ذات يوم ، فاجأني ابني الصغير بسؤال مباغت: هل تشجع ريال مدريد أم برشلونة؟ وعندما حاولت إفهامه بأنه لا ناقة لي ولا جمل في تشجيع أي فريق أجنبي، انصرف ولسان حاله يقول: أنت متخلف رياضياً كيف لا تشجع الريال أو البرشا؟! ومنذ ذلك الحين صرت اتابع أخبار الريال والبرشا وأحاول مشاهدة ميسي لاعب البرشا في أي لقطة مبثوثة بالعرض البطيء وهو يعزف أجمل موسيقى كروية بقدميه الساحرتين ويحرز أروع الأهداف برأسه الذهبية الماكرة مقنعاً العالم بمفهوم العولمة الرياضية ومنتزعاً عيون المشاهدين من وقت لآخر من أخبار الدكتاتوريين العرب والأفارقة الذين يحاولون إحراز أهداف سياسية غير مشروعة في شباك شعوبهم فيقابلهم حكام السياسة الدولية بسيل من الكروت الصفراء والحمراء ويواجههم جمهور العولمة السياسية بصفير حاد من الاستهجان الدولي!
قبل أيام ، تابع ملايين البشر في العالمين العربي والأفريقي مباريات كأس الأمم الأوربية 2012 ببولندا واوكرانيا بشغف بالغ واضطر بعضهم لقلب روتينهم اليومي رأساً على عقب من أجل مشاهدة مباريات نصف النهائي والنهائي في كأس الأمم الأوربية والتي كانت تبث في وقت متأخر من الليل دون أن يكلفوا أنفسهم عناء متابعة مباريات كأس العرب 2012 ومباريات دوري أبطال أفريقيا 2012 التي كانت تُجرى في ذات التوقيت، والسبب كما يقول الكثيرون هو ارتفاع المستوى الفني للفرق الأوربية وارتفاع المستوى التنظيمي في مسابقات كأس الأمم الأوربية التي تعتبر ثاني أكبر حدث رياضي عالمي بعد كأس العالم لكرة القدم وبدا واضحاً للعيان أن أغلب المشاهدين العرب والافارقة يفضلون مشاهدة مباريات الايطاليين والاسبان الرفيعة المستوى على مباريات الفرق والأندية العربية والافريقية التي تُلعب عادةً بالصف الثاني وفي ملاعب خالية أو شبه خالية من الجمهور الرياضي المتحمس!
من المؤكد أن مباريات كأس الأمم الأوربية قد حفلت بمفارقات كروية كثيرة لعل أبرزها أن فوز الفريق الأسباني بكأس الأمم الأوربية رغم معاناة أسبانيا من شبح الافلاس الاقتصادي وهزيمة الماكينات الالمانية رغم تمتع ألمانيا بأقوى اقتصاد أوربي يثبت أن شماعة الامكانيات هي مجرد وهم عالمي وأن كرة القدم الدولية لا تمنح كؤوسها الغالية إلا للفرق المكافحة العنيدة ، أما أكبر مفارقات البطولة الأوربية فهو أن هدف انجلترا الملغي في شباك المانيا قد دفع الاتحاد الدولي لكرة القدم لاصدار قانون يسمح باستخدام تكنلوجيا خط المرمى بغرض احتساب الأهداف المثيرة للجدل التي لا يراها أو يتعامى عن رؤيتها رجال الخطوط البشريين ومن المؤكد أن هذا النوع من التحكيم الالكتروني سينتشر في العالم وليس من المستبعد أن يشاهد البشر في السنوات القادمة رجال خط وحكام وسط الكترونيين وأن يختفي إلى الأبد ذلك الجدل البيزنطي حول أخطاء التحكيم البشري التي تفضي إلى الظلم الذي لا يحبه أغلب البشر بالفطرة وينفرون منه بالغريزة!
sara abdulla [fsuliman1@gmail.com]
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم