع أحد فكرة تتبع التغييرات في برامج الكتابة الحديثة بقرون، إلا أنه، خلافاً لتلك البرامج، لم يترك أثراً مرئياً لحذفه سوى تفاوت الخط بالعين المجردة، وهذا بالضبط ما يجعل مهمة المحقق أشبه بعمل محقق جنائي يقارن خطوط اليد لا يقارن نسخ الملفات، فلا زر “تراجع” في المخطوطات، ولا سجل تعديلات يعترف بصاحبه.
أضف إلى ذلك أن نسخة نوتنقهام ذاتها، وهي التي اعتمد عليها آخر تحقيق علمي، مكتوبة بالعربية الدارجة وبها عدد من الأخطاء الإملائية[3]، أي أن المحقق لم يكن يواجه فقط مشكلة التحريف المتعمد، بل مشكلة اللغة العامية والأخطاء الكتابية العادية أيضاً، وهما مشكلتان مختلفتان يسهل الخلط بينهما إذا لم يكن القارئ حذراً، فليس كل خطأ إملائي مؤامرة، وليس كل مؤامرة خطأ إملائياً.
أما الطبقة الثانية من «التحريف»، إن جاز التعبير، فهي حديثة ولا تُنسب إلى نية سيئة بل إلى ضرورة علمية: فقد تضمن تحقيق يوسف فضل حسن عام 2018م شرحاً وتحليلاً وافياً في الهوامش والحواشي خُصص للتعابير الدارجة وللنصوص المحرفة نفسها [3]، أي أن المحقق المعاصر لم يكن يضيف تحريفاً جديداً بقدر ما كان ينبش تحريفاً قديماً متراكماً منذ قرنين على الأقل ليقدمه للقارئ معلَّماً بعلامات التحذير المناسبة، وهذا هو الفرق الجوهري بين تحريف الناسخ القديم وتصحيح المحقق الحديث: الأول يخفي أثره، والثاني يعلن عنه في الهامش بكل خيلاء أكاديمية مشروعة.
ولا تشير المصادر المتاحة إلى أي تزوير أيديولوجي حديث متعمد في هذه المخطوطة بمعنى إقحام مادة كاملة لخدمة غرض سياسي معاصر، بل الصورة الأقرب للحقيقة هي تراكم عضوي بطيء من أخطاء النسخ، وحذف الفقرات المزعجة، والرقابة الذاتية التي مارسها موظفون خمسة يخشون انتقاد أرباب عملهم، وهذا في النهاية نوع من التحريف أشد فتكاً من أي تزوير مباشر، لأنه لا يكذب بل يسكت، ولأن سكوته استمر أكثر من قرن قبل أن يفضحه محقق يقرأ بين السطور.

الشونة التي حفظت التاريخ أكثر مما حفظت الغلال
تبقى مخطوطة كاتب الشونة شاهداً طريفاً على أن التاريخ لا يُكتب دائماً في البلاط، وأن أهم الوثائق قد تخرج من أقل الأماكن توقعاً: مخزن غلال حكومي يديره موظف لم يطمح يوماً إلى شرف التأريخ، بل ربما كان جل أمنيته أن ينتهي دوامه في وقته. غير أن قيمتها الحقيقية لا تكمن في افتراض أنها سجل محايد نزل من السماء، بل في كونها نصاً بشرياً بامتياز: كتبه رجل بلا تكليف من أحد، ثم حرّفه آخر بغير قصد أو بقصد، ثم نقّحه أربعة غيرهما كل منهم يحمل مصلحته ووظيفته، ثم أهداه حاكم عام لخديوي، ثم جاء محققون على مدى قرن كامل يحاولون فرز القمح من التبن. وهي، تحية واجبة لصاحبنا، استعارة يستحقها كاتب شونة أكثر من أي مؤرخ آخر؛ فهو الوحيد بينهم الذي عرف الفرق بين القمح والتبن بحكم مهنته الأصلية، قبل أن يعرفه بحكم مهنته الثانية.

المراجع
[1] محمد الشيخ حسين، «غوص جديد في مخطوطة كاتب الشونة»، سودانايل، 22 نوفمبر 2018م. الرابط: https://sudanile.com/غوص-جديد-في-مخطوطة-كاتب-الشونة-بقلم-محم/
[2] الخضر هارون، «كتاب تأريخ ملوك سنار والحكم التركي المصري في السودان: تأليف أحمد بن الحاج أبو علي (كاتب الشونة)، تحقيق البروفسور يوسف فضل حسن»، موقع مقامات، 21 أغسطس 2020م. الرابط: https://maqamaat.net/كتاب-تأريخ-ملوك-سنار-والحكم-التركي-الم/
[3] «مخطوطة كاتب الشونة»، مجلة السودان (Sudan Journal)، 6 أكتوبر 2021م. الرابط: https://sudanjournal.com/مخطوطة-كاتب-الشونة/
[4] «محمد نور بن ضيف الله»، ويكيبيديا العربية. الرابط: https://ar.wikipedia.org/wiki/محمدنوربنضيفالله
[5] «عندما أصبحت سِنَّار عاصمة الثقافة الإسلامية»، موقع إضاءات، 20 ديسمبر 2017م. الرابط: https://www.ida2at.com/when-sennar-became-the-capital-of-islamic-culture/
[6] «الشيخ إبراهيم عبد الدافع.. حياته وآثاره في مركز العز بن عبد السلام»، شبكة الطابية الإخبارية، 18 سبتمبر 2021م. الرابط: https://altabia.net/2021/09/18/الشيخ-إبراهيم-عبد-الدافع-حياته-وآثار/
[7] بدر الدين حامد الهاشمي (ترجمة)، «سودان الأنيال الثلاثة: ترجمة بيتر هولت لمخطوطة كاتب الشونة»، سودانايل، 11 أكتوبر 2018م. الرابط: https://sudanile.com/سودان-الأنيال-الثلاثة-ترجمة-بيتر-هولت/
[8] «تاريخ سنار (كتاب)»، ويكيبيديا العربية، آخر تحديث 12 يناير 2023م. الرابط: https://ar.wikipedia.org/wiki/تاريخ_سنار(كتاب)
[9] «تحالف الفونج والعبدلاب: الخصائص والدوافع (1504-1821م)»، صحيفة الراكوبة، 18 يونيو 2015م. الرابط: https://www.alrakoba.net/619482/تحالف-الفونج-والعبدلاب-الخصائص-والدو/
[10] «كتب ومؤلفات نعوم شقير»، مؤسسة هنداوي. الرابط: https://www.hindawi.org/contributors/80685181/
o

rkhalifa747@gmail.com

الكاتب
الرشيد خليفة

الرشيد خليفة

شارك هذا المقال
Email Copy Link Print

مصدرُك الموثوق للأخبار والتحليلات والآراء الدقيقة!

نقدّم تغطية دقيقة ومتوازنة، إلى جانب تحليلات معمّقة وآراء متنوعة تساعدك على فهم ما وراء الخبر. تابع آخر المستجدات والرؤى أولًا بأول.
3.5KLike
140Follow
5.5KFollow

يتصفح زوارنا الآن

منبر الرأي
كتائب الإسلاميين !! الوجع ( راقد ) يا حماد !!
منبر الرأي
اقليه الروهنجيا المسلمة ببورما(ميانمار) وجذور الاضطهاد الديني والعرقي . بقلم: د.صبري محمد خليل
منشورات غير مصنفة
هبة الأهلة .. بقلم: كمال الهِدي
بيانات
حزب الامة القومي: الامانة الامة: دائرة سودان المهجر: نعي الامير عبدالرحمن نقدالله
شرحبيل أحمد: النغم الذي يرقص في دواخلنا

مقالات ذات صلة

منبر الرأي

الهيكلة بالتعليم العام بالنيل الأبيض .. بقلم: حافظ مهدى محمد مهدى

طارق الجزولي
منبر الرأي

أعمال صادق جلال العظم وحضورها في أوروبا .. ترجمة د. حامد فضل الله وفادية فضة1 / برلين

د. حامد فضل الله
منبر الرأي

بمناسبة اليوم العالمي للشعر: الشعر وصياغة الشخصية الإنسانية. بقلم: بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير

بروفيسور عبد الرحيم محمد خبير
منبر الرأي

أبجديَّة صنع القرار والمآل .. بقلم: د. عبدالمنعم عبدالباقي علي

د. عبدالمنعم عبدالباقي علي
مساحة اعلانية
سودانايل
© 2026 جميع حقوق الطبع محفوظة، سودانايل
تصميم وتطوير JEDAR
Facebook Rss