ترجمة: إبراهيم جعفر…
حقيقة الأمر مع سانشو بانزا
بدون أن يجعل من ذلكَ مفخرةً لنفسه نجح سانشو بانزا، في غضونِ سنينٍ عديدة وعبر إطعام شيطانه عدداً عظيماً من رومانسيّات الشرق والمغامرة في ساعات المساء والليل، في شغل ذلك الشيطان، الذي سمّاه أخيراً دون كيشوت، عن نفسِهِ. فمضى الشيطان إيّاه، منذُ آنذاكَ، غيرَ هيّابٍ، سادراً في أكثرِ طلعاته جنوناً والتي، لافتقارها إلى موضوعٍ مسبقَ التّعيّن كان ينبغي له أن يكون سانشو بانزا نفسه، لم تؤذِ أحداً على أيّةِ حال. كرجلٍ حرٍّ اتّبع سانشو بانزا، فلسفيّاً، دون كيشوت في غزواته الصليبية. لربما فعل ذلكَ بدافعٍ من حسٍّ بالمسؤولية ونال منه متعةً عظيمةً ومُرشدةً إلى آخرِ أيّامه.
(ترجمها عن الإنجليزية ويلا ميور وإِدوَنْ ميور).
بروميثيوس
هنالك أربع أساطير تتعلّق ببروميثيوس:- بحسب الأولى هو قد شُدّ بكُلاّبٍ على صخرةٍ في القوقاز لأنه أفشى أسرار الآلهة للبشر، ثمّ أرسلت الآلهة صقوراً لتتغذّى على كبده، الشيءُ الذي جُدِّد بلا منتهى.
بحسب الثانية فإنّ بروميثيوس، منخوساً بألمِ المناقير النّاهشة، ضغطَ نفسه عميقاً فعميقاً في جوفِ الصخرةِ حتّى صارَ واحداً معها.
بحسب الثالثة فإنَّ خيانة بروميثيوس قد نُسيت في بحر آلافٍ من الأعوام؛ نُسِيَت من قبلِ الآلهة، الصقور، نُسيت من قِبَلِهِ هو.
بحسب الرابعة بات الجّميع متعبين من كلِّ الأمر الذي لا معنى له. الآلهة باتوا متعبين، الصقور باتوا متعبين، فانسدَّ الجّرح بعياء.
ما بقيَ هو كتلة الصّخر اللاّ مُفَسَّرة. حاولت الأُسطورة تفسير اللاّ مُفسّر. وبما أنّها خرجت من ’هيولي‘ حقيقة فإنَّ عليها، بدورها، أن تنتهي إلى اللاّ مُفسّر.
(ترجمها إلى الإنجليزية ويلا ميور وإِدوِن ميور).
القرية المجاورة
اعتاد جَدِّيَ القول:- “الحياةُ قصيرةٌ بصورةٍ مذهلةٍ. لي، حينما أتأمّلُ فيها مسترجعاً، تبدو الحياةُ جدَّ موغلةٍ في التَّقاصُر بحيثُ أنّتي أكادُ لا أفهم، على سبيل المثال، أنَّى لرجلٍ شابٍّ التَّمكُّن من أن يقرّر أن يركبَ دابّته إلى القرية المجاورة دون أن يكونَ خائفاً– إذا استبعدنا من الحسبان الحادثات– من أنه حتّى فسحة حياةٍ عاديّةٍ سعيدةٍ قد يعوزها شديداً اللاّزمُ من الوقتِ لمثلِ تلكَ الرحلة”.
(ترجمها إلى الإنجليزية ويلا ميور وإدوِن ميور).
تحديق غائب الذّهن خلل النافذة
ما الذي سنفعله بأيّام الربيع القادمة نحونا الآن على عجل؟ باكراً في هذا الصّباح كانت السّماء رماديةً، لكنّكَ إن ذهبتَ إلى النافذة الآن ستندهش فتُسندُ خدّكَ إزاءَ مُفصَّلةِ برواز النّافذة.
الشّمسُ شارعةٌ الآن في الغروب، لكن هناكَ تحتَكَ أنتَ تراها وهي تُضيءُ وجهَ الفتاةِ الصغيرة الجّائلة في المكان وهي تتلفَّت حولها، وفي ذاتِ الوقتِ أنتَ تراها وهي تُخْسَفُ بظلِّ الرّجلِ المدركِ لها من خلفها.
ثمّ مضى الرجلُ عابراً بقربها فبقيَ وجهُ الفتاة الصغيرة مضيئاً تماماً.
(ترجمها إلى الإنجليزية ويلا ميور وإِدوِن ميور).
خلِّها ..!
كان الوقتُ صباحاً مبكِّراً جدَّاً؛ الشَّوارعُ نظيفةً ومهجورة. كنتُ في طريقي إلى المحطّة. حينما قارنتُ ساعتي مع ساعةِ البرجِ تحقَّقتُ من أنَّ الوقتَ متأخِّرٌ جدّاً عمّا ظننتُ وأنّ عليَّ أن أُسرع. صدمةُ هذا الاكتشاف جعلتني أشعر أنّني غير مستيقنٍ من الطّريق، فأنا لم أكن بعد على معرفةٍ حسنةٍ بالبلدةِ. لحسنِ الحظِّ كان هنالكَ رجلِ بوليسٍ بالجُّوار. جريتُ إليهِ وسألتُهُ لاهثاً عن الطّريق. ابتسمَ وقال:- “هل أنتَ تسألني عن الطّريق؟”. “نعم”، قُلتُ،”فأنا لا أستطيع أن أجده بنفسي”. “خلِّها! خلِّها”، قال هو ثمّ استدارَ باهتزازةٍ مفاجئةٍ كامرئٍ يريد أن يختلي وضحكته.
(ترجمها إلى الإنجليزية تانيا وجيمس استيرن).
الأشجار
… فنحنُ كجذوعِ أشجارٍ في الجّليد. في الظاهر هم يقفون هيِّنون ليِّنون وكأنّما دفعةٌ صغيرةٌ ينبغي أن تُكفي لإطلاقهم متدحرجين. لا، هذا ليسَ ممكنٌ فعله، فهم مقترنون بالأرض بثباتٍ. لكن تأمّلْ! حتّى ذلكَ ليسَ إلاّ ظاهراً.
(ترجمها عن الإنجليزية ويلا ميور وإِدوِن ميور).
صدٌّ
حينما أُقابلُ فتاةً مليحةً وأتوسّلها:- “فلتكوني طيبة حقّاً وتأتينَ معي” فتذهب متجاوزةً لي دون كلمةٍ واحدةٍ فهذا هو ما تعني قوله:- “أنتَ لستَ دوقاً له اسماً شهيراً، ولستَ أمريكياً طويلاً وعريضاً له هيئة هنديّ أحمر، عيوناً مستوية البروز ومتفكّرة، ثمَّ جلداً لوَّحه هواء البراري والأنهار التي تُفيض خلالهنّ؛ أنتَ لم تُسافر قطَّ إلى الأبحر السبعة وتبحر عبرهم إلى حيثما ساروا– لا أدري إلى أين.. .. إذاً لماذا، بحقِّ الصّلاة، ينبغي لفتاةٍ مليحةٍ مثلي أن تصحبكَ؟”
- “قد نسيتِ أنّ ليسَ من ثمةِ عربةٍ تتأرجح بكِ على الدّربِ متمهّلةً طويلاً طويلا؛ لا أرى رجلاً حسنَ الهيئةِ يُلاحقُكِ في مدى نصفِ دائرةٍ مغلقٍ فيكاد يلامس رداءكِ من الخلفِ وهو يُتمتمُ مُباركاتٍ فوقَ رأسَكِ؛ نهداكِ مشدودان بإحكامٍ داخل صدرك؛ لكن فخذيك وردفيك لا يُسيِّجُهما مثل ذلك القيد؛ أنتِ ترتدينَ ثوباً من “التَّافتا” مع “إسكيرت” ذي طيّات– وذاكَ ما أبهجنا جميعاً للغاية في الخريفِ الماضي؛ ثمّ أنتِ تبتسمين– مستدعيةً خطراً فاتكاً– بين الفينةِ والأُخرى”.
- “نعم، كلانا محقّان، ولصوننا من إدراكِ ذلك على نحوٍ ليسَ لنا به قِبَلٌ أليسَ من الأوفق لنا أن يمضي كلٌّ منّا، في دربه المفترق، إلى بيته فحسب؟”
(ترجمها إلى الإنجليزية ويلا ميور وإِدوِن ميور).
الشبّاك المشرف على الشارع
أيُّ شخصٍ يحيا حياةَ عزلةٍ ورغمَ ذلكَ يرغبُ، بين حينٍ وآخرٍ، في أن يرتبط بعلاقةٍ ما، من، تبعاً لتغيُّراتٍ في أوقاتِ اليوم، الجّو، وضعيّة أعماله التِّجارية، وما أشبَهَ ذلكَ فجأةً يرغبُ في أن يرى ذراعاً، أيَّ ذراع، قد يستمسكُ بها سوفَ لن يكون قادراً على تدبيرِ أُمورهِ على مدىً طويل ما لم يستعن بشبّاكٍ مشرفٍ على الشّارع. وإذ هو على مزاجٍ فاقد الرّغبة في أيِّ شيءٍ وفقط يذهب إلى اسكُفَّةِ (قاعدةِ) شبّاكه رجلاً متعباً ذي عينين متحوِّلتين عن المشهد العام نحو السّماء ثمّ آيبتين، مرّةً أُخرى، إلى ذاكَ، رجلاً لا يريد النّظرَ خارجاً فيُلقي برأسهِ قليلاً إلى الأعلى؛ حتّى ذلكَ الرجل، على حالته تلكَ، لن يستطيع، حينذاكَ، ألاّ يدع الخيولَ تستغرقهُ أسفلاً في مشهدِ قاطرةِ عرباتها التي تجرّها في انسجامٍ ومن ثمَّ، أخيراً، في مشهدِ الانسجامِ الإنسانيِّ.
(ترجمها عن الإنجليزية ويلا ميور وإِدوِن ميور)
الامتحان
أنا خادمٌ، لكن ليس هنالكَ عملٌ لي. أنا لستُ جريئاً ولا أقوى على دفع نفسي إلى المقدمة، بل حتى وإلى مستوىً أتساوى فيه مع الآخرين. لكن هذا سببٌ واحدٌ فقط لعطالتي عن العمل، بل وربما أنه لا علاقة له أبداً بتلك العطالة؛ الشيء الأساسيُّ، على أيةِّ حالٍ، هو أني لم أُستدع إلى الخدمة؛ آخرون قد تمّ استدعاؤهم مع أنهم لم يبذلوا جهداً في سبيلِ ذلكَ بقدرِ ما بذلت، بل وربّما هم، حقّاً، لم يشعروا بالرغبة في أن يُستدعوا فيما أنا، على الأقلِّ في بعضِ الأحيان، قد شعرتُ بها بقوّةٍ.
وهكذا استلقيتُ على فراشي المهترئ في صالة الخدم وأنا أُحدِّقُ في ألواح السّقف، أستسلمُ للنوم، أستيقظ، ثمّ حالاً أستسلمُ للنومِ مرّةً أخرى. في بعضِ المرات أذهبُ إلى الحانة حيثُ يبيعون بيرةً حامضةً– أحياناً قد قرِفتُ حتّى دلقتُ بعيداً ملءَ كوبٍ من تلكَ، وأحياناً أُخرى شربتها. أحبُّ الجلوس هناك لأنّه من خلفِ الشبّاك الصغير المغلق وبدون احتمالِ أن أُكتشف أستطيع أن ألقي بنظري إلى نوافذ منزلنا، ليس ذاكَ لأنّ المرءَ يستطيع رؤية الكثير هناك، فبحسبِ معرفتي فقط نوافذ الممرات هي التي تشرف على الشارع، بل وحتّى ذلكَ تُستثنى منه نوافذ الممرات التي تؤدّي إلى حجرة مخدِّمي. لكنه من المحتمل أيضاً أن أكونَ مخطئاً فيما قدّرت، فمرّةً قال لي ذلكَ أحدهم دون أن أسأله عنه، ويؤكّدُ ما ذهبَ إليه الانطباع العامّ الذي تُوحي به واجهة المنزل إيّاه. فقط نادراً ما تُفتح نوافذُ منزلنا. وحينما يحدث ذلكَ ففاعله يكونُ خادماً قد يتّكئ على الدّرابزون لينظر إلى تحتٍ هنيهةً. ويستتبع من هذا أنّ تلكَ ممرّات ليس فيها من مجالٍ لأخذهِ على حينَ غرّةٍ متلبِّساً بما هو فيه. في واقعِ الأمر أنا، شخصيّاً، لستُ على صلةٍ مع أولئكَ الخدم، فهؤلاءِ هم الذين يعملون دوماً في الطوابق العليا وينامون في مكانٍ آخرٍ ما وليس حجرتي.
مرّةً حينما وصلتُ إلى الحانة وجدتُ ضيفاً جالساً في موضع مراقبتي. ما جرأتُ على النّظرِ إليهِ عن كثبٍ فبتُّ على وشكِ الانعطافِ إلى الباب والمغادرة.
نادى عليّ الضيف، على كلٍّ، كي أُجئَ إليه. تبيّن لي أيضاً أنّه هو أيضاً كان خادماً سبقَ أن رأيته مرّةً في مكانٍ ما ولكنّي لم أتحدّث معه.
“لماذا تريد أن تزوغَ بعيداً؟ اجلس وتناول شراباً! أنا سأدفع ثمنه”. وهكذا جلست. سألني عن أشياءٍ عدّةٍ لكنني لم أستطع الإجابة، بل– حقّاً– لم أفهم أسئلته حتّى. عليه قلتُ:- “لعلّكَ الآن آسفٌ على أنّكَ دعوتني، لذا فمن الأفضل لي أن أذهب”، ثمّ تهيّأتُ للنهوض. لكنّه بسطَ ذراعَهُ ومدّها عبر المائدة ثمّ جذبني اسفلاً. “ابقَ”، قالَ، “ما كانَ ذلكَ إلاّ امتحاناً:- من لم يُجِبْ على الأسئلة فقد نجحَ في الامتحان”.
(ترجمها إلى الإنجليزية تانيا وجيمس إستيرن).
المغادرة
أمرتُ بحصاني أن يؤتي به من الإسطبل. لم يفهم الخادم أوامري. لذا ذهبتُ بنفسي إلى هناكَ وأسرجتُ حصاني واعتليته. في البعيد سمعتُ صوتَ بوقٍ وسألت الخادم عمّا عناه. هو لم يعرف ولم يسمع شيئاً. عند البوّابةِ أوقفني وسألني:- “إلى أينَ يذهب السيِّد؟”. “لا أدري”، أجبته، “فقط خارجاً من هنا، فقط خارجاً من هنا. خارجاً من هنا، لا شيءَ آخر. هذه هي الطريقة الوحيدة التي أستطيع بها بلوغَ هدفي”. “إذاً أنتَ تدري هدفكَ؟”، سألَ. “بلى”، أجبتُ، “أنا قد حدَّثتُكَ بهِ قبلَ هنيهةٍ:- خارجاً من هنا– هذا هو هدفي”.
(ترجمها إلى الإنجليزية تانيا وجيمس إستيرن).
الرغبة في أن يكونَ المرءُ هنديّاً أحمراً …
آهٍ لو كان المرءُ فقط هنديّاً أحمراً، يقظاً دوماً، راكباً ظهرَ حصانٍ عدّاءٍ متّكئاً على الرّيح ولا يفتأ يضّطربُ بلا قرارٍ على الأرض المقشعرّة حتّى يسفح المرءُ عنه مهاميزهُ بعيداً، فلا حاجةَ به حينذاكَ إلى مهاميز، ويقذفُ الأعنّةَ بعيداً، فلا حاجةَ به حينذاكَ إلى أعنّة، ثمّ يرى المرءُ، بالكادِ، أنّ الأرض تحته قد سُوِّيَتْ ناعمةً، قشّاً خلويّاً مجزوزاً فيما عنقُ الفرسِ ورأسه تكونا قد ذهبتا بعيداً.
(ترجمها إلى الإنجليزية ويلا ميور وإدوِنْ ميور).
في الليل
وضائعاً عميقاً في الليل كنتُ كما يخفضُ المرءُ رأسهُ أحياناً ليتأمّل … هكذا ليصير ضائعاً، بلا رجعةٍ في الليلِ. كلُّ النّاس حولي نيامٌ. إنّهم فقط يُمثّلونَ مسرحيّةً، خداعاً بريئاً للذّات، إذ هم ينامونَ في بيوتٍ، في أسرّةٍ آمنةٍ، تحتَ سقفٍ آمنٍ، يتمطّونَ متمدِّدين أو يتكرفسون حولَ أنفسهم على الألحفة، الملاءات، تحتَ البطّانيّات؛ في الحقيقة هم قد سدروا معاً، كما قد فعلوا طرفاً من الزّمان ثمّ أيضاً لاحقاً، في إقليمٍ مهجورٍ، معسكرٍ في العراء، عدداً لا يُحصى من الرِّجالِ، جيشاً، ناساً، تحتَ سماءٍ باردةٍ، على أرضٍ باردةٍ، فانكفؤوا مُكِبِّينَ حيثما كانوا ذاتَ مرّةٍ واقفين:- جبيناً منضغطاً على الذراع، وجهاً قُبالةَ التُّراب، متنفِّساً بهدوءٍ. وأنتَ تُراقبُ، أنتَ واحدٌ من الخفراء، أنتَ تجدُ من بقربكَ يشحذُ عصىً تحترقُ من بينَ كومةِ أغصانٍ وعساليجٍ مقطوعةٍ ماثلةٍ إزاءكَ. لماذا أنتَ تُراقب؟ ثمةُ أحدٍ يجبُ أن يُراقبَ– هكذا قيلَ؛ ثمةُ شخصٍ ما ينبغي أن يكونَ هناك.
(ترجمها إلى الإنجليزية تانيا وجيمس إستيرن).
مشاغلُ رجلٍ عائليٍّ
يقولُ البعض إنّ كلمةَ “أُدرَادِيك” ذاتُ أصلٍ سلافيٍّ. ثمّ يحاولون ردَّ اعتبارهم لها إلى ذلكَ الأساس. آخرون يعتقدونَ أنّ نفسَ الكلمة لها منشأ ألماني وأنّها، فقط، قد داخلتها مؤثِّرات سلافيّة. غيرَ أنَّ لا يقينية التّأويلين تتيح للمرء أن يفترض، بإنصافٍ، أنّ كليهما قد جانبا الدّقّة. ذلكَ خاصّةً وأنّ لا أحدَ منهما يزوّدنا بمعنىً معقولٍ لتلكَ الكلمة.
ما كان طبعاً للمرء أن يُشغل نفسه بأمثالِ هذه الدِّراسات لولا وجودِ مخلوقٍ يُدعى ” أُدْرَادِيك “. لوهلةٍ يبدو ذاكَ المخلوق، لناظره، وكأنه بَكَرةُ (مِسلكةُ) خيطٍ مسطّحة ومصممة على هيئةِ نجمةٍ. فعلاً يلوح هو وكأنما هنالك خيوط مغزولة حوله؛ بيد أنّ أولئكَ، قطعاً، ليسوا إلاّ نتفَ خيوطٍ قديمةٍ شديدةَ الاختلاف في أنواعها وألوانها معقودةً ومضمومةً معاً. لكن ذلكَ ’المخلوق‘ ما قُدَّ من بكرةٍ فقط. فهنالكَ، عداها، قضبانٌ خشبيّةٌ صغيرةٌ متعارضةٌ ناتئةٌ من وسطِ هيئته النّجمية وعصىً صغيرةٌ أخرى موصولةٌ بكلِّ ذلكَ من زاويةٍ مستقيمةٍ. على أساسِ تلكَ العصا، من جهةٍ، وأحد الرؤوس، أو السّنان، المشَكِّلَة للنّجمة، من جهةٍ أُخرى، يستطيع هذا ’الشيءُ‘ أن يقف مستقيماً وكأنّ له رجلين.
يُغرى المرءُ بالاعتقاد أنّ المخلوق إياه قد كان له، ذاتَ حينٍ، شكلٌ مفهومٌ نوعاً ما، ثمّ تدنّت هيئته، حالياً، إلى مجرّد بقيّةٍ من حطامِ ذلك. ومع ذلكَ يبدو هذا بعيداً عن واقع الأمر، فليست هنالكَ من إشارةٍ، على الأقلِّ، تدلُّ عليه إذ لا يوجد في أيِّ ناحيةٍ منه وجهٌ أو سطحٌ غيرُ مكتملٍ أو غيرُ مكسورٍ ليوحي بأيِّ شيءٍ من هذا القبيل. فكلُّ ذلكَ ’الشيء‘، رغمَ أنّه يتراءى لا معقولاً إلى حدٍّ بائنٍ، كان، على طريقته الخاصّة، تامّاً ومكتمل الخلقة. على كلِّ حالٍ يستحيلُ تقمُّص “أُدرَاديك”، فهو خفيف الحركةِ بصورةٍ غيرِ اعتياديّةٍ وليس بمستطاعٍ أبداً أن يُمسَكَ به.
إنه– أُدرَاديك– يكمن، على نوباتٍ، في غرفةِ السّطح، السُّلَّم المدرّج، العتبة وصالة المدخل. وهو كثيراً ما يغيبُ عنّا لشهورٍ عديدةٍ. آنذاكَ قد نُرجِّح أنه قد غادر منزلنا إلى منازلٍ أخرى؛ لكنه دائماً ما يعود إلى ذاتِ المنزلِ، مرّةً ثانيةً، وفيّاً مخلصاً.
وفي أحيانٍ عدةٍ تمضي أنتَ فيها خارجاً عبرَ البابِ ويتصادفُ أن يكونَ هو متَّكئاً على درابزين السُّلّم، تحتكَ مباشرةً بالضّبط، قد تتهيأُ لديكَ رغبةٌ في الحديثِ معه. طبعاً أنتَ لا تُوجّه إليهِ، حينذاكَ، أسئلةً صعبةً فتعامله– لشدّةِ صغرهِ (’قلّتِهِ‘) التي تدفعكَ إلى ذلكَ دفعاً– كطفلٍ.
“حسناً، ما اسمُكَ؟”، تسألُهُ. “أُدرَاديك”، يُجيبُكَ. “وأينَ تقطُنُ؟”. “لا مأوى محدّد”، يُخاطبُكَ ضاحكاً. لكنّ ضحكتُهُ تلكَ ما هي إلاّ نوعاً من ضحكٍ ليس له رئتينَ وراءهُ. فصوتُها يقتربُ من مشابهةِ حفيفِ أوراقِ شجرٍ ساقطةٍ. هنا، عادةً، ما تنتهي محادثتكَ إيّاه. بل، أحياناً، أنتَ قد لا تفلح حتّى في نيلِ هذه الإجاباتِ البسيطةِ منهُ فهو، حينذاكَ، كثيراً ما يبقى صامتاً لزمانٍ طويلٍ، متخشِّباً كمظهرِهِ.
أُسائلُ نفسي، بلا غايةٍ، ما الذي يُرجَّحُ أن يحدُثَ له؟ هل بإمكانه أن يموت؟ كلُّ ذلكَ الذي يموت يكن له– آناءَ معاشِهِ– بعضُ هدفٍ في الحياةِ، نوعٌ ما من الفاعليّة التي يُبليها الموت. لكنّ هذا لا ينطبق على “أُدرَاديك”. هل لي أن أفترضَ، إذاً، أنّهُ سيظلُّ– مباشرةً تحتَ أقدامِ أطفالي وأطفالِ أطفالي– دوماً متدحرجاً على السُّلّمِ المدرَّجِ فيما تتَّبِعُهُ مُلاحقةً ذيولُ خيوطهِ؟ إنّه لا يؤذي أحداً يستطيع المرءُ أن يراه. لكنّني أجدُ فكرةَ أنّهُ، لرُبّما، سيعيشُ من بعدي مؤلمةً في الغالبِ.
(ترجمها إلى الإنجليزيّة ويلا ميور وإِدوِن ميور).
شقاء
حينما غدت الحياةُ- ذاتَ أصيلٍ في نوفمبر- صائرةً إلى ما لا يُطاق وجريتُ بطولِ شريط السجّاد العتيق في حجرتي وكأنني أجري فوق معبر سباق، منكمشاً عن مرأى الطريق المضاء، ثمّ انثنيتُ إلى دخيلةِ الحجرةِ حيثُ وجدتُ “غولاً” جديداً في عمق المرآةِ وبكيتُ عالياً لأسمع فقط صوت صياحي الذي ما التقى بأيِّ ردٍّ على ندائهِ أو أيٍّ شيءٍ يستطيع أن يستطيع أن يجذب قوّته بعيداً، لذا فهو مضى صُعُدَاً بلا كابح ولم يقدر على التوقف حتّى حين كفّ عن أن يكونَ مسموعاً؛ انفتح البابُ الذي في الحائط نحوي؛ كيف كان ذلكَ خفيفاً مُنسرقاً- فالخفّةُ قد كانت مطلوبةً حينذاك- حتّى جعل الأفراس التي تقود المركبات- هنالك، أسفلاً، اسفلا، وفوق الحجارةِ المرصوفةِ- تنهضُ في الهواءِ كافراسٍ توحّشت في معركةٍ فانفلتت كاشفةً عن حناجرها للعدوّ! كشبحٍ صغيرٍ انبرت طفلةٌ داخلةً من الممرّ الحالكِ السّوادِ حيثُ لم يُضاءُ المصباحُ بعد ووقفت، بأطرافِ أصابعها، على لوحِ بلاطٍ يرتعشُ خفيةً. ومنبهرةً بالشّفقِ في غرفتي راحت تُغطّي وجهها بيديها بسرعةٍ لكنّها- على غيرِ المتوقّعِ- اكتفت لنفسها بلمحةٍ خلال النافذة حيثُ الغبشُ البُخاريُّ المتصاعدُ لضوءِ الشّارعِ قد قرَّ، أخيراً، تحت ستاره الظّلاميِّ خلف القضبان المعقوفة. بكُوعِها الأيمن اتّكأت الطفلةُ إزاءَ حائطِ المدخلِ المفتوح وتركت الهواءَ النّاشفَ يتلاعبُ حوالَيْ رسغي قدميها، حلقومها وصدغيها.
رمقتُها بنظرةٍ وجيزةٍ وقلتُ: “يومٌ طيِّبٌ”، ثمّ أخذتُ جاكتّتي من على حافّةِ الموقدِ العليا، ماى دمتُ لم أردْ أن أقف هناكَ نصفَ لابسٍ، نصفَ عارٍ. لهنيهةٍ تركتُ فمي يتدلّى مفتوحاً حتّى يستطيعُ اهتياجي أن يجدَ سبيلاً لهُ إلى الخارج. كان لي طعمٌ رديءٌ في فمي ورموشُ عينيَّ كانت خافقةً على خدّيَّ- باختصارٍ، كانت الزّيارةُ هذي، رُغمَ أنّي توقّعتُها، الشيءَ الوحيدَ الذي احتَجْتُهُ.
كانت الطّفلةُ ما تزالُ واقفةً إزاءَ الحائطِ، على ذاتِ البقعةِ، ضاغطةً يدها اليمنى على ورقِ الحائطِ ومأخوذةَ كلّيّةً باكتشافها، فيما خداها مُحمرّان على آخرهما، أنّ الحوائطَ المطليّةَ بالبياضِ كان لها سطحٌ خشنٌ وأنّها بدأتْ تحزّزُ أطرافَ أصابعها. قُلتُ:- “هل أنتِ حقّاً باحثةً عنّي؟ هلا ليس هنالكَ خطاً ما؟ ليسَ من شيءٍ أيسرَ من أن يُخطئَ المرءُ سبيلَهُ وهو في داخلِ هذا البناءِ الكبير. انا اسمي فلانٌ ابنُ فلانٍ وأقطنُ في الطابق الثالث. هل أنا هو الشّخصُ الذي تُريدينَ أن تلقيهِ؟”
- “صه! صه!” قالت الطّفلةُ من فوقِ كتفيها، “ليس في الامرِ ما يُزعجْ”.
- “إذاً تعالي وتقدّمِي إلى داخلِ الحجرة. أنا أريدُ أن أُغلقَ البابْ”.
- “أنا قد أغلقته في هذه الدقيقة بالضبط. لا تهتم. فقط كن مرتاح الخاطر”.
- “ليس ذلك بالذي يَهمُّ. لكن هنالك أناسٌ كثيرون يعيشون في هذا الممرّ وأنا، طبعاً، أعرفهم جميعاً. أغلبهم آتون الآن، من أعمالهم، إلى بيوتهم. ولئن يسمعوا أحداً يتحدّثُ في حجرةٍ فسوف يعتقدون، ببساطة، أنّ لهم حقٌّ في أن يفتحوا بابها ويرون ما يحدث. هم هكذا فحسب. هم يكونوا آنذاكَ قد أداروا ظهورهم لعملهم اليوميّ ولا يريدون، في مساءاتهم الحرّة- مؤقّتاً وبمقدار، أن يُملي عليهم أيّ واحدٍ أيَّ شيء. بجانب هذا، أنتِ تدرينَ ذلك بذاتِ القدرِ الذي أدريهِ بهِ. دعيني أغلق الباب”.
- “لماذا؟ ما الأمر معك؟ أنا لا مانع لديَّ إن يأتي المنزل جميعه إلى هنا. على كلٍّ أنا، كما أخبرتُكَ، قد سددتُ- بالفعل- الباب. هل لاتظنّ أنّك الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يغلق الأبواب؟ أنا سهوتُ حتّى عن أن أُديرَ المفتاحَ- من الدّاخل- في القِفل”.
- “ذاك حسنٌ إذاً. أنا لا أستطيعُ أن أسأل أكثرَ منهُ. ثمّ أنّكِ ما كُنْتِ في حاجةٍ إلى أن تُديري المفتاح- من الدّاخل- في القفل. الآنَ، ما دُمتِ هنا، خُذي راحتِكْ. أنتِ ضيفتِي. تستطيعينَ أن تثقي فيَّ تماماً. فقط تصرَّفِي كأنّكِ في بيتِكِ ولا تخافي. أنا لن أجبركَ إما على أن تبقِي هنا أو أن تُغادري. هل لي أن أُخبرَكِ بذلك؟ هل أنتِ لا تعرفينَ إلاّ قليلاً جدَّاً؟”
- “لا. أنتَ ما كنتَ في حاجةٍ، حقاً، لأن تُخبرني بكلِّ ذلك. أكثرُ من ذلك، ما كان ينبغي لكَ، في الأساس، أن تُخبرني به. ما أنا إلا طفلة. لماذا تقفُ معي على بساطِ معاملة شديدة الرسميّة كهذي؟”
- “ليس الامر بذاك السّوء. طفلةٌ أنتِ، طبعاً. لكنّكِ لستُ صغيرةً جدَّاً. أنتِ كبيرةً تماماً. ولئن كُنتِ سيّدةً شابّةً ما كُنْتِ ستجرئينَ على أن تُغلقي نَفْسَكِ، ببساطةٍ، في حجرةٍ واحدةٍ معي”.
- “لا حاجة للإنزعاج بشأنِ ذلك. أنا فقطأريدُ أن أقول:- “إن معرفتي الحسنة بكَ ليست جديرة كثيراً بأن تحميني. إنها فقط تريحك أنتَ من جهدِ أن ترائيني اجتماعياً. لكنّ، مع ذلك، ها أنتَ تجاملني. كفّ عن ذلك. أنا أسألك أن تكفّ عن ذلك. على كلّ، أنا لا أعرفك في كلّ الأماكن وفي كلّ الوقت، بالأخصّ ليسَ عندَ هذه الظّلمة. سيكون الأمرُ أفضلَ إن كنتَ قد أضأتَ النّور. لا، ربّما لا. على كلّ حالٍ سيعلق بذهني أنكَ كنتَ تهددني”.
- “ماذا؟ هل أنا من المفترض أن أكونَ قد هددتك؟ أنظري، يا أنتِ! أنا مسرورٌ جداً بقدومكِ أخيراً. أقول “أخيراً” لأن الوقتَ الآنَ متأخّرٌ بعض الشيء. أنا لا أفهمُ لماذا جئتِ متأخّرةً هكذا. لكنّه من المحتمل أنني، بفعلِ ابتهاجي بمرآكِ، كنتُ أتحدَّثُ بطريقةٍ غير مرتَّبةٍ ففهمتِ أنتِ كلماتي على نحوٍ خاطيء. أنا سأقبلُ، ولو سئلتُ عشر مرّات، بأنني قد أكون قد قلتُ شيئاً من ذاك القبيل، بأنني قد أكون تعرّضتْ لكِ بشتّى أنواعِ الكلام الذي قد يبدو تهديدياً- سأقبل كل ما قد تشائينَ قوله على ذلك السبيل؛ فقط لا تعاركيني، بحقِّ السماءْ! لكنّما كيف لخاطركِ أن ينطوي على أفكارٍ كتلك! كيف تقدرين على أن تؤذينني هكذا؟ لماذا تصرّين على تعكيرِ صفوِ برهة حضوركِ الوجيزةِ هنا؟ إن شخصاً غريباً قد يكونُ أكثرَ حساسيّةً منكِ إزاءَ هذا الأمر”.
- “ذلك أستطيعُ أن أصدّقُهُ دون صعوبة، فهو ليس اكتشافاً عظيماً، فليس هنالك أيّ شخصٍ غريبٍ كان بمقدورهِ أن يقتربَ منكَ حثيثاً كما أستطيع أنا- مسبقاً- بطبيعتي. أنتَ تعرفُ ذلكَ ايضاً. إذاً لماذا كلّ هذا الإستعراض العاطفي؟ لئن كنتَ تريدَ أن تعرضَ عليَّ مسرحيّةً كوميديّةً سأذهبَ من فوري!”
- “ماذا؟ هل لديك من الصفاقة مما يجعلك تحدثيني بذلك؟ إنك تتجرّأينَ عليّ فوق الحد. إن الحجرة التي أنتِ الآن بها هي، في غاية الأمر، حجرتي. وذلك الحائط الذي تَحُكِّين عليه أصابعكِ، كالمجنونةِ، هو حائطي. تلك هي حجرتي! وذاكَ هو حائطي! وفوق ذلكَ إنّ ما تقولينهُ سخيفٌ، كما وهو صفيق. أنت تقولين إنّ طبيعتك تغصبكِ على أن تحدثينني كذلك. هل الأمر هكذا؟ أوتغصبكِ طبيعتك؟ إنّ هذا لسلوكٌ عطوفٌ من قبل طبيعتكْ! إن طبيعتك هي طبيعتي، ولئن أنا شعرتُ، طبيعياً، بالودّ تجاهك لا ينبغي عليكِ، إذاً، أن لا تشعري تجاهي بأيّ شيءٍ آخر”.
- “هل يمكن لذاكَ أن يسمّى ’ودّاً‘؟”
- “أنا أتحدّثُ عن وقتٍ سابقٍ للآن الحالي”.
- “هل تدرك ما سأكون أنا عليهِ في وقتٍ لاحقْ؟”
- “أنا لستُ أدركُ أيّ شيءْ….”.
عدتُ، من بعدِ ذلكَ، إلى الطاولةِ القائمةِ إزاء سريري وأوقدتُ الشّمعةَ التي كانت عليها. عند ذلك الوقت ما كان لديّ ضوء غازٍ أو ضوءٍ كهربائيٍّ في حجرتي. ثم جلستُ، لوهلةٍ، عندَ الطاولة إياها حتى تعبتُ من ذلك، ارتديتُ معطفي الكبير، أخذتُ قبُّعتي من على الأريكةِ وأطفأتُ الشّمعة. وفيما أنا خارجٌ تعثّرتُ برجلِ كرسيٍّ.
عندَ السلّمِ قابلتُ أحدَ القاطنين في ذات الطابق التي كنتُ أسكنُ فيهِ.
- “أأنتَ خارجٌ مرةً أخري، بهذه السرعةِ، أيّها الوغد؟!” سأل هو فيما كان هو واقفاً ومثبّتاً رجليه، بحزمٍ، فوق عتبتين من عتبات السّلّم.
- “ماذا أستطيع أن أفعل؟” قلتُ، “فأنا قد وجدتُ، للتوّ، شبحاً في حجرتي”.
- “أنتَ تقولُ ذلكَ وكأنّكَ، بالضبط، قد عثرتَ، للتوّ، على شعرةٍ في حسائك”.
- “أنت تجعل من الأمرِ نكتةً أو مَضْحَكَة. لكن دعني أخبركُ:- إنّ الشّبحَ هو شبح”.
- “كم هو ذلك حقيقي! لكن ماذا إن لم يؤمن المرءُ، على الإطلاق، بوجود الأشباح؟”
- “حسناً. هل تظنُّ أنني أؤمن بوجود الأشباح؟ ثمّ كيف لعدم إيماني الممكن أن يعينني، على أيّةِ حال؟”
- “هذا أمرٌ بسيط. لن تحتاج، آنذاكَ، لأن تشعر بالخوف إذا جاءكَ، بالفعلِ، شبحْ”.
- “أوه. ذلكم فقط هو خوفٌ ثانويٌّ. فالخوفُ الحقيقيَّ هو خوفٌ من ذلك الذي تسبّب في ظهورِ الشّبحِ إياه. ذلك الخوفُ لا يذهبُ، عن المرءِ، بعيداً. أن أشعر به الآن، بقوّةٍ مُعتَبَرَةٍ، بداخلي”. آنذاكَ بدأتُ، من دافع العصبية الخالصة، أفتّش جيوبي تفتيشاً شديداً.
- “لكنّك إن لم تكن خائفاً من الشبح ذاته قد كان سيَسهُلُ عليكَ، حينذاكَ، أن تسألهُ، بسهولةٍ، عن الكيفية التي صار بها موجوداً بالمكانِ المعني”.
- “من الواضح أنّك لم تتحدّث أبداً مع شبح. إن المرء لا يظفرَ منهم، أبداً، بمعلومات صريحة. فالأمر معهم كله مراوحة بين هذا وذاك. إن هؤلاء الأشباح يبدون أكثر منّا مواربةً بشأنِ أمور وجودهم (حياتهم). لا غرابةَ في ذلك إن اعتبر المرء قوامهم الواهن النحيل”.
- “قد سمعتُ أن المرء يُمكنُ له أن يسمّنَهُمْ”.
- “يالكَ من مدركٍ للأمور! ذلك صحيح. لكن هل هنالك أيّ شخصٍ يمكن له أن يميلُ لفعلِ ذلك؟”
- “لم لا، خصوصاً إن كان ذلك الشبح أنثى مثلاً؟” قال هو ذلك فيما كان هو منتقلاً إلى الدرجة الأعلى من السّلّم.
- “أها”، قلتُ أنا، “لكنه حتى حينذاكَ لن يكن الأمر مستحقّاً لما قد يُبذلُ فيهِ”.
فكّرتُ في شيءٍ آخرٍ. كان جاري، حينذاكَ، في قد سبق وتقدم درجات إلى الأعلى بحيثُ أنه كان عليه لكي يراني أن ينحني فوق بئر السّلّم المدرّجْ. “مع ذلك”، قلتُ صائحاً، “لئن تسرقُ أنتَ- آنذاكَ- شبحي فكلّ ما بيننا سينتهي، حينذاكَ، إلى الأبدْ”.
“أوه، أنا كنتُ أمزحُ فقط”. قال ذلك وجذب رأسه خلفاً.
“ذلك لا غُبارَ عليهِ”، قلتُ أنا. الآن كان يمكنني أن أكون قد خرجتُ، بالفعلِ، على سبيلِ تَمَشٍّ هاديءٍ. لكن بما أنني قد شعرتُ، وقتذاكَ، بوحشةٍ شديدةٍ فضّلتُ أن أعودَ أدراجي إلى الطابق الأعلى الذي كنتُ أسكنُ فيه. عدتُ إلى هناكَ، ومن ثمّ إلى سريرِ نومي.
[ترجمها إلى الإنجليزية ويلا وإدون موير].هامش :-
- نشرت هذه القصص ضمن مجموعة الأعمال القصصية القصيرة الكاملة لفرانز كافكا الصادرة باللغةِ الإنجليزية، في العام 1992م (طبعة شعبية)، عن دار منيرفا للطباعة والنشر.
khalifa618@yahoo.co.uk
سودانايل أول صحيفة سودانية رقمية تصدر من الخرطوم