نزار عثمان السمندل
صعد كامل إدريس على أكتاف بعض البلابسة التعساء في لندن، بينما كانت بلاد كاملة تغرق في الطين والدم والانتظار.
بدا المشهد كأنّه مأخوذ من احتفال فريق صاعد إلى الدرجة الثانية، أو من مهرجان شعبوي ضائع بين هتافات الحشود ورقصات المناسبات الرخيصة.
رجل يحمل لقب (رئيس الوزراء) في بلد تتساقط أطرافه تحت النار، يُرفع على الأعناق، في وقت يبحث فيه ملايين السودانيين عن سرير في خيمة، أو نقطة ماء، أو رغيف لا تحرسه المهانة.
الفيديو الذي انتشر كالجائحة، لم يحتج إلى خصوم كثيرين كي يثير الغضب والسخرية. الصورة وحدها أدّت المهمة. موسيقى صاخبة، وجوه متحمسة، وأكتاف تتدافع لحمل الرجل، بينما السودان عاجز عن حمل جثثه اليومية. تلك اللحظة لم تكن زلة بروتوكولية ظرفية، وإنما تلخيصاً فجّاً لعلاقة مرتبكة بين السلطة والمأساة.
سلطة تتصرف أحياناً كأن الحرب حدث بعيد يُشاهد على شاشة، لا حفرة مفتوحة تحت أقدام الجميع.
الذاكرة السودانية استدعت فوراً مشهد أسمرا، حين كان كامل إدريس يهتف بحماسة تلميذ في طابور صباحي: «عاش الرئيس أسياس. عاش الرئيس أسياس». الحناجر ذاتها، الانفعال ذاته، وذلك الولع المسرحي بالمبالغة.
رجل يفترض أن يقيس كلماته بميزان الدولة، فإذا به يتعامل مع السياسة كما يتعامل مشجع متشنج مع منصة احتفال. الفارق فقط أنّ السودان ليس حفلة، والناس فيه ما عادوا يحتملون فائض الأداء الخطابي الذي يتقدم دائماً على أي إنجاز ملموس.
عام كامل مرّ على توليه المنصب. الكهرباء ما زالت تنطفئ كأنها تتدرب على الاختفاء النهائي. المياه تتحول إلى أمنية يومية. السيولة النقدية تتبخر من الأسواق. المدن تتآكل من الداخل. النازحون يزدادون عدداً، واللغة الرسمية تزداد انتفاخاً.
حتى التعليمات التي يطلقها مستر كامل بين حين وآخر تبدو أقرب إلى منشورات تحفيزية على جدار شركة ناشئة؛ منه إلى قرارات تصدر عن حكومة تواجه حرباً متمددة وتمزقاً سيادياً وانهياراً اقتصادياً.
وسط هذا الخراب، خرجت الهتافات الحربية في لقاء لندن كأنها طلقات إضافية في صدر التعب السوداني. الحشود التي أرادت صناعة لحظة انتصار رمزي، انتهت إلى إنتاج مشهد منفصل عن الإحساس العام للناس. ملايين السودانيين لا يريدون أناشيد تعبئة جديدة. يريدون نهاية لهذه المجزرة الطويلة. يريدون لغة تطفئ النار، لا إيقاعات تزيدها اشتعالاً.
تنسيقية مقاومة الفاشر التقطت المفارقة بشفافية قاسٍية. بلد يختنق بالعطش والعتمة والجوع، ورئيس حكومته يتنقل بين اللقاءات الاحتفالية.. كأن البلاد خرجت تواً من موسم ازدهار اقتصادي.
الفجوة بين السلطة والشارع لم تعد مجرد اختلاف في التقدير السياسي. تحولت إلى انفصال نفسي كامل.
السودان يعيش في جهة، وخطاب السلطة يعيش في جهة أخرى أكثر دفئاً وأقل صخباً بالمعاناة.
حتى الرحلة الأوروبية نفسها بدت كأنها تسير فوق أرض رخوة. لا اختراقات سياسية حقيقية، لا حفاوة دبلوماسية لافتة، لا حضور مؤثر في العواصم الكبرى. زيارة الفاتيكان كانت مروراً بروتوكولياً بارداً، وفعالية أكسفورد الطلابية لم تترك أثراً خارج الصور التذكارية.
ثم جاءت الفضيحة الأكبر: تحقيقات الشرطة البريطانية في اعتداءات طالت محتجين سودانيين أمام جامعة أكسفورد، وما تبعها من إلغاء لقاءات لمستر كامل مع المجموعة البرلمانية البريطانية الخاصة بالسودان. فجأة، تحولت الزيارة من محاولة لكسر العزلة إلى مناسبة إضافية لتذكير الجميع بأن السلطة في بورتسودان تحمل أزمتها معها أينما ذهبت.
السخرية التي اجتاحت منصات التواصل لم تكن مجرد شماتة سياسية. كانت تعبيراً عن تعب جماعي من الأداء الاستعراضي. السوداني الذي خسر بيته، أو أخاه، أو مدينته، لم يعد قادراً على احتمال مسؤول يطلب التصفيق قبل أن يقدم شيئاً قابلاً للمسّ.
البلاد التي تُدار بالهتاف تنتهي عادة إلى صمت ثقيل. والسودان اليوم غارق في ذلك الصمت؛ صمت المدن المنهكة التي تشاهد الخوازيق التي تُسمّى “قادتها” يتبادلون الشعارات… في وقت يتسرّب فيه الوطن من بين أصابع الجميع.
تباً لكم.
