يقترب كامل إدريس من نهاية المائة يوم الأولى على رأس الحكومة، لكن السودان لم يشهد بعدُ حكومة، ولم تُشرق بعدُ خطة، ولم يَسمع الناس إلا صدى كلمات متفرقة عن “حكومة الأمل” التي تبدو وكأنها سراب بعيد في صحراءِ واقعٍ يحترق.
ثلاث سنوات من شغور المنصب المهم سبقت تكليفه، في خضم صراع دموي طويل بين الجيش والدعم السريع، وضغوط داخلية وخارجية تتصاعد بلا توقف… كلها تجمّعت لتشكّل الخلفية لاستدعائه، الذي نظر إليه كثيرون على أنه خطوة نحو الحل، فإذا به مجرد قطعة مَزيدة في رقعة الفوضى: رئيس بلا أذرع لحكومة بلا تأثير.
منذ أول يوم، لم يكن إدريس أكثر من واجهة: رئيس يُطل من نافذة مكتب بلا مفاتيح، يحكم بلا أدوات، يقرر بلا سلطة. العسكر استحوذوا على كل صلاحياته التنفيذية، وفرضوا عليه وزراء ومستشارين ليس بين يديه ما يستشيرهم حوله، فأصبح المنصب مجرد تمثيل، وصوت إدريس في الحرب والسلام والإصلاح اليومي؛ مجرد همهمة ضائعة في صدى السلطة العسكرية.
عيّنوه باسم “الأمل”، ليصنع لهم واجهة شرعية، بينما الحرب تأكل الناس والأرض، والاقتصاد ينهار، والمواطن يختنق تحت غبار النزوح والفوضى. كل ما يملكه إدريس، هو ذكرياته من وساطات سابقة، وحلمه بإعادة السودان إلى ذاته، لكن حتى الحلم يحتاج إلى أدوات، وإلى سلطات، وإلى زمن بات يتسلل من بين الاصابع.
التعيين لم يكن “مشروع إنقاذ” فعليّ، بقدر ما كان “مناورة تكتيكية”، ورسالة للأمم المتحدة، والدول الإقليمية، مفادها أن السودان لديه حكومة مدنية، بينما الحقيقة تقول إن الجيش ما يزال يمسك بالسلطة، والمجتمع المدني يراقب بلا أفق.
لمع اسم كامل إدريس في أذهان السودانيين لأول مرة، عندما جمع بين خصمي التسعينيات (المهدي والترابي)، وساهم في 2014 في إنهاء اعتقال المهدي وإبراهيم الشيخ. لكن هذه المرة المشهد أكثر قتامة؛ ليس مجرد خلاف سياسي، بل دولة تنهار، شعب يتألم، وحكومة شكلية تُصارع واقعاً يتخطى التوقعات.
الحرب مستمرة، والدمار لم يتوقف. والملفات التي أمامه أعظم من قدراته الفردية: إعادة المواطنين إلى ديارهم، بسط الأمن، إصلاح ما دمرته المليشيات، ترتيب أولويات الإعمار في ظل ميزانية موجّهة للحرب.
مائة يوم كشفت عن الحقيقة: أنه يقف على حافة التاريخ، بين ما كان يمكن أن يكون، وما أصبح واقعاً يئن تحت وطأة الحرب والانقسام.
لكن أسوأ ما يمكن رصده في هذه التجربة ليس عجز إدريس عن الفعل، بل قبوله بأن يكون واجهة لسلطة مأزومة، أن يُستعمل كقناع يمنح الانقلابيين شرعيةً افتقدوها، وأن يرضى بأن يُستدعى اسمه لا ليصنع معنى، بل ليستر خواءً يزداد اتساعاً. تلك هي الخطيئة التي لا تُغتفر: أن يتحوّل رجل قادم من تجارب دولية ومخزون من الجوائز المرموقة، إلى مجرد ورقة في يد جنرالات غارقين في الدم.
والحقيقة المرة أن جذور الأزمة أعمق من الأسماء والمناورات: لا حلّ لمعضلة السودان إلا بإعادة هيكلة القوات المسلحة، وحلّ المليشيات ودمج الصالح منها في الجيش وتسريح البقية، حتى تعود للدولة هيبتها ويستعاد لجيشها معناه القومي. ولا مستقبل بلا حكومة مدنية حقيقية، تنهض بملفات العدالة والتنمية ومكافحة الفساد وإعادة الاعتبار إلى الدولة الوطنية التي دنّسها العسكر والكيزان.
أما غير ذلك، فليس إلا إعادة تدوير الكارثة، وتأجيل الانفجار. وكأن قدر السودان أن يبقى في غرفة الانتظار، بين واجهات شكلية تُرسم بعناية، وحقيقة دامية تتآكل فيها البلاد من الأطراف إلى القلب.
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم