كتب الأستاذ الجامعي د. محمد عبد الحميد
بصفتي باحثاً في العلاقات الدولية، اعتدت ربط الظواهر السياسية بسياقاتها وخلفياتها، وجدت نفسي أمام مشهد دبلوماسي أعترف بصعوبة تفسيره، حيث يصعب تبيّن المغزى الحقيقي من زيارة كامل إدريس لدولة الفاتيكان.
من المعلوم أن دولة الفاتيكان تمثل رمزية استثنائية في قلب العالم المسيحي، إذ يتجاوز مفهومها الدولة التقليدية لتغدو مرجعية روحية وأخلاقية لأكثر من مليار وثلاثمئة مليون كاثوليكي، كما أن صوتها في قضايا السلام والإنسانية يفوق كثيراً وزنه رقعتها الجغرافية.
غير أن هذه الزيارة جاءت، للمفارقة، في أعقاب جولة أفريقية مطوّلة قام بها البابا ليو الرابع عشر، شملت دولاً ذات ثقل كاثوليكي حقيقي وامتداد بشري راسخ للكنيسة، حيث الحضور الديني عميق والتأثير الاجتماعي مباشر.
أما السودان، فيقف في موقع مغاير، إذ لا تمثل فيه المسيحية من اتباع الكاثوليكية سوى أقلية محدودة، تقلّصت بصورة أكبر بعد انفصال الجنوب عام 2011.
فقد بحثت بعمق في منطق الزيارة، وحاولت أن ُعزي الأمر بدايةً إلى قضايا الحرب والسلم في السودان. غير أن الحرب التي اندلعت منذ أبريل 2023 ليست ذات طابع ديني أو طائفي، كما كان الحال في الصراع الطويل مع الجنوب، فهي في جوهرها صراع نفوذ ومصالح بين قوى متناقضة، في بلد يتداعى اقتصاده ويتفكك نسيجه الاجتماعي.
في خضم هذا الصراع اللجب، تبرز شخصية كامل إدريس كواجهة مدنية محدودة الصلاحيات، تعمل ضمن منظومة عسكرية تمسك بمفاتيح القرار. وقد دأب الفاعلون العسكريون، منذ انقلاب أكتوبر 2021، على توظيف الواجهات المدنية في المشاهد التي تتطلب قبولاً خارجياً، دون التفريط في السلطة الفعلية.
وقد لا يخفى التناقض على المتابع أن “رئيس الوزراء”، ما فتأ يكرّر في خطاباته الرسمية أن أولويته استعادة أمن الدولة “بإنهاء التمرد”، ترأس بنفسه وفداً التقى البابا في لقاء بروتوكولي، ومع ذلك بدت الجولة كبحث عن صور الاعتدال والاحتياط الرمزي. من زاوية معسكر “الحسم”، يتحوّل هذا التصرف إلى تناقض عملي صارخ للخطاب، ما لم يوضح إدريس شخصياً كيف سيتحوّل خطاب الحسم إلى سياسةٍ مشتركةٍ قابلة للتطبيق داخلياً وخارجياً. وفعلاً، بدا أن جزءاً من هذا المعسكر قد استاء من هذا التحول الرمزي.
من هذه الزاوية، يمكن قراءة زيارة الفاتيكان على أكثر من مستوى. فعلى المستوى الأول، تبدو كاستهلاك دبلوماسي للداخل السوداني، يهدف إلى الإيحاء باستمرار عمل الدولة، وبأن ثمة حراكاً خارجياً لم ينقطع، وأن السودان لم يُعزل بالكامل. وتظل الفاتيكان، في هذا السياق، وجهة مريحة، لكونها لا تطرح الأسئلة السياسية الضاغطة التي تطرحها عواصم القرار الكبرى. وعلى مستوى ثانٍ، قد تحمل الزيارة رسالة ناعمة إلى الرأي العام الغربي، لا سيما الأوروبي، حيث تشكّل الفاتيكان بوابة رمزية إلى الوجدان المسيحي. والظهور في هذا الفضاء يوحي بالاعتدال والانفتاح، وهي صورة تسعى بعض الأنظمة إلى توظيفها لتخفيف الضغوط أو إعادة تقديم نفسها.
أما على المستوى الثالث، فلا يُستبعد أن تكون الزيارة محاولة لإبراز الاهتمام بأوضاع الأقليات المسيحية، وهو ملف يمنح حامله قدراً من الشرعية الأخلاقية في المحافل الدولية. وتزداد دلالة الزيارة عند استحضار شخصية البابا ليو الرابع عشر، الذي تبنّى منذ بداية حبريته خطاباً واضحاً في الدعوة إلى السلام. وقد ظهر ذلك جلياً في مواقفه مع ادارة ترمب في حربه ضد إيران.
وهنا يبرز سؤال جوهري.. هل يحمل الوفد السوداني خطاباً للسلام ينسجم فعلاً مع هذا التوجه؟ أم أن الأمر لا يتجاوز كونه خطاباً دبلوماسياً للاستهلاك الخارجي؟ فالمعضلة لا تكمن في اللغة المستخدمة، لكن في مدى اتساقها مع الواقع الداخلي. مع ذلك، فإن القراءة الأعمق تشير إلى أننا أمام تحرك أقرب إلى إدارة الانطباع منه إلى بناء استراتيجية. فعندما يُوفَد بلد يعيش حرباً معقّدة وفد محدود التفويض إلى جهة لا تمثل فاعلاً مباشراً في مسار الأزمة، فإن الرسالة التي تصل إلى المراقب ليست مبادرة بقدر ما هي تعبير عن ضيق الخيارات.
أما محطة لندن، فهي الأكثر دلالة رغم هدوئها. فقد اختار الوفد منبرَي أكسفورد وكامبريدج، وهما المؤسستان اللتان شكّلتا تاريخياً عقل النخبة البريطانية وصانعة القرار فيها. غير أن بريطانيا ليست في حاجة إلى من يعرّفها بالسودان، فأرشيف وزارة خارجيتها ومجلس عمومها وابحاث تشاتام هاوس تحمل من الملفات عن السودان ما تنؤ به العُصبة أولي القوة. لكن الرهان هنا لا يبدو موجهاً إلى المعرفة، بقدر ما هو للتأثير… محاولة تمرير خطاب عبر الفضاء الأكاديمي إلى دوائر صنع القرار، حيث المسافة بين الجامعة والدولة أقصر مما تبدو عليه. في المحصلة، لا تُقاس الدبلوماسية في أوقات الأزمات بعدد الزيارات، بقدر ما تقاس بعمق التفويض، ووضوح الأهداف، وقدرة الفاعلين على تحويل اللقاءات إلى نتائج ملموسة.
على عموم الأمر عندما تغيب عناصر التفويض الواضح والغاية المعلنة، تتحوّل الزيارات إلى طقوس لإدارة المظهر بدلاً من أدوات لحلِّ الأزمة. وقد لا يبقى من تلك الجولة أثر في ذاكرة السياسة، لكن قد تُسجَّل في صفحات المذكرات لشخصية قد تكتب بعد مغادرة مكتبها انها ترأست شخصيا لقاءً مع الحبر الأعظم.
د. محمد عبد الحميد
prof.mohamed.ahameed@gmail.com
