كلما حاولتَ الابتعاد عن الخطوط المودية بنا جميعاً إلى القفز ( خارج) الأمل في التعايش مع ( الآخر) في سلام ( حقيقي)، كلما جرك ( واقعٌ) في مخيخ البعض من الذين تجذرت العنصرية و العصبية القبلية في نفوسهم.. و تكشفت بكل قبحها متى استفزتهم ( رصاصات) طائشة من شخص طائش يعيش في وهم التمكين متجاوزاً ( الحياة) مع الآدميين إلى مرحلة ( الجلوس) مع الملائكة..
و فجأة تتبدل المواقف لتجد نفسك تحارب ( غصباً عنك) طائشين يقفون في (الصف) معك لصالح طائشين يقفون في الصف المقابل ضدك.. و يا للهول!
كانت الكلمات ( الرصاصات) التي أطلقها الاستاذ\ ياسر يوسف أبكر في الهواء الطلق كفيلة بإخراج العنصرية و الجهوية بشكل مزرٍ و على نطاق مؤسف .. و لم أكن أعرف اسم جد السيد ياسر يوسف.. إذ لم تكن وسائل الاعلام تورد اسمه حتى الجد.. لكني فوجئت- أول ما فوجئت- بأحد كتاب الأعمدة بإحدى الصحف- يستفزني بشدة و هو يكتب:- ( … يا ود أبكر)! شعرت في التو و اللحظة ب:-
“فغضَّ الطرفَ إنك من نميرٍ فلا كعباَ بلغتَ و لا كلابا“..
فالرسالة واضحة و جلية.. ياسر لم يبلغ مبلغ المنتمين إلى مثلث حمدي (الحصين) الذي يستطيع كل من في الداخل منه أن يقول ما يشاء دون المساس بأبيه أو أمه أو منطقته بكاملها.. و لا يجنح أي كاتب للحديث عنه ( إلا) في حدود ( الموضوع)..
أما إذا التحق اسمك بدلالات انتماء إلى الغرب ( الجريح)، و ربما الجنوب ( الكسيح)، فويلُ امِّك، السهام سوف تمطر عليك و على أبيك و جد جدك مدراراً لتنغرس في ( تربة) أسلافك ببساطةٍ لا تحرجُ سكانَ ( المثلث
) المحمي ( تاريخياً).. و سوف تترك ( المقذوفات) الموضوع المثار تماماً، و ربما توليه قليل اهتمام فحسب..
و قد أثار موضوع ( ود أبكر) حفيظة صديقٍ لي أيضاَ، و هو أديب رقيق الطبع.. مثقف بحق يحفظ الكثير من القصائد الفصحى و العامية.. و هو الذي قرأ لي ذات يومٍ قصيدة للشاعر أيوب صديق جاء فيها:-
” و لرب قائمة تولى أمرها مؤذي الورى في عهده المنحوسِ”
إلى:-
” فاق الفتى في اللؤمِ فعلَ رئيسِه فعجبتُ من لؤمِ الفتى المرؤوسِ”
حاولت تهدئته بقولي أن الفتى الذي وصفه أيوب صديق أكثر شبهاً بالسيد\ ياسر يوسف ( أبكر).. الذي أتى بما لم يأتِ به البشير و لا نافع.. و لا الخ..
لكن صديقي رد علي بواحدة من مقولاته الدارفورية :- ” كان لقيتي جلابه في غابه يقول ليك يابا!.. و كان لقيتي في دكان، يقول ليك إذْا كان!.. و كان لقيتي قدام قاضي بقول ليك مش فاضي!”
و مضى يسقط ما في جوفه من رأي في ( التهميش) على الأرض.. و يضرب الأمثال.. و يذكرني ببعض الحقائق التاريخية.. مثل عدم إيراد تاريخ السلطان تاج الدين ضمن تاريخ السودان، و هو الذي هزم الفرنسيين في (
معركتين) شهيرتين ( وجهاً لوجهٍ).. و زرع الهلع في نفوسهم ما دعا الفرنسيين إلى الكف عن الاستمرار في غزو دارفور.. هذا بينما ظل تاريخ المك نمر يدرس في الكتب المدرسية.. كمقياس للشجاعة و البطولة.. رغم أن المقارنة تجعل كفة البطولة الأحق ( بالتأريخ) في صالح السلطان تاج الدين بكل المقاييس.. إذا كان الهدف هو إيجاد رمز ( واحد) فقط للبطولة..
تحاورنا كثيراً.. و ( تقيأ) هو الكثير الذي لا داعي لذكره درءاً للمزيد من الجدال المودي ( بالسودان) إلى المزيد من تعميق الجراح و تكبير الشروخ.. فمعظم النار قد تأتي من حيث لا ندري.. و نحن مواجهين بالمتمترسين في صفوف الظَلَمَة بُغية استدامة الظلم..
أرجوكم، لا تنكأوا الجراح.. ضمدوها ما أمكن!
osmanabuasad@gmail.com
//////////
شاهد أيضاً
الطيب صالح: كنت هناك حينما ضرب خريتشوف المنضدة بحذائه
عبد المنعم عجب الفَيا كتب الطيب صالح*:“أول مرة زرت فيها نيويورك كانت في عام ١٩٦٠، …
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم