ربما لا يكون مصطلح ديستوبيا Dystopia قد طرق إذن الكثير من الناس، فهو مصطلح يمكن وصفه “بالمهاجر” مِن منابر السياسة وخطابها الي عوالم الأدب وفضاءاته، فبرغم أنه مصطلح قديم، إلا أن إستخدامه السياسي يُنسب للفيلسوف جون إستورت مِل في العام 1868.. ومن بعدها تمت هجرة المصطلح لعالم الأدب الروائي وأصبح يتناول موضوعات الفساد والجريمة والتلوث والتجسس وكافة أشكال المجتمع أللاإنساني الذي يطفح بالفساد والقبح أو ما يمكن وصفه بالمجتمع (الكابوسي) أو المجتمع (الكارثي) كحالة متخيلة يمكن حدوثها في لحظة تاريخية معينة… وتعتبر رواية 1984 للكاتب الإنجليزي الفذ جورج أُورويل أحد أبرز معالم هذا الضرب من الفن الروائي.
بالمقابل فإن مصطلح يوتبيا Utopia يعبر عن المثالي أو المأمول أو المفترض فقد ولج معظم العلوم الإجتماعية منذ عهد بعيد، ولعل رسائل إفلاطون في المدينة الفاضلة تُعد أحد أبرز المعالم في تصور ما يجب أن تكون عليه الدولة أو المدينة.
برغم أن كلا المصطلحين يتحدثان عن واقع متخيل وافتراضي، إلا أن الواقع قد يؤكد حدوثهما في بعض المحطات التاريخية من عمر بعض الشعوب لذلك فوجودهما ليس إستحالة مطلقة، وإنما إحتمالية واردة الحدوث.
قد يكون من المستفز للعقل السوداني البسيط في ظرفه الراهن الإشارة لدولة الإمارات العربية بأنها تعيش حالة نسبية من اليوتوبيا المثالية بعد أن وصلت مستوى عال من السمو الإنساني و التطور الإقتصادي، فتكوين وزارة بإسم وزارة السعادة. ثم وزارة للتعايش والتسامح يقف كمؤشر للحالة اليوتوبية التي أخذت تتشكل معالمها الأولية في حدود الممكن الذي يسمح بها ظرف عالمثالثي وفي فضاء عربي مثقل بالتخلف. ومرد الإستفزاز للعقل السوداني ما يتردد عن دور الإمارات في حرب السودان، ودعمها لمليشيا الدعم السريع. وقد يكون مجرد ذكر هذا الأمر مستفزا لكثير من السودانيين الذين درجوا على إطلاق إسم “الدُولية” على الإمارات كنوع من التصغير والتحقير، وهو في نهاية التحليل إستجابة لحالة عزاء ذاتي لنفسية مهيضة تحاول البحث عن النقائص للغريم في الحجم الجغرافي، بينما في الواقع الموضوعي ومن منظور الجغرافية السياسية، فإن الإمارات وما تلعبه من دور إقليمي ودولي يتجاوز منطق الجغرافيا السياسية وما تفرضه حتميتها من صغر مساحة وضيق حدود لتدخل عالم بسط النفوذ بمنطق الجيوبولتكس بعضلات منفردة لا تقل قوة في عضدها وفُتوّتها عن دور مصر السبعينات، ولا تركيا الألفينات.
بينما في المقابل وللأسف فإن الواقع السوداني وبذات منطق الحيوبولتكس قد أخذ يعيش واقع المفعول فيه كونه أضحى ساحة لممارسة النفوذ من الدول الأخرى بما فيها الإمارات.
هذا فضلاً عما يعيشه السودان من حالة ديستوبيا مؤكدة غير مفترضة وهذا ما يُلقي بتحد أساسي أمام رئيس الوزراء المعين حديثاً السيد كامل إدريس. فبرغم أن تعيينه لم يتجاوز الشهر بعد، إلا أنه يواجه تفاصيل المجتمع الديستوبي بكل معاني الكلمة الواقعية والمفترضة.. ففي خطابه الإفتتاحي أكد أنه جاء (لإنفاذ القانون والعدالة والتنمية المستدامة). كما أكد أيضا على أنه (سيعمل على محاربة الفساد).. في الوقت الذي طفت فيه قضيتان تضعان الوزير الأول بين يوتوبيا الخطاب وديستوبيا الواقع.
كانت الحادثة الأولى ما تردد في الوسائط عن حالة فساد شابت خدمات الحج المقدمة للحجاج السودانيين في مشعر منى من خدمات غير لائقة إنسانياً مقابل ما تم دفعه من مبالغ مالية… وقد تردد أن السيد إدريس قد وجه بتشكيل لجنة للتقصي حول شبهات الفساد في هذا المضمار. ورغم أن حالة الفساد في هذه الواقعة يُعد طفيفاً مقارنة مع حجم الفساد البنيوي في جسم الدولة وهياكلها التنفيذية، إلا أن هذا الإجراء بحد ذاته يمكن أن يكون مدخلا لمعالجة الكثير من مظاهر الفساد الأكثر تأثيرا وأبعد مدى.
الحادث الثاني وهو الأشد مضاضة هو حادثة إغتيال المواطن عبد السلام من سكان مدينة أمدرمان- الثورة الحارة العاشرة والتي ضجت بقصة موته الأسافير… إن ما تردد عن كيفية موته الدراماتيكي والتراجيدي يؤكد الزعم بأن المجتمع السوداني الآن يشهد حالة (ديستوبية) تفوق حجم المتخيل الذي يمكن أن تجود به أي قريحة ممعنة في الخيال.. ومع صعوبة التأكد من ملابسات تلك الوفاة، إلا أن مجرد حدوثها يؤكد الحالة الديستوبية لاسيما وأن هنالك عناصر فوضى كبرى تتسيد المشهد في عمومه أولها واقع الحرب، وثانيها وجود القوات المليشياوية المسلحة، وحالات تفلت أمني مريع. وإنهيار منظومة العدالة من نيابة وتقاضي وسيادة حكم القانون… إلخ.
إن إغتيال مواطناً وبغض النظر عن الكيفية التي وجد بها ذلك المصير، تضع السيد رئيس الوزراء في وضع جدي، فالرجل وطالما قبِل بتقلد المنصب فى هذه الظروف الديستوبية يظل مطالب بترجمة أحلامه اليوتوبية التي طرحها في خطابه وهي سيادة القانون والعدالة ومحاربة الفساد.. فموت إنسان بدون وجه حق هو واحد من الكبائر، ولا يمكن تبريره بواقع الحرب أو غيرها من الظروف. لاسيما وأن كثير من المواطنين يتطلعون للعودة لمدنهم وقراهم التي هجروها بالنزوح واللجؤ.
على عموم الأمر، ومهما يكن من شئ، إذا كانت دولة مثل الإمارات قد توجهت في يوتوبيتها ضمن الممكن بإنشاء وزارات خاصة بالسعادة ومن بعدها التعايش والتسامح وهي في نظر السودانيين عبار عن مجرد ” دُويلة” فسيكون من الواجب على أهل الدولة الكبيرة أن يستهجنوا صيغة الموت المجاني، وليجد الجاني ما يستحق من العقاب، حتى تكون الحياة مفعمة بالتطلعات اليوتوبية بما فيها السعادة والأمل والرفاه لا تلك الديستوبية (الكابوسية) التي لا يمكن أن يُطاق العيش فيها.
كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
wadrajab222@gmail.com
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم